۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الأنبياء، آية ٧٨

التفسير يعرض الآيات ٧٦ إلى ٨٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَنُوحًا إِذۡ نَادَىٰ مِن قَبۡلُ فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ فَنَجَّيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلۡكَرۡبِ ٱلۡعَظِيمِ ٧٦ وَنَصَرۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمَ سَوۡءٖ فَأَغۡرَقۡنَٰهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٧٧ وَدَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ إِذۡ يَحۡكُمَانِ فِي ٱلۡحَرۡثِ إِذۡ نَفَشَتۡ فِيهِ غَنَمُ ٱلۡقَوۡمِ وَكُنَّا لِحُكۡمِهِمۡ شَٰهِدِينَ ٧٨ فَفَهَّمۡنَٰهَا سُلَيۡمَٰنَۚ وَكُلًّا ءَاتَيۡنَا حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ وَسَخَّرۡنَا مَعَ دَاوُۥدَ ٱلۡجِبَالَ يُسَبِّحۡنَ وَٱلطَّيۡرَۚ وَكُنَّا فَٰعِلِينَ ٧٩ وَعَلَّمۡنَٰهُ صَنۡعَةَ لَبُوسٖ لَّكُمۡ لِتُحۡصِنَكُم مِّنۢ بَأۡسِكُمۡۖ فَهَلۡ أَنتُمۡ شَٰكِرُونَ ٨٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ نُوحاً إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاستَجَبْنَا لَهُ فَنَجّيْنَهُ وَ أَهْلَهُ مِنَ الْكرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَ نَصرْنَهُ مِنَ الْقَوْمِ الّذِينَ كَذّبُوا بِئَايَتِنَا إِنهُمْ كانُوا قَوْمَ سوْءٍ فَأَغْرَقْنَهُمْ أَجمَعِينَ (77) وَ دَاوُدَ وَ سلَيْمَنَ إِذْ يحْكمَانِ فى الحَْرْثِ إِذْ نَفَشت فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَ كنّا لحُِكْمِهِمْ شهِدِينَ (78) فَفَهّمْنَهَا سلَيْمَنَ وَ كلاّ ءَاتَيْنَا حُكْماً وَ عِلْماً وَ سخّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسبِّحْنَ وَ الطيرَ وَ كنّا فَعِلِينَ (79) وَ عَلّمْنَهُ صنْعَةَ لَبُوسٍ لّكمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شكِرُونَ (80)

القراءة

قرأ أبو جعفر و ابن عامر و حفص عن عاصم و روح و زيد عن يعقوب «لتحصنكم» بالتاء و قرأ أبو بكر عن عاصم و رويس عن يعقوب لنحصنكم بالنون و الباقون ليحصنكم بالياء.

الحجة

من قرأ بالياء فيجوز أن يكون الفاعل اسم الله لتقدم قوله «علمناه» و يجوز أن يكون اللباس لأن اللبوس بمعنى اللباس و يجوز أن يكون داود و من قرأ بالتاء حمله على المعنى لأنه الدرع مؤنث و من قرأ بالنون فلتقدم قوله علمناه.

اللغة

النفش بفتح الفاء و سكونها أن تنتشر الإبل و الغنم بالليل فترعى بلا راع و إبل نفاش و اللبوس اسم للسلاح كله عند العرب درعا أو جوشنا أو سيفا أو رمحا قال الهذلي يصف رمحا:

{و معي لبوس للبئيس كأنه --- روق بجبهة ذي نعاج مجفل}

و قيل هو كل ما يلبس من ثياب و درع و قيل هو الدرع و أصل اللباس من الاختلاط و منه سميت المرأة لباسا و سمي الليل لباسا لأنه يباشر الناس بظلمته و الإحصان الإحراز و أصله من المنع.

الإعراب

و نوحا معطوف على قوله «إذ نفشت» ظرف لقوله «يحكمان» و قوله «و كنا لحكمهم شاهدين» يجوز أن يكون في موضع الجر بالعطف على «يحكمان» أي وقت حكمهما في الحرث و كوننا شاهدين له و يجوز أن يكون في موضع النصب على الحال و كلا

منصوب لأنه مفعول أول لآتينا و «حكما» مفعول ثان له «يسبحن» في موضع نصب على الحال من الجبال «و الطير» عطف على الجبال و يجوز أن يكون مفعولا معه و تقديره يسبحن مع الطير فيكون الواو بمعنى مع.

