۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الأنبياء، آية ٩٧

التفسير يعرض الآيات ٩٦ إلى ١٠٣

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

حَتَّىٰٓ إِذَا فُتِحَتۡ يَأۡجُوجُ وَمَأۡجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٖ يَنسِلُونَ ٩٦ وَٱقۡتَرَبَ ٱلۡوَعۡدُ ٱلۡحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَٰخِصَةٌ أَبۡصَٰرُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَٰوَيۡلَنَا قَدۡ كُنَّا فِي غَفۡلَةٖ مِّنۡ هَٰذَا بَلۡ كُنَّا ظَٰلِمِينَ ٩٧ إِنَّكُمۡ وَمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمۡ لَهَا وَٰرِدُونَ ٩٨ لَوۡ كَانَ هَٰٓؤُلَآءِ ءَالِهَةٗ مَّا وَرَدُوهَاۖ وَكُلّٞ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٩٩ لَهُمۡ فِيهَا زَفِيرٞ وَهُمۡ فِيهَا لَا يَسۡمَعُونَ ١٠٠ إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتۡ لَهُم مِّنَّا ٱلۡحُسۡنَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ عَنۡهَا مُبۡعَدُونَ ١٠١ لَا يَسۡمَعُونَ حَسِيسَهَاۖ وَهُمۡ فِي مَا ٱشۡتَهَتۡ أَنفُسُهُمۡ خَٰلِدُونَ ١٠٢ لَا يَحۡزُنُهُمُ ٱلۡفَزَعُ ٱلۡأَكۡبَرُ وَتَتَلَقَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ هَٰذَا يَوۡمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ ١٠٣

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

حَتى إِذَا فُتِحَت يَأْجُوجُ وَ مَأْجُوجُ وَ هُم مِّن كلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ (96) وَ اقْترَب الْوَعْدُ الْحَقّ فَإِذَا هِىَ شخِصةٌ أَبْصرُ الّذِينَ كَفَرُوا يَوَيْلَنَا قَدْ كنّا فى غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا بَلْ كنّا ظلِمِينَ (97) إِنّكمْ وَ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ حَصب جَهَنّمَ أَنتُمْ لَهَا وَرِدُونَ (98) لَوْ كانَ هَؤُلاءِ ءَالِهَةً مّا وَرَدُوهَا وَ كلّ فِيهَا خَلِدُونَ (99) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَ هُمْ فِيهَا لا يَسمَعُونَ (100) إِنّ الّذِينَ سبَقَت لَهُم مِّنّا الْحُسنى أُولَئك عَنهَا مُبْعَدُونَ (101) لا يَسمَعُونَ حَسِيسهَا وَ هُمْ فى مَا اشتَهَت أَنفُسهُمْ خَلِدُونَ (102) لا يحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكبرُ وَ تَتَلَقّاهُمُ الْمَلَئكةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الّذِى كنتُمْ تُوعَدُونَ (103)

القراءة

قرأ أبو جعفر و ابن عامر و يعقوب فتحت بالتشديد و الباقون بالتخفيف و قد ذكرنا اختلافهم في يأجوج و مأجوج في سورة الكهف و في الشواذ قراءة ابن مسعود من كل حدث و قراءة ابن السميفع حصب جهنم ساكنة الصاد و قراءة ابن عباس حضب بالضاد مفتوحة و قراءة علي (عليه السلام) و عائشة و ابن الزبير و أبي بن كعب و عكرمة حطب بالطاء.

الحجة

من «خفف» فتحت فلأن الفعل في الظاهر مسند لي هذين الاسمين و أراد فتح سد يأجوج و مأجوج و من شدد حمله على الكثرة فهو مثل مفتحة لهم الأبواب و الجدث القبر بلغة الحجاز و الجدف بالفاء بلغة تميم و في الحطب لغات و حطب و حصب بالصاد و خضب

بالضاد و لا يقال حصب بالصاد إلا إذا ألقي في التنور أو في الموقد و قال أحمد بن يحيى أصل الحصب الرمي حطبا كان أو غيره قال الأعشى:

{فلا تك في حربنا محصبا --- لتجعل قومك شتى شعوبا}

فأما الحصب ساكنا بالصاد و الضاد فالطرح فهو مصدر وقع موقع اسم المفعول كالخلق و الصيد بمعنى المخلوق و المصيد.

