۞ تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة النحل، آية ١١٢

التفسير يعرض الآية ١١٢

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن تفسير شبر التبيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا قَرۡيَةٗ كَانَتۡ ءَامِنَةٗ مُّطۡمَئِنَّةٗ يَأۡتِيهَا رِزۡقُهَا رَغَدٗا مِّن كُلِّ مَكَانٖ فَكَفَرَتۡ بِأَنۡعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلۡجُوعِ وَٱلۡخَوۡفِ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ ١١٢

۞ التفسير

تقريب القرآن إلى الأذهان

إن الكفار في الآخرة ، يجزون جزاء كفرهم ، فهل الدنيا تمر عليهم بسلام؟ كلا! فإن الله سبحانه ، جعل الكون ، وقرر فيه مناهج ، ثم أرشد إلى تلك المناهج على لسان الأنبياء ، فمن أطاع سعد ، إذ هو يمشي على المنهاج الكوني فلا يصطدم ، ومن عصى اصطدم بالمنهاج وصارت عاقبته الدمار ، كمن يخالف أمر الطبيب فإنه يشتد به المرض حتى يهلك ، وقد سبق أن ضرب الله سبحانه مثلين للشركاء ، وهنا مثل ثالث للبلدة التي تطغى وتخالف أمر ربها (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً) لكل قوم أنعم الله عليهم فأبطرتهم النعمة ، فكفروا بها ، فأنزل الله بهم نقمته (قَرْيَةً) أي مدينة ، فإن القرية تطلق على المدينة ، كما قال : (وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ) (1) (مِنْ قَرْيَتِكَ) (2) (كانَتْ) تلك القرية (آمِنَةً) يعيش أهلها في أمن (مُطْمَئِنَّةً) من جهة معيشتها ، فهي ساكنة هادئة لا يحتاج أهلها إلى التحول والانتقال (يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً) أي واسعا (مِنْ كُلِّ مَكانٍ) فإن القرية ، إذا سكنت وهدأت حسن زرعها وتجارتها ، فالأرزاق تأتيها من أطرافها القريبة والبعيدة ، (فَكَفَرَتْ) أي تلك (1) الكهف : 60. (2) محمد : 14. القرية ، والمراد أهلها بعلاقة الحال والمحل (بِأَنْعُمِ اللهِ) فلم يؤدوا شكرها ، فإن شكر النعم الإطاعة والإيمان ، فإذا كفروا وعصوا كان كفرانا للنعمة (فَأَذاقَهَا اللهُ) أي أذاق سبحانه تلك القرية (لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ) أي أخذهم بالجوع ، فذهب رزقهم ، وبالخوف فذهب أمنهم (بِما كانُوا يَصْنَعُونَ) أي بسبب صنيعهم الكفر والطغيان ، وقد كان التعبير باللباس بليغا جدا حيث دل على أن الخوف والجوع شمل جميع البدن ، لا البطن والقلب فقط ، للدلالة على كثرة الأمرين ، فإن الإنسان إذا جاع كثيرا ظهر الهزال في جميع جسده ، وإذا خاف كثيرا ظهر أثر الخوف الذي هو الانكماش للجلد ، والاصفرار على جميع البدن ، وقد قال سبحانه «أذاقها» فليس مجرد إمساس ، بل ذوق ، فإنه أعمق تأثيرا عن الإمساس ، ولقد كان هذا المثل منطبقا على مكة تماما ، حيث كفر أهلها بعد ذلك الأمن والرفاه.