۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة التين، آية ٥

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ٨

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيۡتُونِ ١ وَطُورِ سِينِينَ ٢ وَهَٰذَا ٱلۡبَلَدِ ٱلۡأَمِينِ ٣ لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِيٓ أَحۡسَنِ تَقۡوِيمٖ ٤ ثُمَّ رَدَدۡنَٰهُ أَسۡفَلَ سَٰفِلِينَ ٥ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمۡ أَجۡرٌ غَيۡرُ مَمۡنُونٖ ٦ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعۡدُ بِٱلدِّينِ ٧ أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَحۡكَمِ ٱلۡحَٰكِمِينَ ٨

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِّسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ وَ التِّينِ وَ الزّيْتُونِ (1) وَ طورِ سِينِينَ (2) وَ هَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الانسنَ فى أَحْسنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمّ رَدَدْنَهُ أَسفَلَ سفِلِينَ (5) إِلا الّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُوا الصلِحَتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيرُ ممْنُونٍ (6) فَمَا يُكَذِّبُك بَعْدُ بِالدِّينِ (7) أَ لَيْس اللّهُ بِأَحْكمِ الحَْكِمِينَ (8)

اللغة

التقويم تصيير الشيء على ما ينبغي أن يكون عليه من التأليف و التعديل يقال قومه فاستقام و تقوم.

المعنى

«و التين و الزيتون» أقسم الله سبحانه بالتين الذي يؤكل و الزيتون الذي يعصر منه الزيت عن ابن عباس و الحسن و مجاهد و عكرمة و قتادة و هو الظاهر و إنما أقسم بالتين لأنه فاكهة مخلصة من شائب التنغيص و فيه أعظم عبرة لأنه عز اسمه جعلها على مقدار اللقمة و هيأها على تلك الصفة إنعاما على عباده بها و قد روى أبو ذر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال في التين لو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه هي لأن فاكهة الجنة بلا عجم فكلوها فإنها تقطع البواسير و تنفع من النقرس و أما الزيتون فإنه يعتصر منه الزيت الذي يدور في أكثر الأطعمة و هو إدام و التين طعام فيه منافع كثيرة و قيل التين الجبل الذي عليه دمشق و الزيتون الجبل الذي عليه بيت المقدس عن قتادة و قال عكرمة: هما جبلان و إنما سميا لأنهما ينبتان بهما و قيل التين مسجد دمشق و الزيتون بيت المقدس عن كعب الأحبار و عبد الرحمن بن غنيم و ابن زيد و قيل التين مسجد نوح الذي بني على الجودي و الزيتون بيت المقدس عن ابن عباس و قيل التين المسجد الحرام و الزيتون المسجد الأقصى عن الضحاك «و طور سينين» يعني الجبل الذي كلم الله عليه موسى عن الحسن و سينين و سيناء واحد و قيل إن سينين معناه المبارك الحسن و كأنه قيل جبل الخير الكثير لأنه إضافة تعريف عن مجاهد و قتادة و قيل معناه كثير النبات و الشجر عن عكرمة و قيل إن كل جبل فيه شجر مثمر فهو سينين و سيناء بلغة النبط عن مقاتل قال عمرو بن ميمون سمعت عمر بن الخطاب يقرأ بمكة في المغرب و التين و الزيتون و طور سيناء قال فظننت أنه إنما قرأها ليعلم حرمة البلد و روي ذلك عن موسى بن جعفر (عليه السلام) أيضا «و هذا البلد الأمين» يعني مكة البلد الحرام يأمن فيه الخائف في الجاهلية و الإسلام فالأمين يعني المؤمن من يدخله و قيل بمعنى الأمن و يؤيده قوله إنا جعلنا حرما آمنا قال الشاعر:

{ألم تعلمي يا أسم ويحك إنني --- حلفت يمينا لا أخون أميني}

يريد آمني «لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم» هذا جواب القسم و أراد جنس الإنسان و هو آدم و ذريته خلقهم الله في أحسن صورة عن إبراهيم و مجاهد و قتادة و قيل في أحسن تقويم أي منتصب القامة و سائر الحيوان مكب على وجهه إلا الإنسان عن ابن عباس