اللغة

الحدب الارتفاع من الأرض بين الانخفاض و الحدبة خروج الظهر و رجل أحدب و النسول الخروج عن الشيء الملابس يقال نسل ينسل و ينسل قال امرؤ القيس:

{فإن يك قد ساءتك مني خليقة --- فسلي ثيابي من ثيابك تنسلي}

و نسل ريش الطائر إذا سقط و قيل النسول الخروج بإسراع نحو نسلان الذئب قال:

{نسلان الذئب أمسى قاربا --- برد الليل عليه فنسل}

و شخص المسافر شخوصا إذا خرج من منزله و شخص من بلد إلى بلد و شخص بصره إذا نظر إليه كأنه خرج إليه و الحسيس و الحس الحركة.

الإعراب

«و اقترب الوعد» قال الفراء معنى الواو الطرح و المعنى إذا فتحت يأجوج و مأجوج اقترب الوعد الحق قال الزجاج الواو لا يجوز أن يطرح عند البصريين و جواب إذا عندهم قوله «يا ويلنا» و هاهنا قول محذوف أي قالوا يا ويلنا و قوله «فإذا هي شاخصة» إذا ظرف مكان و العامل فيه شاخصة و هي ضمير القصة في محل رفع بالابتداء و «أبصار الذين كفروا» مبتدأ آخر و «شاخصة» خبر مقدم و الجملة خبر هي و قيل أن تمام الكلام عند قوله «هي» و تقديره فإذا هي بارزة واقعة يعني أنها من قربها كأنها وقعت ثم ابتدأ فقال «شاخصة أبصار الذين كفروا» على تقديم الخبر على المبتدأ.

المعنى

لما تقدم أنهم لا يرجعون إلى الدنيا وعدهم بالرجوع إلى الآخرة و بين علامة ذلك فقال «حتى إذا فتحت يأجوج و مأجوج» أي فتحت جهتهم و المعنى انفرج سد يأجوج و مأجوج بسقوط أو هدم أو كسر و ذلك من أشراط الساعة «و هم من كل حدب

