۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة التكاثر، آية ٧

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ٨

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

أَلۡهَىٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ ١ حَتَّىٰ زُرۡتُمُ ٱلۡمَقَابِرَ ٢ كـَلَّا سَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٣ ثُمَّ كـَلَّا سَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٤ كـَلَّا لَوۡ تَعۡلَمُونَ عِلۡمَ ٱلۡيَقِينِ ٥ لَتَرَوُنَّ ٱلۡجَحِيمَ ٦ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيۡنَ ٱلۡيَقِينِ ٧ ثُمَّ لَتُسۡـَٔلُنَّ يَوۡمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ ٨

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ أَلْهَاكُمُ التّكاثُرُ (1) حَتى زُرْتمُ الْمَقَابِرَ (2) َكلا سوْف تَعْلَمُونَ (3) ثُمّ َكلا سوْف تَعْلَمُونَ (4) َكلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَترَوُنّ الجَْحِيمَ (6) ثُمّ لَترَوُنهَا عَينَ الْيَقِينِ (7) ثُمّ لَتُسئَلُنّ يَوْمَئذٍ عَنِ النّعِيمِ (8)

القراءة

قرأ ابن عامر و الكسائي لترون بضم التاء و روي ذلك عن علي (عليه السلام) و الباقون «لترون» بالفتح.

الحجة

قال أبو علي: من قال لترون بضم التاء فإن رأى فعل يتعدى إلى مفعول واحد تقول رأيت الهلال كما تقول لبست ثوبك فإذا نقلت الفعل بالهمزة زاد مفعول آخر تقول أريت زيدا الهلال فإذا بنيت هذا الفعل للمفعول قلت أري زيد الهلال و كذلك «لترون الجحيم».

اللغة

الإلهاء الصرف إلى اللهو و اللهو الانصراف إلى ما يدعو إليه الهوى يقال لها يلهو لهوا و لهي عن الشيء يلهى و منه قولهم فإذا استأثر الله بشيء فاله عنه و التكاثر التفاخر بكثرة المناقب يقال تكاثر القوم إذا تعادوا ما لهم من المناقب و الزيارة إتيان الموضع كإتيان المألوف على غير إقامة زاره يزوره زيارة و منه زور تزويرا إذا شبه الخط بما يوهم أنه خط فلان و ليس به و المزورة من ذلك اشتقت و الفرق بين النعيم و النعمة أن النعمة كالإنعام في التضمين لمعنى منعم أنعم إنعاما و نعمة و كلاهما موجب للشكر و النعيم ليس كذلك لأنه من نعم نعيما فلو عمل ذلك بنفسه لكان نعيما لا يوجب شكرا و أما النعمة بفتح النون فمن نعم بضم العين إذا لان.

الإعراب

كلا حرف و ليس باسم و تضمنه معنى ارتدع لا يدل على أنه كصه بمعنى اسكت و مه بمعنى اكفف أ لا ترى أن أما تتضمن معنى مهما يكن من شيء و هو حرف فكذا كلا ينبغي أن يكون حرفا «كلا لو تعلمون» جواب لو محذوف و تقديره لما ألهاكم التكاثر.

و «علم اليقين» مصدر و قيل هو قسم و التقدير و علم اليقين لترون الجحيم أي عذاب الجحيم فحذف لأن رؤيتها ليس بوعيد و إن الوعيد برؤية عذابها و تقديره في الإعراب علم الخبر اليقين فحذف المضاف و مثله حب الحصيد و لا يجوز الهمز في واو «لترون» و «لترونها» على قياس أثؤب في أثوب و أعد في وعد لأن الضمة هنا عارضة لالتقاء الساكنين و ليست بلازمة و أما «عين اليقين» فانتصابه انتصاب المصدر أيضا كما تقول رأيته حقا و تبينته يقينا و الرؤية هنا بمعنى المشاهدة كما قال سبحانه و إن منكم إلا واردها.

النزول

قيل نزلت السورة في اليهود قالوا نحن أكثر من بني فلان و بنو فلان أكثر من بني فلان ألهاهم ذلك حتى ماتوا ضلالا عن قتادة و قيل نزلت في فخذ من الأنصار تفاخروا عن أبي بريدة و قيل نزلت في حيين من قريش بني عبد مناف بن قصي و بني سهم بن عمرو تكاثروا و عدوا أشرافهم فكثرهم بنو عبد مناف ثم قالوا نعد موتانا حتى زاروا القبور فعدوهم و قالوا هذا قبر فلان و هذا قبر فلان فكثرهم بنو سهم لأنهم كانوا أكثر عددا في الجاهلية عن مقاتل و الكلبي.

