۞ تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة الحج، آية ٤١

التفسير يعرض الآية ٤١

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۗ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ ٤١

۞ التفسير

تقريب القرآن إلى الأذهان

ثم بين سبحانه كيفية مظلوميتهم توضيحا لقوله «بأنهم ظلموا» (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍ) وهم المهاجرون الذين أخرجهم الكفار لكثرة أذاهم ، حتى اضطروهم إلى الخروج من ديارهم في مكة ، بدون أن يكونوا قد اقترفوا إثما أو ذنبا (إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ) فقد كان تمسكهم بالله سبحانه ، هو سبب إخراج الكفار لهم عن بلادهم ، والاستثناء منقطع ، وقد مر أن مثل هذا الاستثناء ، لكون الكلام في المستثنى منه مأخوذا على التجرد ، فالجملة تنحل إلى ثلاثة أشياء ، هكذا «لم يخرجوا من ديارهم» «إلا لقولهم ربنا الله» «وكان إخراجا بغير حق» لكن الاقتصاد في الكلام ، يوجب توصيف المستثنى منه بالجملة الثالثة ، ثم بين سبحانه ، أن الله يدفع غير المؤمنين بالمؤمنين ، حتى تبقى معالم الدين (وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ) أي أن الله سبحانه يدفع الكفار بسبب الأخيار وذلك الدفع بإيجابه سبحانه الجهاد والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، والإرشاد ـ في الظاهر ـ ونصره سبحانه لهم ـ في الباطن ـ (لَهُدِّمَتْ) جميع آثار الأديان (صَوامِعُ) جمع صومعة ، وأصلها من الانضمام ، ومنه الأصمع للألصق الأذنين ، وكل منضم فهو متصمع ، والصوامع هي محلات العبادة للنصارى ، ولعل وجه تسميتها بهذا الاسم ، لأنها تضم العباد والرهبان (وَبِيَعٌ) جمع بيعة ، وهي الكنائس لليهود ، ومحلات وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ____________________________________ عبادتهم ، ولعل وجه التسمية ، أن الإنسان الذي يراودها قد باع نفسه من الله سبحانه (وَصَلَواتٌ) أي محلات الصلاة ، بعلاقة الحال والمحل ، ولعله أريد به مواضع عبادة المجوس ، وفيها احتمالات أخر (وَمَساجِدُ) للمسلمين (يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيراً) الضمير إما عائد إلى المساجد ، أو إلى جميع ما تقدم ، والمراد أنها كانت تهدم كل في زمان النبي النافذ شرعه ، فكانت تهدم البيع في زمان موسى ، والكنائس في زمان عيسى عليه‌السلام ، وهكذا ، وأما أنها كانت تهدم في الوقت الحاضر ، فإن هذه المواضع للعبادة خير من عدمها بتسلط أهل الطبيعة ، والدهرية ، فإنها علائم من الدين ، وآثار من السماء ، وإن حرفها أهلها عن الأصل ، وكانت باطلة في زمان الإسلام ، غير المساجد ، فإنه سبحانه له علاقة بها ، في مقابل المعطلة والدهرية ، ومنه اغتنم المسلمون حين انتصر الفرس على الروم ، وكانوا يترقبون غلبة الروم ، لأنهم نصارى ، على الفرس عباد النار ، قال سبحانه (الم* غُلِبَتِ الرُّومُ* فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ* فِي بِضْعِ سِنِينَ) (1) (وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ) فإن من نصر شريعة الله ، كان الله ناصره ، وهذا من باب التشبيه ، وإلا فالله غني عن النصرة ، ثم إن الله ناصر لمن نصره طبيعي ـ كما هو غيبي مربوط بما وراء المادة ـ إذ المؤمن الذي يكمل قواه المادية ، ويبرز في الميدان ، يكون ضروريا بالقوتين المادية والروحية ، وللقوتين غلبة على القوة __________________ (1) الروم : 2 ـ 5. إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ____________________________________ الواحدة في الطرف المقابل ، وهي القوة المادية المجردة ، أما من لا يكمل قواه المادية ، اعتمادا على قواه الروحية فقط ، فقد خرج عن أوامر الله سبحانه ، الذي قال (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) (1) و (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ) (2) و (لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ) (3) و (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا) (4) و (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ) (5) وغيرها (إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌ) يقوى على نصرة المؤمنين (عَزِيزٌ) قاهر لا يغلبه أحد.