۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الشرح، آية ٧

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ٨

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

أَلَمۡ نَشۡرَحۡ لَكَ صَدۡرَكَ ١ وَوَضَعۡنَا عَنكَ وِزۡرَكَ ٢ ٱلَّذِيٓ أَنقَضَ ظَهۡرَكَ ٣ وَرَفَعۡنَا لَكَ ذِكۡرَكَ ٤ فَإِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرًا ٥ إِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرٗا ٦ فَإِذَا فَرَغۡتَ فَٱنصَبۡ ٧ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرۡغَب ٨

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ أَ لَمْ نَشرَحْ لَك صدْرَك (1) وَ وَضعْنَا عَنك وِزْرَك (2) الّذِى أَنقَض ظهْرَك (3) وَ رَفَعْنَا لَك ذِكْرَك (4) فَإِنّ مَعَ الْعُسرِ يُسراً (5) إِنّ مَعَ الْعُسرِ يُسراً (6) فَإِذَا فَرَغْت فَانصب (7) وَ إِلى رَبِّك فَارْغَب (8)

اللغة

الشرح فتح الشيء بإذهاب ما يصد عن إدراكه و أصل الشرح التوسعة و يعبر عن السرور بسعة القلب و شرحه و عن الهم بضيق القلب لأنه يورث ذلك و الوزر الثقل في اللغة و منه اشتق اسم الوزير لتحمله أثقال الملك و إنما سميت الذنوب أوزارا لما يستحق عليها من العقاب العظيم و الأنقاض الأثقال التي كان ينتقض بها ما حمل عليه و النقض

و الهدم واحد و نقض المذهب إبطاله بما يفسده و بعير نقض سفر إذا أثقله السفر و النصب التعب و أنصبه الهم فهو منصب قال الشاعر:

تعناك هم من أميمة منصب ) و هم ناصب ذو نصب قال النابغة:

كليني لهم يا أميمة ناصب ).

المعنى

ثم أتم سبحانه تعداد نعمه على نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال «أ لم نشرح لك صدرك» روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لقد سألت ربي مسألة وددت أني لم أسأله قلت أي رب أنه قد كان أنبياء قبلي منهم من سخرت له الريح و منهم من كان يحيي الموتى قال فقال ( أ لم أجدك يتيما فأويتك ) قال قلت بلى قال ( أ لم أجدك ضالا فهديتك ) قال قلت بلى أي رب قال ( أ لم أشرح لك صدرك و وضعت عنك وزرك ) قال قلت بلى أي رب و المعنى أ لم نفتح لك صدرك و نوسع قلبك بالنبوة و العلم حتى قمت بأداء الرسالة و صبرت على المكاره و احتمال الأذى و اطمأننت إلى الإيمان فلم تضق به ذرعا و منه تشريح اللحم لأنه فتحه بترقيقه فشرح سبحانه صدره بأن ملأه علما و حكمة و رزقه حفظ القرآن و شرائع الإسلام و من عليه بالصبر و الاحتمال و قيل إنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قد ضاق صدره بمعاداة الجن و الإنس إياه و مناصبتهم له فأتاه من الآيات ما اتسع به صدره بكل ما حمله الله إياه و أمره به و ذلك من أعظم النعم عن البلخي و قيل معناه أ لم نشرح صدرك بإذهاب الشواغل التي تصد عن إدراك الحق و عن ابن عباس قال سئل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقيل يا رسول الله أ ينشرح الصدر قال نعم قالوا يا رسول الله و هل لذلك علامة يعرف بها قال نعم التجافي عن دار الغرور و الإنابة إلى دار الخلود و الإعداد للموت قبل نزول الموت و معنى الاستفهام في الآية التقرير أي قد فعلنا ذلك و يدل عليه قوله في العطف عليه «و وضعنا عنك وزرك» أي و حططنا عنك وزرك «الذي أنقض ظهرك» أي أثقله حتى سمع له نقيض أي صوت عن الزجاج قال: و هذا مثل معناه أنه لو كان حملا لسمع نقيض ظهره و قيل إن المراد به تخفيف أعباء النبوة التي تثقل الظهر من القيام بأمرها سهل الله ذلك عليه حتى تيسر له و من عليه بذلك عن أبي عبيدة و عبد العزيز بن يحيى و قيل معناه و أزلنا عنك همومك التي أثقلتك من أذى الكفار فشبه الهموم بالحمل و العرب تجعل الهم ثقلا عن أبي مسلم و قيل معناه و عصمناك عن احتمال الوزر فإن المقصود من الوضع أن لا يكون عليه ثقل فإذا عصم كان أبلغ في أن لا يكون قال المرتضى قدس الله روحه إنما سميت الذنوب بأنها أوزار لأنها تثقل كاسبها و حاملها فكل شيء أثقل الإنسان و غمه و كده جاز أن يسمى وزرا فلا يمتنع أن يكون