المعنى

«ألهاكم التكاثر» أي شغلكم عن طاعة الله و عن ذكر الآخرة التكاثر بالأموال و الأولاد و التفاخر بكثرتهما «حتى زرتم المقابر» أي حتى أدرككم الموت على تلك الحال عن الحسن و قتادة و قال الجبائي: حتى متم على ذلك و لم تتوبوا و قيل ألهاكم التباهي بكثرة المال و العدد عن تدبر أمر الله حتى عددتم الأموات في القبور و روى قتادة عن مطرف بن عبد الله الشخير عن أبيه قال انتهيت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و هو يقول «ألهاكم التكاثر» السورة قال يقول ابن آدم مالي مالي و ما لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت أورده مسلم في الصحيح ثم رد الله تعالى عليهم هذا فقال «كلا» أي ليس الأمر الذي ينبغي أن تكونوا عليه التكاثر ثم أوعدهم فقال «سوف تعلمون» ثم أكد ذلك و كرره فقال «ثم كلا سوف تعلمون» قال الحسن و مقاتل: هو وعيد بعد وعيد و المعنى سوف تعلمون عاقبة تباهيكم و تكاثركم إذا نزل بكم الموت و قيل معناه سوف تعلمون في القبر ثم سوف تعلمون في الحشر رواه زر بن حبيش عن علي (عليه السلام) قال ما زلنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت «ألهاكم التكاثر» إلى قوله «كلا سوف تعلمون» يريد في القبر «ثم كلا سوف تعلمون» بعد البعث و قيل إن المعنى «كلا سوف تعلمون» إذا رأيتم دار الأبرار «ثم كلا سوف تعلمون» إذا رأيتم دار الفجار و العرب تؤكد بكلا و حقا «كلا لو تعلمون علم اليقين» هذا كلام آخر يقول لو تعلمون الأمر علما يقينا لشغلكم ما تعلمون عن التفاخر و التباهي بالعز و الكثرة و علم اليقين هو العلم الذي يثلج به الصدر بعد اضطراب الشك فيه و لهذا لا يوصف الله بأنه متيقن ثم استأنف سبحانه وعيدا آخر فقال «لترون الجحيم» على نية القسم عن مقاتل يعني حين تبرز الجحيم في القيامة قبل دخولهم إليها «ثم لترونها» يعني بعد الدخول إليها «عين اليقين» كما يقال حق اليقين و محض اليقين و معناه ثم لترونها بالمشاهدة إذا دخلتموها و عذبتم بها «ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم» قال مقاتل: يعني كفار مكة كانوا في الدنيا في الخير و النعمة فيسألون يوم القيامة عن شكر ما كانوا فيه إذ لم يشكروا رب النعيم حيث عبدوا غيره و أشركوا به ثم يعذبون على ترك الشكر و هذا قول الحسن قال لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار و قال الأكثرون: أن المعنى ثم لتسئلن يا معاشر المكلفين عن النعيم قال قتادة: إن الله سائل كل ذي نعمة عما أنعم عليه و قيل عن النعيم في المأكل و المشرب و غيرهما من الملاذ عن سعيد بن جبير و قيل النعيم الصحة و الفراغ عن عكرمة و يعضده ما رواه ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة و الفراغ و قيل هو الأمن و الصحة عن عبد الله بن مسعود و مجاهد و روي ذلك عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه السلام) و قيل يسأل عن كل نعيم إلا ما خصه الحديث و هو قوله ثلاث لا يسأل

عنها العبد خرقة يواري بها عورته أو كسرة يسد بها جوعته أو بيت يكنه من الحر و البرد و روي أن بعض الصحابة أضاف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع جماعة من أصحابه فوجدوا عنده تمرا و ماء باردا فأكلوا فلما خرجوا قال هذا من النعيم الذي تسألون عنه و روى العياشي بإسناده في حديث طويل قال سأل أبو حنيفة أبا عبد الله (عليه السلام) عن هذه الآية فقال له ما النعيم عندك يا نعمان قال القوت من الطعام و الماء البارد فقال لئن أوقفك الله يوم القيامة بين يديه حتى يسألك عن كل أكلة أكلتها و شربة شربتها ليطولن وقوفك بين يديه قال فما النعيم جعلت فداك قال نحن أهل البيت النعيم الذي أنعم الله بنا على العباد و بنا ائتلفوا بعد أن كانوا مختلفين و بنا ألف الله بين قلوبهم و جعلهم إخوانا بعد أن كانوا أعداء و بنا هداهم الله للإسلام و هي النعمة التي لا تنقطع و الله سائلهم عن حق النعيم الذي أنعم الله به عليهم و هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و عترته.