۞ تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة النحل، آية ٩٣

التفسير يعرض الآية ٩٣

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَلَتُسۡـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٩٣

۞ التفسير

تقريب القرآن إلى الأذهان

إن الوفاء بالعهد من أكثر الأمور تأكيدا لدى الإسلام ، سواء كان العهد مع الله أو مع رسوله ، أو مع الأئمة ، أو مع سائر الناس ، ولذا لا يترك هذا الحكم سبحانه إلا ويؤكده بضرب المثل ، ليكون أوقع في النفس ، ويتعاون العقل والعاطفة في إنفاذه (وَلا تَكُونُوا) أيها الناس في نقض الأيمان والعهود كالمرأة التي (نَقَضَتْ غَزْلَها) وفلّته (مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ) بأن غزلت ثم نقضت بعد تكرار وفشل وشدة ، قالوا : فقد كانت امرأة تسمى ريطة من تميم ، وكانت حمقاء ، فإذا أصبحت أخذت هي وجيرانها تغزل إلى انتصاف النهار ، ثم هي تنقض غزلها وتأمرهن أن ينقضن ما غزلن ولا يزال هذا دأبها ، فإن الرجل الذي ينقض العهد واليمين ، يكون كتلك المرأة ، في أنه بعد إبرام العهد ، ينقضه (أَنْكاثاً) جمع «نكث» وهو الغزل من الصوف والشعر ببرم ثم ينكث وينقض ليغزل ثانية ، ولقد كان بعض المعاهدين مع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ينقضون عهدهم معهم ، بحجة أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأصحابه قلة ضعيفة ، وأن تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ ____________________________________ قريش ، وسائر الكفار كثرة قوية ، ولكن هذا المبرر من عموم لا وجه له ، وإلا فما فائدة العهود والأيمان؟ (تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ) أي لا تكونوا بحيث تتخذون عهودكم وحلفكم (دَخَلاً) أي خدعة ومكرا ، فإن أصل الدخل ما أدخل في الشيء على وجه الفساد (بَيْنَكُمْ) فإن اليمين دخلت بين الطائفتين على وجه الفساد ، لأنها تسبب أن يتنازل جانب ـ وهم المسلمون ـ عن بعض منافعهم مراعاة لليمين والعهد بينهم وبين الكافرين ، بينما أن الجانب الثاني ـ وهم الكفار ـ لا يتنازلون على شيء من شؤونهم ، فهم ما داموا يرون ضعف أنفسهم عن مقاومة المسلمين يحتمون باليمين ، فإذا رأوا أنفسهم أقوياء نقضوها ، ليكونوا على المسلمين وهذا بخلاف العهد من الإنسان الوفي ، فإنه دخل بين الطرفين على وجه الصلاح ، وإذ يعطي الطرفين الأمن والطمأنينة وإنما كان الكفار ينقضون العهد حيث (أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ) «أربى» أفعل من الربا ، وهو الزيادة ، ومنه الربا في المعاملة ، أي لا تتخذوا الأيمان دخلا بسبب كون أمة أكثر عددا وقوة من أمة ، والحاصل ، لا تنكثوا أيمانكم ، في حال كونكم اتخذتموها خديعة تريدون بالنكث الوصول مع أمة أخرى هي أكثر عددا من الأمة الأولى التي كانت طرف عهدكم (إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللهُ) أي يفعل بكم فعل المختبر (بِهِ) أي تكون أمة أربى من أمة ، ليظهر مدى وفائكم بالعهد ، فإن الوفاء بالعهود لا تظهر قيمته فيما كان الأمر على قدم المساواة مع طرف المعاهدة وغيرهم ، وإنما تظهر القيمة فيما كان الميزان غير معتدل ، وتكون الأمة غير المعاهد معها ، أقوى من المعاهد معها ، هذه وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92) وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (93) ____________________________________ وظيفتكم أيها المعاهدون ، أما الجانبان المتخالفان الذين عاهدتم مع أحدهما ، فإن الفصل بينهم سيكون في يوم القيامة ، بعد أن لم يرضخ أحدهما للحق الذي يراه في جانب خصمه ، (وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ) بيانا يعقبه الجزاء (ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) أو أن المراد لزوم وفاء المعاهد بعهده ، وإن رأى أنه على خلاف مع من عاهد معه ، فإن وظيفته الوفاء ، أما التخالف بينهما ، فإنه سيفصل يوم القيامة ، وهذا أظهر باعتبار الخطاب في «لكم».