۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة العصر، آية ٢

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ٣

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَٱلۡعَصۡرِ ١ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ ٢ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ ٣

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ وَ الْعَصرِ (1) إِنّ الانسنَ لَفِى خُسرٍ (2) إِلا الّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُوا الصلِحَتِ وَ تَوَاصوْا بِالْحَقِّ وَ تَوَاصوْا بِالصبرِ (3)

اللغة

أصل العصر عصر الثوب و نحوه و هو فتله لإخراج مائه و منه عصر الدهر فإنه الوقت الذي يمكن فيه فتل الأمور كما يفتل الثوب و العصر العشي قال:

{يروح بنا عمرو و قد قصر العصر --- وفي الروحة الأولى الغنيمة و الأجر}

و العصران الغداة و العشي و العصران الليل و النهار قال:

{ولن يلبث العصران يوم و ليلة --- إذا طلبا أن يدركا ما تيمما}

الإعراب

أراد بالإنسان الجمع دون المفرد بدلالة أنه استثنى منه الذين آمنوا و روى بعضهم عن أبي عمرو «و تواصوا بالصبر» على لغة من قال مررت ببكر.

المعنى

«و العصر» أقسم سبحانه بالدهر لأن فيه عبرة لذوي الأبصار من جهة مرور الليل و النهار على تقدير الأدوار و هو قول ابن عباس و الكلبي و الجبائي و قيل هو وقت العشي عن الحسن و قتادة فعلى هذا أقسم سبحانه بالطرف الأخير من النهار لما في ذلك من الدلالة على وحدانية الله تعالى بإدبار النهار و إقبال الليل و ذهاب سلطان الشمس كما أقسم بالضحى و هو الطرف الأول من النهار لما فيه من حدوث سلطان الشمس و إقبال النهار و أهل الملتين يعظمون هذين الوقتين و قيل أقسم بصلاة العصر و هي الصلاة الوسطى عن مقاتل و قيل هو الليل و النهار و يقال لهما العصران عن ابن كيسان «إن الإنسان لفي خسر» هذا جواب القسم و الإنسان اسم الجنس و المعنى أنه لفي نقصان لأنه ينقص عمره كل يوم و هو رأس ماله فإذا ذهب رأس ماله و لم يكتسب به الطاعة يكون على نقصان طول دهره و خسران إذ لا خسران أعظم من استحقاق العقاب الدائم و قيل لفي خسر أي في هلكة عن الأخفش «إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات» استثنى من جملة الناس المؤمنين المصدقين بتوحيد الله العاملين بطاعة الله «و تواصوا بالحق» أي وصى بعضهم بعضا باتباع الحق و اجتناب الباطل و قيل الحق القرآن عن الحسن و قتادة و قيل هو الإيمان و التوحيد عن مقاتل و قيل هو أن يقولوا عند الموت لمخلفيهم لا تموتن إلا و أنتم مسلمون «و تواصوا بالصبر» أي وصى بعضهم بعضا بالصبر على تحمل المشاق في طاعة الله عن الحسن و قتادة و بالصبر عن معاصي الله أي فإن هؤلاء ليسوا في خسر بل هم في أعظم ربح و زيادة يربحون الثواب باكتساب الطاعات و إنفاق العمر فيها فكان رأس مالهم باق كما أن التاجر إذا خرج رأس المال من يده و ربح عليه لم يعد ذلك ذهابا و قيل «لفي خسر» معناه لفي عقوبة و غبن من فوت أمهله و منزله في الجنة و قيل المراد بالإنسان الكافر خاصة و هو أبو جهل و الوليد بن المغيرة و في هذه السورة أعظم دلالة على إعجاز القرآن أ لا ترى أنها مع قلة حروفها تدل على جميع ما يحتاج الناس إليه في الدين علما و عملا و في وجوب التواصي بالحق و الصبر إشارة إلى الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الدعاء إلى التوحيد و العدل و أداء الواجبات و الاجتناب عن المقبحات و قيل أن في قراءة ابن مسعود و العصر إن الإنسان لفي خسر و أنه فيه إلى آخر الدهر و روي ذلك عن علي (عليه السلام).