الوزر في الآية إنما أراد به غمه (صلى الله عليه وآله وسلم) بما كان عليه قومه من الشرك و أنه و أصحابه بينهم مقهور مستضعف فلما أعلى الله كلمته و شرح صدره و بسط يده خاطبه بهذا الخطاب تذكيرا له بمواقع النعمة ليقابله بالشكر و يؤيده ما بعده من الآيات فإن اليسر بإزالة الهموم أشبه و العسر بإزالة الشدائد و الغموم أشبه فإن قيل أن السورة مكية نزلت قبل أن يعلي الله كلمة الإسلام فلا وجه لقولكم قلنا أنه سبحانه لما بشره بأن يعلي دينه على الدين كله و يظهره على أعدائه كان بذلك واضعا عنه ثقل غمه بما كان يلحقه من أذى قومه و مبدلا عسره يسرا فإنه يثق بأن وعد الله حق و يجوز أيضا أن يكون اللفظ و إن كان ماضيا فالمراد به الاستقبال كقوله و نادى أصحاب الجنة أصحاب النار و نادوا يا مالك ليقض علينا ربك و لهذا نظائر كثيرة «و رفعنا لك ذكرك» أي قرنا ذكرك بذكرنا حتى لا أذكر إلا و تذكر معي يعني في الأذان و الإقامة و التشهد و الخطبة على المنابر عن الحسن و غيره قال قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا و الآخرة فليس خطيب و لا متشهد و لا صاحب صلاة إلا و ينادي بأشهد أن لا إله إلا الله و أشهد أن محمدا رسول الله و في الحديث عن أبي سعيد الخدري عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه الآية قال قال لي جبرائيل قال الله عز و جل إذا ذكرت ذكرت معي و في هذا يقول حسان بن ثابت يمدح النبي (صلى الله عليه وآله وسلم):

{أغر عليه للنبوة خاتم --- من الله مشهور يلوح و يشهد} {وضم الإله اسم النبي إلى اسمه --- إذا قال في الخمس المؤذن أشهد} {وشق له من اسمه ليجله --- فذو العرش محمود و هذا محمد}

ثم وعد سبحانه اليسر و الرخاء بعد الشدة و ذلك أنه كان بمكة في شدة قال «فإن مع العسر يسرا» أي مع الفقر سعة عن الكلبي و قيل معناه أن مع الشدة التي أنت فيها من مزاولة المشركين يسرا و رخاء بأن يظهرك الله عليهم حتى ينقادوا للحق الذي جئتهم به طوعا أو كرها ثم كرر ذلك فقال «إن مع العسر يسرا» روى عطاء عن ابن عباس قال يقول الله تعالى خلقت عسرا واحدا و خلقت يسرين فلن يغلب عسر يسرين و عن الحسن قال خرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوما مسرورا فرحا و هو يضحك و يقول لن يغلب عسر يسرين «فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا» قال الفراء: إن العرب تقول إذا ذكرت نكرة ثم أعدتها نكرة مثلها صارتا اثنتين كقولك إذا كسبت درهما فأنفق درهما فالثاني غير الأول فإذا أعدتها معرفة فهي هي كقولك إذا كسبت الدرهم فأنفق الدرهم فالثاني هو الأول و نحو هذا ما قال الزجاج: أنه ذكر العسر مع الألف و اللام ثم ثنى ذكره فصار المعنى إن مع العسر يسرين و قال صاحب كتاب النظم في تفسير

