۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الأنبياء، آية ٥٦

التفسير يعرض الآيات ٥١ إلى ٦٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

۞ وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَآ إِبۡرَٰهِيمَ رُشۡدَهُۥ مِن قَبۡلُ وَكُنَّا بِهِۦ عَٰلِمِينَ ٥١ إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَا هَٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيٓ أَنتُمۡ لَهَا عَٰكِفُونَ ٥٢ قَالُواْ وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا لَهَا عَٰبِدِينَ ٥٣ قَالَ لَقَدۡ كُنتُمۡ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُمۡ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٥٤ قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا بِٱلۡحَقِّ أَمۡ أَنتَ مِنَ ٱللَّٰعِبِينَ ٥٥ قَالَ بَل رَّبُّكُمۡ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ٱلَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا۠ عَلَىٰ ذَٰلِكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٥٦ وَتَٱللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصۡنَٰمَكُم بَعۡدَ أَن تُوَلُّواْ مُدۡبِرِينَ ٥٧ فَجَعَلَهُمۡ جُذَٰذًا إِلَّا كَبِيرٗا لَّهُمۡ لَعَلَّهُمۡ إِلَيۡهِ يَرۡجِعُونَ ٥٨ قَالُواْ مَن فَعَلَ هَٰذَا بِـَٔالِهَتِنَآ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥٩ قَالُواْ سَمِعۡنَا فَتٗى يَذۡكُرُهُمۡ يُقَالُ لَهُۥٓ إِبۡرَٰهِيمُ ٦٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ لَقَدْ ءَاتَيْنَا إِبْرَهِيمَ رُشدَهُ مِن قَبْلُ وَ كُنّا بِهِ عَلِمِينَ (51) إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ مَا هَذِهِ التّمَاثِيلُ الّتى أَنتُمْ لهََا عَكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا لهََا عَبِدِينَ (53) قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَ ءَابَاؤُكمْ فى ضلَلٍ مّبِينٍ (54) قَالُوا أَ جِئْتَنَا بِالحَْقِّ أَمْ أَنت مِنَ اللّعِبِينَ (55) قَالَ بَل رّبّكمْ رَب السمَوَتِ وَ الأَرْضِ الّذِى فَطرَهُنّ وَ أَنَا عَلى ذَلِكم مِّنَ الشهِدِينَ (56) وَ تَاللّهِ لأَكيدَنّ أَصنَمَكم بَعْدَ أَن تُوَلّوا مُدْبِرِينَ (57) فَجَعَلَهُمْ جُذَذاً إِلا كبِيراً لهُّمْ لَعَلّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58) قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِئَالِهَتِنَا إِنّهُ لَمِنَ الظلِمِينَ (59) قَالُوا سمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَهِيمُ (60)

القراءة

قرأ الكسائي جذاذا بكسر الجيم و الباقون بضمها و في الشواذ قراءة ابن عباس و أبي السماك بفتح الجيم.

الحجة

قال أبو حاتم فيه لغات جذاذا و جذاذا و أجودها الضم كالحطام و الرفات من جذذت الشيء إذا قطعته قال النابغة:

{تجذ السلوقي المضاعف نسجه --- و يوقدن بالصفاح نار الحباحب}

و قال جرير:

