۞ الآية
فتح في المصحفوَءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلۡنَٰهُ هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلٗا ٢
۞ تقريب القرآن إلى الأذهان
التفسير يعرض الآية ٢
۞ الآية
فتح في المصحفوَءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلۡنَٰهُ هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلٗا ٢
۞ التفسير
(سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ) «سبحان» منصوب بفعل مقدر ، أي أسبح سبحان الإله الذي سار بالنبي ليلا ، فإن الإسراء هو السير ليلا ، والمراد بالعبد الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم فإنه من أفضل صفاته أن يكون عبدا ـ كامل العبودية ـ لله ، قالوا : ولذا قدم على الرسالة في التشهد «وأشهد أن محمدا عبده ورسوله» (لَيْلاً) للتوضيح والتأكيد (مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) في مكة ، والكثيرون على أن ذلك كان من دار «أم هاني» بنت «أبي طالب» وإنما أطلق المسجد الحرام عليه ، بعلاقة الكل والجزء ، فإن الجزء قد يطلق على الكل ، للملابسة بينهما ، فمكة يطلق عليها المسجد الحرام (إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) أي الأبعد ، فقد كان أهل مكة يسمون بيت المقدس بالمسجد الأقصى ، لبعده عن محلهم ، مقابل المسجد الأدنى الذي هو المسجد الحرام ـ عندهم ـ ثم أن هذا السير من مكة إلى المسجد الأقصى ، يسمى في عرفنا ب «الإسراء» لأنه سير من هنا إلى هناك ، ثم صعود الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم من المسجد الأقصى إلى السماء يسمى «معراجا» لعروجه صلىاللهعليهوآلهوسلم من هناك إلى السماوات ، وقد كان الإسراء والمعراج في ليلة واحدة ، في اليقظة ببدنه الشريف ، حسب ما انعقد عليه إجماع علمائنا ، ودلّ عليه ظاهر القرآن الحكيم ، والروايات المتواترة ، (الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ) فإن حول المسجد الأقصى ، كان مبعث الأنبياء ، وخصوصا العظام منهم ، كموسى وعيسى وإبراهيم وصالح وشعيب ويعقوب وإسحاق وإسماعيل وغيرهم عليهمالسلام ، ولعل هذا الإسراء كان لأجل التلميح إلى ربط الديانات الكبرى العالمية واليهودية والمسيحية والإسلام بعضها ببعض ، في لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1) ____________________________________ أصل جوهرها قبل التحريف في الدينين السابقين ، وعلى أيّ فقد كان حول المسجد الأقصى مباركا ببعث الأنبياء ، ونشر تعاليم السماء ، وكأنه سبحانه اختار هذه المناطق ، لأنها الوسط بين الشرق والغرب ، فزحف الدين منها إلى العالم هين يسير بخلاف ما لو كان الدين من أقصى الشرق والغرب ، وإنما أسرينا بالرسول (لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا) أي لبعض الآيات الكونية في الأرض والسماء (إِنَّهُ) تعالى (هُوَ السَّمِيعُ) لكل الأصوات فيسمع قول المكذب والمصدق (الْبَصِيرُ) بما يرى ، فيرى المؤمن والكافر والحركات والسكنات ، ثم أن قصة المعراج ليست عجيبة على الله سبحانه ، ومن يؤمن بأصل القرآن ، وإمكان الوحي والرسالة لا بد وأن يؤمن بهذه القصة ، والا فأي فرق بينه وبينها؟ نعم يستغرب هذه القصة الطبيعيون ، ومن إليهم ممن ضيقوا دائرة معارفهم في المحسوسات ، ولم يؤمنوا بما وراء الطبيعة (وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا) (1) ولا بأس بالإشارة إلى مجمل من القصة ، وتفصيلها في الكتب المفصلة : قال النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم : أتاني جبرئيل وأنا بمكة ، فقال : قم يا محمد ، فقمت معه ، وخرجت إلى الباب ، فإذا جبرئيل ومعه ميكائيل وإسرافيل ، فأتى جبرئيل بالبراق ، وكان فوق الحمار دون البغل ، خدّه كخد الإنسان وذنبه كذنب البقر ، وعرفه كعرف الفرس ، وقوائمه كقوائم الإبل ، عليه رحل من الجنة ، وله جناحان من فخذيه ، فقال لي جبرئيل : اركب ، فركبت ومضيت ، حتى انتهيت إلى بيت المقدس ، فلما انتهيت إلى بيت المقدس ، إذا بملائكة __________________ (1) الجاثية : 25. ____________________________________ من السماء نزلت بالبشارة والكرامة من عند رب العزة ، وصليت في بيت المقدس ، وبشرني إبراهيم في رهط من الأنبياء ، ثم وصف موسى وعيسى ثم أخذ جبرئيل بيدي إلى الصخرة ، فأقعدني عليها ، فإذا معراج إلى السماء لم أر مثلها حسنا وجمالا ، فصعدت إلى السماء الدنيا ، ورأيت عجائبها ، وملائكتها يسلمون عليّ ، ثم صعد بي جبرئيل إلى الثانية فرأيت عيسى ابن مريم ويحيى ابن زكريا ، ثم صعد بي إلى الثالثة ، فرأيت فيها يوسف ، ثم إلى الرابعة ، فرأيت فيها إدريس ، ثم إلى الخامسة ، فرأيت فيها هارون ، ثم صعد بي إلى السادسة ، فإذا فيها خلق كثير يموج بعضهم في بعض ، وفيها الكروبين ، ثم إلى السماء السابعة ، فرأيت فيها إبراهيم ، قال ثم جاوزناها متصاعدين إلى أعلى عليين ووصف صلىاللهعليهوآلهوسلم ذلك إلى أن قال : ثم كلمني ربي وكلمته ، ورأيت الجنة والنار والعرش والسدرة ، ثم رجعت إلى مكة ، فلما أصبحت حدثت به الناس ، فكذبني أبو جهل والمشركون ، وقال مطعم بن عدى : أتزعم أنك سرت مسيرة شهرين في ساعة؟ أشهد أنك كاذب ، ثم قالت قريش : أخبرنا عما رأيت ، فقلت : مررت بعير بني فلان ، وقد ضلوا بعيرا لهم ، وهم في طلبه ، وفي رحلهم قعب مملوء من ماء ، فشربت الماء ، ثم غطيته كما كان ، فاسألوهم ، هل وجدوا الماء في القدح؟ قالوا هذه آية قال صلىاللهعليهوآلهوسلم مررت بعير بني فلان ، فنفر بكرة فلان ، فانكسرت يدها ، فاسألوهم عن ذلك؟ فقالوا هذه آية أخرى ، ثم خرجوا يشتدون نحو الثنية ، وهم يقولون : لقد قضى محمد بيننا وبينه قضاء بيّنا ، وجلسوا ينتظرون حتى تطلع الشمس ، فيكذبوه ، فقال قائل : والله إن الشمس قد طلعت ، وقال آخر : والله هذه الإبل قد وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلاً (2) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً (3) ____________________________________ طلعت يقدمها أورق ، ولما جاءت العير وسألوهم عن ما ذكره الرسول؟ تبين صدقه صلىاللهعليهوآلهوسلم ، لكنهم أبوا إلا الكفر والفساد ، ولم يؤمنوا (1).