ينسلون» أي و هم يريد يأجوج و مأجوج من كل نشز من الأرض يسرعون عن قتادة و ابن مسعود و الجبائي و أبي مسلم يعني أنهم يتفرقون في الأرض فلا ترى أكمة إلا و قوم منهم يهبطون منها مسرعين و قيل إن قوله هم كناية عن الخلق يخرجون من قبورهم إلى الحشر عن مجاهد و كان يقرأ من كل جدث يعني القبر و يدل عليه قوله فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون «و اقترب الوعد الحق» أي الموعود الصدق و معناه اقترب قيام الساعة «فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا» معناه فإذا القصة أن أبصار الذين كفروا تشخص في ذلك اليوم أي لا تكاد تطرف من شدة ذلك اليوم و هو له ينظرون إلى تلك الأهوال عن الكلبي «يا ويلنا» أي يقولون يا ويلنا «قد كنا في غفلة من هذا» اشتغلنا بأمور الدنيا و غفلنا عن هذا اليوم فلم نتفكر فيه «بل كنا ظالمين» بأن عصينا الله تعالى و عبدنا غيره ثم قال سبحانه «إنكم و ما تعبدون من دون الله» يعني الأصنام «حصب جهنم» أي وقودها عن ابن عباس و قيل حطبها عن مجاهد و قتادة و عكرمة و أصل الحصب الرمي فالمراد أنهم يرمون فيها كما يرمى بالحصباء عن الضحاك و أبي مسلم و يسأل على هذا فيقال أن عيسى (عليه السلام) قد عبد و الملائكة قد عبدوا و الجواب أنهم لا يدخلون في الآية لأن ما لما لا يعقل و لأن الخطاب لأهل مكة و إنما كانوا يعبدون الأصنام فإن قيل فأي فائدة في إدخال الأصنام النار و قيل يعذب بها المشركون الذين عبدوها فتكون زيادة في حسرتهم و غمهم و يجوز أن يرمى بها في النار توبيخا للكفار حيث عبدوها و هي جماد لا تضر و لا تنفع و قيل إن المراد بقوله و ما يعبدون من دون الله الشياطين دعوهم إلى عبادة غير الله فأطاعوهم كما قال يا أبت لا تعبد الشيطان «أنتم لها واردون» خطاب للكفار أي أنتم في جهنم داخلون و قيل إن معنى لها إليها لقوله بأن ربك أوحى لها أي إليها «لو كان هؤلاء» الأصنام و الشياطين «ءالهة» كما تزعمون «ما وردوها» أي ما دخلوا النار و لامتنعوا منها «و كل» من العابد و المعبود «فيها» أي في النار «خالدون» دائمون «لهم فيها زفير» أي صوت كصوت الحمار و هو شدة تنفسهم في النار عند إحراقها لهم «و هم فيها لا يسمعون» أي لا يسمعون ما يسرهم و لا ما ينتفعون به و إنما يسمعون صوت المعذبين و صوت الملائكة الذين يعذبونهم و يسمعون ما يسوءهم عن الجبائي و قيل يجعلون في توابيت من نار فلا يسمعون شيئا و لا يرى أحد منهم إن في النار أحدا يعذب غيره عن عبد الله بن مسعود قالوا و لما نزلت هذه الآية أتى عبد الله بن الزبعري رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال يا محمد أ لست تزعم أن عزيرا رجل صالح و إن عيسى (عليه السلام) رجل صالح و إن مريم امرأة صالحة قال بلى قال فإن هؤلاء يعبدون من دون الله فهم في النار فأنزل الله هذه الآية «إن الذين سبقت لهم منا الحسنى»

أي الموعدة بالجنة و قيل الحسنى السعادة عن ابن زيد و كأنه يذهب إلى الكلمة بأنه سيسعد أو إلى العدة لهم على طاعتهم فأنث الحسنى «أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها» أي يكونون بحيث لا يسمعون صوتها الذي يحس «و هم فيما اشتهت أنفسهم» من نعيم الجنة و ملاذها «خالدون» أي دائمون و الشهوة طلب النفس اللذة يقال اشتهى شهوة و قيل إن الذين سبقت لهم منا الحسنى عيسى و عزير و مريم و الملائكة الذين عبدوا من دون الله و هم كارهون استثناهم من جملة ما يعبدون من دون الله عن الحسن و مجاهد و قيل إن الآية عامة في كل من سبقت له الموعدة بالسعادة «لا يحزنهم الفزع الأكبر» أي الخوف الأعظم و هو عذاب النار إذا أطبقت على أهلها عن سعيد بن جبير و ابن جريج و قيل هو النفخة الأخيرة لقوله و نفخ في الصور ففزع من في السماوات و من في الأرض إلا من شاء الله عن ابن عباس و قيل هو حين يؤمر بالعبد إلى النار عن الحسن و قيل هو حين يذبح الموت على صورة كبش أملح و ينادي يا أهل الجنة خلود و لا موت و يا أهل النار خلود و لا موت و روى أبو سعيد الخدري عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال ثلاثة على كثبان من مسك لا يحزنهم الفزع الأكبر و لا يكترثون للحساب رجل قرأ القرآن محتسبا ثم أم به قوما محتسبا و رجل أذن محتسبا و مملوك أدى حق الله عز و جل و حق مواليه «و تتلقاهم الملائكة» أي تستقبلهم الملائكة بالتهنئة يقولون لهم «هذا يومكم الذي كنتم توعدون» في الدنيا فأبشروا بالأمن و الفوز.