ثم ينتقل السياق إلى بعض آخر من الآثار الكونية ، الدالة على وجود الإله ، وصفاته العظيمة (وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ) بحر المياه المالحة ، وبحر المياه العذبة ، فإن الأنهر غالبا تتصل بعضها ببعض ، حتى أنها لتكون تحت الأرض ، وفوقها بحارا من المياه المتصلة ، ثم أن المراد بالبحر الجنس ، لا الشخص (هذا) أي أحدهما (عَذْبٌ) أي طيب (فُراتٌ) صاف (سائِغٌ شَرابُهُ) إذا شربه الإنسان ، لا يلتوي في الحلق ، ولا يؤذي اللهات (وَهذا) الآخر (مِلْحٌ) كأنه من كثرة ملوحته ، قطعة ملح ، نحو زيد عدل (أُجاجٌ) من ينشب في الحلق ، فمن خلق هذين البحرين يا ترى؟ (وَمِنْ كُلٍ) من البحرين (تَأْكُلُونَ) أنتم أيها البشر (لَحْماً طَرِيًّا) جديدا ، هو السمك ، فمع اختلاف البحرين يأتيان بشيء متماثل لمنفعة الإنسان ، وإنما سمي السمك ، لحما طريا ، لما اعتادوا ـ في زمن الجاهليين ـ من أكل القديد ، بتجفيف لحوم الأنعام (وَتَسْتَخْرِجُونَ) أي تخرجون بالطلب والغوص ، من البحر (حِلْيَةً) أي زينة ، هي اللؤلؤ (تَلْبَسُونَها) للتزين (وَتَرَى) أيها الرائي (الْفُلْكَ) بالضم على وزن أسد ، جمع فلك على وزن قفل ـ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ ____________________________________ فالمفرد والجمع متساويان وزنا ، مختلفان ميزانا ـ (فِيهِ) أي في البحر (مَواخِرَ) جمع ماخرة ، يقال مخرت السفينة الماء إذا شقته لتسير ، فمن يا ترى أقدر السفينة على ذلك ، وجعل الماء سهلا ، يقبل السير فيه؟ إنه هو الله تعالى ، وإنما جعل ذلك (لِتَبْتَغُوا) أي لتطلبوا أنتم أيها البشر (مِنْ فَضْلِهِ) سبحانه بالتجارة ، والانتقال من هنا إلى هناك للاكتساب (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) نعمه عليكم فتسحتقون بذلك الثواب.