۞ تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة طه، آية ٤١

التفسير يعرض الآية ٤١

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ التفسير

تقريب القرآن إلى الأذهان

(إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ) الظرف متعلق بتصنع ، أي كان ذلك في زمان مشي أختك ، أو لأجل أن تصنع على عيني قدرنا مشي أختك (فَتَقُولُ) أختك لآل فرعون ، حيث أرادوا لك مرضعة (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ) يقوم بشؤونه؟ (فَرَجَعْناكَ) يا موسى (إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها) برؤيتك وحياطتك ، وقرار العين كناية عن السرور ، مقابل الواله الذي تطير عينه هنا وهناك (وَلا تَحْزَنَ) لا يحزن قلبها ، فيضفي رجوعك عليها الهدوء والسكينة في ظاهرها وباطنها. ورد أن موسى لما حملت به أمه لم يظهر حملها إلا عند وضعه ، وكان فرعون قد وكل بنساء بني إسرائيل نساء من القبط تحفظهن ، وذلك لما كان بلغه عن بني إسرائيل قولهم : أنه يولد فينا رجل يقال له موسى بن عمران يكون هلاك فرعون وأصحابه على يديه ، فقال فرعون عند ذلك : لأقتلن ذكور أولادهم حتى لا يكون ما يريدون ، وفرق بين الرجال والنساء وحبس الرجال في المحابس ، فلما وضعت أم موسى بموسى ، نظرت إليه وحزنت واغتمت وبكت ، وقالت : يذبح الساعة فعطف الله بقلب الموكلة بها عليه ، فقالت لأم موسى : ما لك قد اصفر لونك؟ فقالت : أخاف أن يذبح ولدي ، فقالت : لا تخافي ، وكان موسى لا يراه أحد إلا أحبه وهو قوله «وألقيت عليك محبة مني» فأحبته القبطية الموكلة به ، وأنزل الله على أم موسى التابوت ، ونوديت : ضعيه في التابوت فاقذفيه في اليم ، وهو البحر ولا تخافي ____________________________________ ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين ، فوضعته في التابوت وأطبقت عليه وألقته في النيل ، وكان لفرعون قصور على شط النيل منزهات ، فنظر من قصره ومعه آسية امرأته إلى سواد في النيل ترفعه الأمواج ، والرياح تضربه حتى جاءت به إلى باب قصره ، فأمر فرعون بأخذه فأخذ التابوت ورفع إليه ، فلما فتحه وجد فيه صبيا ، فقال : هذا إسرائيلي ، فألقى الله في قلب فرعون لموسى محبة شديدة وكذلك في قلب آسية ، وأراد فرعون أن يقتله فقالت آسية : لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون أنه موسى ، ولم يكن لفرعون ولد فقال : ادنوا له ظئرا لتربيته ، فجاءوا بعدة نساء قد قتل أولادهن فلم يشرب لبن أحد من النساء وهو قول الله تعالى : (وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ) (1) وبلغ أمه أن فرعون قد أخذه فحزنت وبكت كما قال الله تعالى : (وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ) ، قال : كادت أن تخبر بخبره أو تموت ثم حفظت نفسها فكانت كما قال الله : لو لا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين ، ثم قالت لأخته : قصيه ، أي اتبعيه ، فجاءت أخت موسى إلى قصر فرعون ، فبصرت به عن جنب أي عن بعد وهم لا يشعرون ، فلما لم يقبل موسى بأخذ ثدي أحد من النساء اغتم فرعون غما شديدا ، فقالت أخت موسى : هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون؟ فقالوا : نعم. فجاءت بأمه فلما أخذته بحجرها ، وألقمته ثدييها التقمه وشرب ، ففرح فرعون وأهله وأكرموا أمه ، فقال لها : ربيه لنا فإنا نجزيك خيرا ، وقد كان الفصل بين إلقاء الأم لموسى في البحر ورده إليها __________________ (1) القصص : 13. وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى (40) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) ____________________________________ ثلاثة أيام (1) (وَقَتَلْتَ) يا موسى (نَفْساً) من القبط ، فقد كان في مصر طائفتان ، القبط وهم قوم فرعون ، والإسرائيليون وهم أحفاد يعقوب ، وكان القبط كفارا والإسرائيليون مسلمون حيث ورثوا الدين والإسلام عن آبائهم ، فقد قال لهم يعقوب حين موته : (إِنَّ اللهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (2) فمر موسى ذات يوم على رجلين أحدهما قبطي والآخر إسرائيلي يتشاجران فاستغاث بموسى الإسرائيلي ، وهناك تقدم موسى وضرب القبطي ضربة مات منها (فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِ) حيث أمرناك وألهمنا إليك أن تفر من مصر لئلا يقتلك فرعون ، فقد جاءه آت ليقول له : (إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ) (3) (وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً) أي اختبرناك اختبارا ، وابتليناك ابتلاء من الخوف في مصر ، ثم قتل القبطي ، ثم الفرار من الوطن واجلا خائفا ثم غير ذلك من أنواع المصائب ، التي تؤهل الإنسان للقيام بالمهام فبعد ذلك كله (فَلَبِثْتَ) وبقيت (سِنِينَ) عشرة (فِي أَهْلِ مَدْيَنَ) عند شعيب النبي عليه‌السلام حيث تزوج موسى بابنته ، ومدين على ثمان مراحل من مصر ـ كما في الصافي ـ (ثُمَ) بعد تلك الامتحانات والمشاق (جِئْتَ عَلى قَدَرٍ) بتقدير من الله ، لإنجاز المهمة وأداء الرسالة (يا مُوسى) فلتتذكر النعم ، ولتستعد للرسالة.