{بنو المهلب جذ الله دابرهم --- أمسوا رمادا فلا أصل و لا طرف}

المعنى

ثم عطف سبحانه على ما تقدم من قصة موسى و هارون بقصة إبراهيم (عليه السلام) فقال «و لقد آتينا» أي أعطينا «إبراهيم رشده» يعني الحجج التي توصله إلى الرشد من معرفة الله و توحيده و قيل معناه هداه أي هديناه صغيرا عن قتادة و مجاهد و قيل هو النبوة «من قبل» أي من قبل موسى و قيل من قبل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) و القرآن و قيل من قبل بلوغه «و كنا به عالمين» أنه أهل لإيتاء الرشد و صالح للنبوة «إذ قال لأبيه و قومه» حين رآهم يعبدون الأصنام «ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون» و العامل في إذ قوله «آتينا» أي آتينا رشده في ذلك الوقت و التمثال اسم للشيء المصنوع مشبها بخلق من خلق الله و أصله من مثلت الشيء بالشيء إذا شبهته به و اسم ذلك الممثل تمثال و جمعه تماثيل و قيل إنهم جعلوها أمثلة لعلمائهم الذين انقرضوا و قيل إنهم جعلوها أمثلة للأجسام العلوية و المعنى ما هذه الصور التي أنتم مقيمون على عبادتها و روى العياشي بإسناده عن الأصبغ بن نباتة أن عليا (عليه السلام) مر بقوم يلعبون الشطرنج فقال ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون لقد عصيتم الله و رسوله «قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين» فاقتدينا بهم اعترفوا بالتقليد إذ لم يجدوا حجة لعبادتهم إياها سوى اتباع الآباء «قال لقد كنتم أنتم و آباؤكم في ضلال مبين» أي في ذهاب عن الحق ظاهر ذمهم على تقليد الآباء و نسبهم في ذلك إلى الضلال «قالوا أ جئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين» معناه أ جاد أنت فيما تقول محق عند نفسك أم لاعب مازح و إنما قالوا ذلك لاستبعادهم إنكار عبادة الأصنام عليهم إذ ألفوا ذلك و اعتادوه «قال بل ربكم رب السماوات و الأرض الذي فطرهن» أي بل إلهكم إله السماوات و الأرض الذي خلقهن و ابتدأهن فدل على الله سبحانه بصنعة «و أنا على ذلكم من الشاهدين» و معنى هذه الشهادة تحقيق الأخبار و الشاهد الدال على الشيء عن مشاهدة فإبراهيم (عليه السلام) شاهد بالحق لأنه دال عليه بما يرجع إلى ثقة المشاهدة ثم أقسم إبراهيم (عليه السلام) فقال «و تالله لأكيدن أصنامكم» أي لأدبرن في بابهم تدبيرا خفيا يسؤكم ذلك و قيل إنما قال ذلك في سر من قومه و لم يسمع ذلك إلا رجل منهم فأفشاه عن قتادة و مجاهد «بعد أن تولوا مدبرين» أي بعد أن تنطلقوا ذاهبين قالوا كان لهم في كل سنة مجمع و عيد إذا رجعوا منه دخلوا على الأصنام و سجدوا لها فقالوا لإبراهيم (عليه السلام) أ لا تخرج معنا فخرج فلما كان ببعض الطريق قال اشتكى رجلي و انصرف «فجعلهم جذاذا» أي فجعل أصنامهم قطعا قطعا عن

قتادة و قيل حطاما عن ابن عباس «إلا كبيرا لهم» تركه على حاله و يجوز أن يكون كبيرهم في الخلقة و يجوز أن يكون أكبرهم عندهم في التعظيم قالوا جعل يكسرهم بفأس في يده حتى لم يبق إلا الصنم الكبير علق الفأس في عنقه و خرج «لعلهم إليه يرجعون» أي لعلهم يرجعون إلى إبراهيم فيسألونه عن حال الأصنام لينبههم على جهلهم و قيل لعلهم يرجعون إلى الكبير فيسألونه و هو لا ينطق فيعلمون جهل من اتخذوه إلها و في الكلام هاهنا حذف تقديره فلما رجع قومه من عيدهم فوجدوا أصنامهم مكسرة «قالوا من فعل هذا بإلهتنا إنه لمن الظالمين» من هذه الموصولة تقديره الذي فعل هذا بإلهتنا فإنه ظالم لنفسه لأنه يقتل إذا علم به و قيل إنهم قالوا من فعل هذا استفهموا عمن صنع ذلك و أنكروا عليه فعله بقولهم «أنه لمن الظالمين» إذ فعل ما لم يكن له أن يفعله «قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم» أي قال الرجل الذي سمع من إبراهيم قوله «لأكيدن أصنامكم» للقوم ما سمعه منه فقالوا سمعنا فتى يذكرهم بسوء و قيل إنهم قالوا سمعنا فتى يعيب آلهتنا و يقول إنها لا تضر و لا تنفع و لا تبصر و لا تسمع فهو الذي كسرها و على القول الأول فإنما قالوا سمعنا فتى و إن لم يسمعوه كما يقال سمعت الله يقول أو سمعت الرسول يقول إذا بلغك عنه رسالة على لسان ثقة صدوق و قوله «يقال له إبراهيم» ارتفع إبراهيم على وجهين ( أحدهما ) يقال له هو إبراهيم و المعروف به إبراهيم و على النداء أي يقال له يا إبراهيم عن الزجاج.