و قيل أراد أنه خلقهم على كمال في أنفسهم و اعتدال في جوارحهم و أبانهم عن غيرهم بالنطق و التمييز و التدبير إلى غير ذلك مما يختص به الإنسان و في ذلك إشارة أيضا إلى حال الشباب «ثم رددناه أسفل سافلين» يريد إلى الخرف و أرذل العمر و الهرم و نقصان العقل و السافلون هم الضعفاء و الزمنى و الأطفال و الشيخ الكبير أسفل هؤلاء جميعا عن ابن عباس و إبراهيم و قتادة و قيل معناه ثم رددناه إلى النار عن الحسن و مجاهد و ابن زيد و الجبائي و المعنى إلى أسفل الأسفلين لأن جهنم بعضها أسفل من بعض و على هذا فالمراد به الكفار أي خلقناهم في أحسن خلقة أحرارا عقلاء مكلفين فكفروا فرددناهم إلى النار في أقبح صورة ثم استثنى فقال «إلا الذين آمنوا» أي صدقوا بالله «و عملوا الصالحات» أي أخلصوا العبادة لله و أضافوا إلى ذلك الأعمال الصالحة فإن هؤلاء لا يردون إلى النار و من قال بالقول الأول قال إن المؤمن لا يرد إلى الخرف و إن عمر عمرا طويلا قال إبراهيم: إذا بلغ المؤمن من الكبر ما يعجز معه من العمل كتب له ما كان يعمل و هو قوله «فلهم أجر غير ممنون» و قال عكرمة: من رد منهم إلى أرذل العمر كتب له صالح ما كان يعمل في شبابه و ذلك أجر غير ممنون و عن ابن عباس قال: و من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر و ذلك قوله «ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات» قال إلا الذين قرءوا القرآن و في الحديث عن أنس قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المولود حتى يبلغ الحنث ما عمل من حسنة كتب لوالديه فإن عمل سيئة لم تكتب عليه و لا على والديه فإذا بلغ الحنث و جرى عليه القلم أمر الله الملكين اللذين معه يحفظانه و يسددانه فإذا بلغ أربعين سنة في الإسلام آمنه الله من البلايا الثلاث الجنون و الجذام و البرص فإذا بلغ خمسين خفف الله حسابه فإذا بلغ ستين رزقه الإنابة إليه فيما يجب فإذا بلغ سبعين أحبه أهل السماء فإذا بلغ ثمانين كتب الله حسناته و تجاوز عن سيئاته فإذا بلغ تسعين غفر الله له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر و شفعه في أهل بيته و كان اسمه أسير الله في الأرض فإذا بلغ أرذل العمر لكيلا يعلم بعد علم شيئا كتب الله له بمثل ما كان يعمل في صحته من الخير و إن عمل سيئة لم تكتب عليه و أقول إن صح الخبر فإنما لا تكتب عليه السيئة لزوال عقله و نقصان تمييزه في ذلك الوقت و قوله «غير ممنون» أي غير منقوص و قيل غير مقطوع عن أبي مسلم و قيل غير محسوب عن مجاهد و قيل غير مكدر بما يؤذي و يغم عن الجبائي «فما يكذبك بعد بالدين» معناه أي شيء يكذبك أيها الإنسان بعد هذه الحجج بالدين الذي هو الجزاء و الحساب عن الحسن و عكرمة و أبي مسلم و المراد ما يحملك على أن لا تتفكر في صوتك و شبابك و هرمك فتعتبر و تقول إن الذي فعل ذلك قادر على أن يبعثني و يحاسبني و يجازيني بعملي فيكون قوله «فما يكذبك» يعني به ما الذي يجعلك تكذب و قيل إن الخطاب

للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أي فمن يكذبك أيها الرسول بعد هذه الحجج بالدين الذي هو الإسلام عن مجاهد و قتادة أي لا شيء يكذبك «أ ليس الله بأحكم الحاكمين» هذا تقرير للإنسان على الاعتراف بأنه تعالى أحكم الحاكمين في صنائعه و أفعاله و أنه لا خلل في شيء منها و لا اضطراب فكيف يترك هذه الخلائق و يهملهم فلا يجازيهم و قيل معناه أ ليس الله بأقضى القاضين فيحكم بينك يا محمد و بين أهل التكذيب بك عن مقاتل و قال قتادة و كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا ختم هذه السورة قال بلى و أنا على ذلك من الشاهدين.

النظم

اتصل قوله «أ ليس الله بأحكم الحاكمين» بما قبله من ذكر الدين و الجزاء على سبيل التنبيه على الإعادة فإن الحكيم إذا كلف و أمر و نهى و خلى بين الظالم و المظلوم فلا بد من المجازاة و الإنصاف و الانتصاف فإذا لم يكن ذلك في الدنيا فلا بد من البعث فإن أحكم الحاكمين لا يجوز عليه الإخلال بما ذكرناه.