المعنى

ثم عطف سبحانه قصة نوح و داود على قصة إبراهيم (عليه السلام) و لوط فقال «و نوحا إذ نادى» أي دعا ربه فقال رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا و قال إني مغلوب فانتصر و غير ذلك «من قبل» أي من قبل إبراهيم و لوط «فاستجبنا له» أي أجبناه إلى ما التمسه «فنجيناه و أهله من الكرب العظيم» أي من الغم الذي يصل حره إلى القلب و هو ما كان يلقاه من الأذى طول تلك المدة و تحمل الاستخفاف من السقاط من أعظم الكرب «و نصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا» أي منعناه منهم بالنصرة حتى لم يصلوا إليه بسوء و قيل معناه نصرناه على القوم و من بمعنى على عن أبي عبيدة «إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين» صغارهم و كبارهم و ذكورهم و إناثهم «و داود و سليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم» أي و آتينا داود و سليمان حكما و علما إذ يحكمان و قيل تقديره و اذكر داود و سليمان حين يحكمان في الحرث في الوقت الذي نفشت فيه غنم القوم أي تفرقت ليلا «و كنا لحكمهم شاهدين» أي بحكمهم عالمين لم يغب عنا منه شيء و إنما جمع في موضع التثنية لإضافة الحكم إلى الحاكم و إلى المحكوم لهم و قيل لأن الاثنين جمع فهو مثل قوله «إن كان له إخوة» و هو يريد أخوين و اختلف في الحكم الذي حكما به فقيل أنه زرع وقعت فيه الغنم ليلا فأكلته عن قتادة و قيل كان كرما و قد بدت عناقيده فحكم داود بالغنم لصاحب الكرم فقال سليمان غير هذا يا نبي الله قال و ما ذاك قال يدفع الكرم إلى صاحب الغنم فيقوم عليه حتى يعود كما كان و يدفع الغنم إلى صاحب الكرم فيصيب منها حتى إذا عاد الكرم كما كان ثم دفع كل واحد منهما إلى صاحبه ماله عن ابن مسعود و روي ذلك عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه السلام) و قال الجبائي أوحى الله تعالى إلى سليمان بما نسخ به حكم داود الذي كان يحكم به قبل و لم يكن ذلك عن اجتهاد لأنه لا يجوز للأنبياء أن يحكموا بالاجتهاد و هذا هو الصحيح المعول عليه عندنا و قال علي بن عيسى و البلخي يجوز أن يكون ذلك عن اجتهاد لأن رأي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أفضل من رأي غيره فإذا جاز التعبد بالتزام حكم غير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من طرق الاجتهاد فكيف يمنع من حكم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على هذا الوجه و الذي يدل على صحة القول الأول أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا كان يوحى إليه و له طريق إلى العلم بالحكم فلا يجوز أن يحكم بالظن على أن الحكم بالظن و الاجتهاد و القياس قد بين أصحابنا في كتبهم أنه لم

يتعبد بها في الشرع إلا في مواضع مخصوصة ورد النص بجواز ذلك فيها نحو قيم المتلفات و أروش الجنايات و جزاء الصيد و القبلة و ما جرى هذا المجرى و أيضا فلو جاز للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يجتهد لجاز لغيره أن يخالفه كما يجوز للمجتهدين أن يختلفا و مخالفة الأنبياء تكون كفرا هذا و قد قال الله سبحانه «و ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى» فأخبر سبحانه أنه إنما ينطق عن جهة الوحي و يقوي ما ذكرناه قوله تعالى «ففهمناها سليمان» أي علمناه الحكومة في ذلك و قيل إن سليمان قضى بذلك و هو ابن إحدى عشر سنة و روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قضى بحفظ المواشي على أربابها ليلا و قضى بحفظ الحرث على أربابه نهارا «و كلا آتينا حكما و علما» أي و كل واحد من داود و سليمان أعطيناه حكمة و قيل معناه النبوة و علم الدين و الشرع «و سخرنا مع داود الجبال يسبحن و الطير» قيل معناه سيرنا الجبال مع داود حيث سار فعبر عن ذلك بالتسبيح لما فيه من الآية العظيمة التي تدعو إلى تسبيح الله و تعظيمه و تنزيهه عن كل ما لا يليق به و كذلك تسخير الطير له تسبيح يدل على إن مسخرها قادر لا يجوز عليه مما يجوز على العباد عن الجبائي و علي بن عيسى و قيل إن الجبال كانت تجاوبه بالتسبيح و كذلك الطير يسبح معه بالغداة و العشي معجزة له عن وهب «و كنا فاعلين» أي قادرين على فعل هذه الأشياء ففعلناها دلالة على نبوته «و علمناه صنعة لبوس لكم» أي علمناه كيف يصنع الدرع قال قتادة أول من صنع الدرع داود (عليه السلام) و إنما كانت صفائح جعل الله سبحانه الحديد في يده كالعجين فهو أول من سردها و حلقها فجمعت الخفة و التحصين و هو قوله «لتحصنكم من بأسكم» أي ليحرزكم و يمنعكم من وقع السلاح فيكم عن السدي و قيل معناه من حربكم أي في حالة الحرب و القتال فإن البأس في اللغة هو شدة القتال «فهل أنتم شاكرون» لنعم الله تعالى عليكم و على أنبيائه قبلكم و هذا تقرير للخلق على شكره فإن إنعامه على الأنبياء إنعام على الخلق و قيل إن سبب إلانة الحديد لداود (عليه السلام) أنه كان نبيا ملكا و كان يطوف في ولايته متنكرا يتعرف أحوال عماله و متصرفيه فاستقبله جبرائيل ذات يوم على صورة آدمي فسلم عليه فرد عليه السلام و قال ما سيرة داود فقال نعمت السيرة لو لا خصلة فيه قال و ما هي قال أنه يأكل من بيت مال المسلمين فتنكره و أثنى عليه و قال لقد أقسم داود أنه لا يأكل من بيت مال المسلمين فعلم الله سبحانه صدقه فألان له الحديد كما قال و ألنا له الحديد و روي أن لقمان الحكيم حضره فرآه يفعل ذلك فصبر و لم يسأله حتى فرغ من ذلك فقام و لبس و قال نعمت الجنة للحرب فقال لقمان الصمت حكمة و قليل فاعله.