۞ تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة يوسف، آية ١٩

التفسير يعرض الآية ١٩

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَجَآءَتۡ سَيَّارَةٞ فَأَرۡسَلُواْ وَارِدَهُمۡ فَأَدۡلَىٰ دَلۡوَهُۥۖ قَالَ يَٰبُشۡرَىٰ هَٰذَا غُلَٰمٞۚ وَأَسَرُّوهُ بِضَٰعَةٗۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ ١٩

۞ التفسير

تقريب القرآن إلى الأذهان

(وَجاؤُ) جاء الأخوة (عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ) جاءوا أباهم ومعهم قميص يوسف ملطخا بدم مكذوب ، فقد ذبحوا جديا ولطخوا قميص يوسف بدمه ، حيث أنهم لما ألقوه في البئر جرّدوه من ثوبه وألقوه في البئر عاريا. وإنما جاء ب «على» لأن المعنى : «جاءوا على القميص بالدم» ، أي صبّوا عليه الدم ، هذا بناء على أن «جاء» يراد به المجيء على القميص ، لا المجيء نحو الأب ، وإنما يستفاد الثاني من السياق ، وأما لو أريد من «جاءوا» المجيء نحو الأب كان اللازم تقدير ، حال مثل «صابّين» ونحوه. «وكذب» مصدر أقيم مقام الوصف ، أي «مكذوب فيه» ، وإنما جاء بالمصدر للمبالغة ، كقولك : «زيد عدل». ولما نظر يعقوب إلى القميص عرف أنهم كاذبون في قولهم وأنهم قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (18) ____________________________________ إنما دبروا له مكيدة ، ولذا توجه إليهم و (قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً) أي زيّنت لكم أنفسكم الحاسدة ليوسف مكيدة دبرتموها. وقد روي : أنه عليه‌السلام لما رأى القميص وليس به آثار الشق ، علم أن الذئب لم يأكله فإن الذئب إذا أكل إنسانا مزّق ثيابه. قال الصادق عليه‌السلام : لما أتي بقميص يوسف إلى يعقوب قال : «اللهم لقد كان ذئبا رفيقا حين لم يشق القميص» (1). فأمري في هذا الفراق (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) روي عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والإمامين الباقر والصادق عليهما‌السلام : «إن الصبر الجميل هو الذي لا شكوى فيه إلى الخلق» (2) (وَاللهُ الْمُسْتَعانُ) به ، من «استعان» بمعنى : طلب العون (عَلى ما تَصِفُونَ) أي على دفع ما تصفونه من هلاك يوسف. وقد يقال : أنه كيف يوصف الصبر بالجميل ، مع أنه عليه‌السلام بكى حتى ابيضت عيناه؟ بل كيف يمكن للنبي أن يكون له مثل هذه العلاقة بالأولاد مع أنه يرى عظمة الله وثوابه؟ وقد يقال مثل ذلك في بكاء آدم عليه‌السلام والصديقة الطاهرة عليها‌السلام والإمام السجاد؟ والجواب : إن هذا النحو من البكاء والتوجّع كان له نوعا من التبليغ والإرشاد لم يكن يؤدى إلا بذلك ، فقد كان بكاء آدم عليه‌السلام __________________ (1) بحار الأنوار : ج 12 ص 299. (2) الكافي : ج 2 ص 93. وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ ____________________________________ إرشادا إلى وقع الخطيئة ـ ولو كانت ترك الأولى ـ وبيانا لما للجنة ورضا الله سبحانه من أهمية كبري حتى أن فراقها والدخول فيما لا يرضيه سبحانه ـ ولو لم يكن عصيانا ـ يوجبان هذا النوع من البكاء. وفي قصة آدم ، ما أجدر البكاء ولو ألف سنة لسخط الله العظيم الذي له كل شيء وبيده كل شيء .. وبكاء يعقوب كان تنفيرا لمثل هذا الاجرام الجماعي وإرشادا عمليا لما للحسد من الوقع السيئ على الحاسد والمحسود والمجتمع ، وإن مثل هذا التنفير العملي من أقوى أقسام الإرشاد والهداية .. وكذلك بكاء الصديقة الطاهرة والسجاد عليهما‌السلام كان تنفيرا عمليا لأعمال الغاصبين والسفاكين ، وإرشادا إلى عظمة المعزّى له ، الموجب لالتفات الناس حولهم فيستضيئون بأنوارهم ويهتدون بآثارهم.