هذه الآية: إن الله بعث نبيه و هو مقل مخف و كانت قريش تعيره بذلك حتى قالوا له إن كان بك من هذا القول الذي تدعيه طلب الغنى جمعنا لك مالا حتى تكون كأيسر أهل مكة فكره النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك و ظن أن قومه إنما يكذبوه لفقره فوعده الله سبحانه الغنى ليسليه بذلك عما خامره من الهم فقال «فإن مع العسر يسرا» و تأويله لا يحزنك ما يقولون و ما أنت فيه من الإقلال فإن مع العسر يسرا في الدنيا عاجلا ثم أنجز ما وعده فلم يمت حتى فتح عليه الحجاز و ما والاها من القرى العربية و عامة بلاد اليمن فكان يعطي المائتين من الإبل و يهب الهبات السنية و يعد لأهله قوت سنته ثم ابتدأ فصلا آخر فقال «إن مع العسر يسرا» و الدليل على ابتدائه تعريه من فاء و واو و هو وعد لجميع المؤمنين لأنه يعني بذلك أن مع العسر في الدنيا للمؤمن يسرا في الآخرة و ربما اجتمع له اليسران يسر الدنيا و هو ما ذكر في الآية الأولى و يسر الآخرة و هو ما ذكر في الآية الثانية فقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لن يغلب عسر يسرين أي يسر الدنيا و الآخرة فالعسر بين يسرين أما فرج الدنيا و أما ثواب الآخرة و هذا الذي ذكره الجرجاني يؤيد ما ذهب إليه المرتضى قدس الله روحه من أن القائل إذا قال شيئا ثم كرره فإن الظاهر من تغاير الكلامين تغاير مقتضاهما حتى يكون كل واحد منهما مفيدا لما لا يفيده الآخر فيجب مع الإطلاق حمل الثاني على غير مقتضى الأول إلا إذا كان بين المتخاطبين عهد أو دلالة يعلم المخاطب بذلك أن المخاطب أراد بكلامه الثاني الأول فيحمله على ذلك و أنشد أبو بكر الأنباري:

{إذا بلغ العسر مجهوده --- فثق عند ذاك بيسر سريع} {ألم تر نحس الشتاء الفظيع --- يتلوه سعد الربيع البديع}

وأنشد إسحاق بن بهلول القاضي:

{فلا تيأس و إن أعسرت يوما --- فقد أيسرت في دهر طويل} {ولا تظنن بربك ظن سوء --- فإن الله أولى بالجميل} {فإن العسر يتبعه يسار --- و قول الله أصدق كل قيل}

«فإذا فرغت فانصب و إلى ربك فارغب» معناه فإذا فرغت من الصلاة المكتوبة فانصب إلى ربك في الدعاء و أرغب إليه في المسألة يعطك عن مجاهد و قتادة و الضحاك و مقاتل و الكلبي و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه السلام) و معنى انصب من النصب و هو التعب أي لا تشتغل بالراحة و قال الزهري: إذا فرغت من الفرائض فادع بعد التشهد بكل حاجتك و قال الصادق (عليه السلام) هو الدعاء في دبر الصلاة و أنت جالس و قيل معناه فإذا فرغت من

###

الفرائض فانصب في قيام الليل عن ابن مسعود و قيل معناه فإذا فرغت من دنياك فانصب في عبادة ربك و صل عن مجاهد و الجبائي و قيل فإذا فرغت من الفرائض فانصب فيما رغبك الله فيه من الأعمال و صل عن ابن عباس و قيل إذا فرغت من جهاد أعدائك فانصب بالعبادة لله عن الحسن و ابن زيد و قيل فإذا فرغت من جهاد الأعداء فانصب بجهاد نفسك و قيل إذا فرغت من أداء الرسالة فانصب لطلب الشفاعة و سئل علي بن طلحة عن هذه الآية فقال القول فيه كثير و قد سمعناه أنه يقال إذا صححت فاجعل صحتك و فراغك نصبا في العبادة و يدل على هذا ما روي أن شريحا مر برجلين يصطرعان فقال: ليس بهذا أمر الفارغ إنما قال الله سبحانه «فإذا فرغت فانصب و إلى ربك فارغب» أي فارفع حوائجك إلى ربك و لا ترفعها إلى أحد من خلقه و قال عطاء: يريد تضرع إليه راهبا من النار و راغبا إلى الجنة.