وبعد ما بيّن عليهالسلام طريقته وملته ، وذكر أنه من بيت رفيع وأنه يعلم بعض أمور الغيب بتعليم الله له حتى يطمئن إليه ، أخذ في الاستدلال على التوحيد ، وقد كان الموقع مناسبا جدا للتبليغ ، فإن المستمع حيث ينتظر جوابه يصغي جيدا ، بخلاف ما لو أجابهم عن تأويل رؤياهم ثم بيّن التوحيد ، وحيث قدم له مقدمة صار الموقع أنسب ، لأنه بين ماض مشوّق ومستقبل متقرب ، فالنفس متفتحة للاستماع والقبول (يا صاحِبَيِ السِّجْنِ) أي يا صاحبي فيه ، فإن الشيء قد يضاف إلى الزمان والمكان مجازا ، كما قال الشاعر : |يا سارق الليلة أهل الدار | |يا سارقا مالي ومال جاري | | | | |
أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (39) ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ ____________________________________ أو المراد «ملازمي السجن» فإن «صاحب» يقال للملازم للشيء ، يقال : «صاحب الدكان» لمن لازمه بالبيع والشراء فيه .. وهكذا. (أَأَرْبابٌ) أي هل آلهة (مُتَفَرِّقُونَ) شتى متعدّدون (خَيْرٌ) في اتخاذها آلهة وعبادتها ، بأن يعبد الإنسان آلهة من حجر وخشب (أَمِ اللهُ الْواحِدُ) المتفرد الذي خلق كل شيء ، وبيده كل شيء (الْقَهَّارُ) الغالب الذي لا يعادله شيء ولا يتمكن شيء أن يقاومه؟ ومن الطبيعي أن يكون الجواب : بل الله الواحد القهار.