۞ تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة إبراهيم، آية ٣٨

التفسير يعرض الآية ٣٨

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعۡلَمُ مَا نُخۡفِي وَمَا نُعۡلِنُۗ وَمَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ ٣٨

۞ التفسير

تقريب القرآن إلى الأذهان

ثم قال إبراهيم عليه‌السلام في دعائه (رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي) أي جعلت لبعض ذريتي السكن ومحل الاقامة (بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ) أي أرض غير مزروعة ، وقد أراد بذلك إسماعيل عليه‌السلام حيث أنه جعل عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ ____________________________________ هناك إسماعيل وأمه هاجر ، دون إسحاق وأمه سارة ، فقد كانا عنده قرب فلسطين ، حيث مخيمه ومضيفه وماشيته ، وقد أمر الله سبحانه إبراهيم بهذا الإسكان ، عند البيت لينتشر البلاغ والدعوة من هناك ، وقد كان إبراهيم يتراوح بين مكة وفلسطين ، وقد صار ما قدره الله سبحانه من انتشار الدعوة من هناك ، ولعلّ جعل إسماعيل الصغير وأمه هاجر ، في تلك الصحراء القفر الموحش حكمة جلب أنظار المارة ، ومن حولهم ـ بعيدا ـ في الأخبية من البدو النزل ، إلى هذا البيت ، فيكون ذلك سببا للهداية فإن الفطرة البشرية تعطف على المظلوم والغريب والكسير ومن إليهم ، مما يهيئ الجو المستعد للبلاغ والإرشاد. (عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ) وإنما قال عليه‌السلام عند بيتك ولم يبين بعد ، لأن البيت كان سابقا على إبراهيم ولذا ورد أن آدم عليه‌السلام حج البيت ، وإنما خرّب بعد ذلك حتى ذهب أثره ، إما بفعل الطبيعة ، أو بعض الأشخاص كما قال بعض المفسرين أنه خربه «طسم» و «جديس» وإضافة البيت إليه سبحانه تشريفي ، ووصف البيت بالمحرم لأنه لا يجوز الوصول إليه إلا بالإحرام ، أو بمعنى العظيم الحرمة ، أو لأنه يحرم فيه بعض الأشياء كالصيد وما أشبه. (رَبَّنا) إني قد أسكنتهم هناك (لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ) ولعلّ المراد إقامتها بإرشاد الناس إليها ودعوتهم إلى الصلاة ، لا أنهم يصلونها ، فإن ذلك كان ممكنا حتى عند غير البيت ، أو المراد أن كونهم في البيت هو الذي يحفزهم على إقامة الصلاة ، فإن الإنسان إذا كان في مراكز القدس ، يمثل نفسه إلى الابتهال والاتصال بالله سبحانه ، بخلاف فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37) ____________________________________ الإنسان الذي هو بعيد فإن المحيط يوحي بما يحمل معه من المعاني الخيرة أو الشريرة (فَاجْعَلْ) يا رب (أَفْئِدَةً) جمع فؤاد ، وهو القلب (مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) أي تميل إليهم وتهواهم ، وذلك سبب لتعمير البيت أولا ، وإقبال الناس على الحق ثانيا ، وسيادة الذرية ثالثا ، ومن المعلوم أن من المرغوب فيه أن يكون أبناء الإنسان سادة ، سواء للدين أو الدنيا ، كما قال سبحانه حكاية عن المؤمنين (وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً) (1) هذا بالإضافة إلى إصلاح أمور معايشهم إذا هوتهم الأفئدة فاختلف الناس إليهم. (وَارْزُقْهُمْ) يا رب (مِنَ الثَّمَراتِ) ولعل هذا الدعاء كان لأجل أن مكة لجدب أرضها لا تنبت ثمرا ، إلا أن يشاء الله أن يؤتي إليها بالثمار ، وقد استجاب الله كل دعاء إبراهيم عليه‌السلام التي منها هذا الدعاء ، فإن مكة إلى هذا اليوم يجبي إليها ثمرات كل شيء ، فالحاج يرى هناك من أنواع الثمار المجبية من أطراف الأرض ما يدهشه (لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) أي لكي يشكروا نعمك ويعرفوا فضلك فيفوزوا بسعادة الدنيا والآخرة ، و «لعلّ» ، علة لما تقدّمه من أدعية إبراهيم عليه‌السلام أي افعل بهم كذا وكذا لكي يشكروا ، أو رجاء أن يشكروا فإن الإنسان جبل على شكر المنعم.