۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الأنبياء، آية ٢٩

التفسير يعرض الآيات ٢١ إلى ٣٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

أَمِ ٱتَّخَذُوٓاْ ءَالِهَةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ هُمۡ يُنشِرُونَ ٢١ لَوۡ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ ٢٢ لَا يُسۡـَٔلُ عَمَّا يَفۡعَلُ وَهُمۡ يُسۡـَٔلُونَ ٢٣ أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡۖ هَٰذَا ذِكۡرُ مَن مَّعِيَ وَذِكۡرُ مَن قَبۡلِيۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡحَقَّۖ فَهُم مُّعۡرِضُونَ ٢٤ وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ ٢٥ وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۚ بَلۡ عِبَادٞ مُّكۡرَمُونَ ٢٦ لَا يَسۡبِقُونَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ وَهُم بِأَمۡرِهِۦ يَعۡمَلُونَ ٢٧ يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَلَا يَشۡفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرۡتَضَىٰ وَهُم مِّنۡ خَشۡيَتِهِۦ مُشۡفِقُونَ ٢٨ ۞ وَمَن يَقُلۡ مِنۡهُمۡ إِنِّيٓ إِلَٰهٞ مِّن دُونِهِۦ فَذَٰلِكَ نَجۡزِيهِ جَهَنَّمَۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٩ أَوَلَمۡ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ كَانَتَا رَتۡقٗا فَفَتَقۡنَٰهُمَاۖ وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّۚ أَفَلَا يُؤۡمِنُونَ ٣٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

أَمِ اتخَذُوا ءَالِهَةً مِّنَ الأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ (21) لَوْ كانَ فِيهِمَا ءَالهَِةٌ إِلا اللّهُ لَفَسدَتَا فَسبْحَنَ اللّهِ رَب الْعَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ (22) لا يُسئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسئَلُونَ (23) أَمِ اتخَذُوا مِن دُونِهِ ءَالهَِةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَنَكمْ هَذَا ذِكْرُ مَن مّعِىَ وَ ذِكْرُ مَن قَبْلى بَلْ أَكْثرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الحَْقّ فَهُم مّعْرِضونَ (24) وَ مَا أَرْسلْنَا مِن قَبْلِك مِن رّسولٍ إِلا نُوحِى إِلَيْهِ أَنّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) وَ قَالُوا اتخَذَ الرّحْمَنُ وَلَداً سبْحَنَهُ بَلْ عِبَادٌ مّكْرَمُونَ (26) لا يَسبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيْدِيهِمْ وَ مَا خَلْفَهُمْ وَ لا يَشفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضى وَ هُم مِّنْ خَشيَتِهِ مُشفِقُونَ (28) وَ مَن يَقُلْ مِنهُمْ إِنى إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِك نجْزِيهِ جَهَنّمَ كَذَلِك نجْزِى الظلِمِينَ (29) أَ وَ لَمْ يَرَ الّذِينَ كَفَرُوا أَنّ السمَوَتِ وَ الأَرْض كانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَهُمَا وَ جَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كلّ شىْءٍ حَىٍ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ (30)

القراءة

قرأ أهل الكوفة غير أبي بكر «إلا نوحي» بالنون و الباقون يوحى و قرأ ابن كثير أ لم ير بغير واو و كذلك هو في مصاحف مكة و الباقون «أ و لم يروا» بالواو و في الشواذ قراءة الحسن و ابن محيصن الحق بالرفع «فهم معرضون» و قراءة الحسن أيضا و عيسى الثقفي رتقا بفتح التاء.

الحجة

وجه النون أنه أشبه بما تقدم من قوله «و ما أرسلنا» و الياء في المعنى كالنون و الوجه في قراءة الحسن الحق بالرفع الاستئناف فإن الوقف في هذه القراءة على قوله «لا يعلمون» و التقدير هذا الحق أو هو الحق فيحذف المبتدأ و يوقف على الحق ثم يستأنف فيقال «فهم معرضون» لأن أكثرهم لا يعلمون و الوجه في قوله رتقا بفتح التاء أنه قد كثر مجيء المصدر على فعل و اسم المفعول منه على فعل مفتوح العين و ذلك كالنفض و النفض و الطرد و الطرد فالرتق على هذا يكون للشيء المرتوق كما أن النفض المنفوض و الهدم المهدوم فقراءة الجماعة «رتقا» بسكون التاء كأنه مما وضع من المصادر موضع اسم المفعول كالصيد بمعنى المصيد و الخلق بمعنى المخلوق.

الإعراب

«أم اتخذوا» أم هذه هي المنقطعة و ليست المعادلة لهمزة الاستفهام في مثل قولك أ زيد عندك أم عمرو و قوله «لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا» إلا هذه صفة لآلهة و تقديره غير الله عما يفعل ما هذه الأجود أن تكون مصدرية و يحتمل أن تكون اسما.

المعنى

ثم عاد سبحانه إلى توبيخ المشركين فقال «أم اتخذوا آلهة من الأرض» هذا استفهام معناه الجحد أي لم يتخذوا آلهة من الأرض «هم ينشرون» أي يحيون الأموات عن مجاهد يقال أنشر الله الموتى فنشروا أي أحياهم فحيوا و هو من النشر بعد الطي لأن المحيا كأنه كان مطويا بالقبض عن الإدراك فأنشر بالحياة و المعنى في ذلك أن هؤلاء إذا كانوا لا يقدرون على الإحياء الذي من قدر عليه قدر على أن ينعم بالنعم التي يستحق بها العبادة فكيف يستحقون العبادة قال الزجاج و من قرأ ينشرون بفتح الياء فمعناه لا يموتون أبدا و يبقون أحياء أي لا يكون ذلك و أقول قد يجوز أن يكون ينشرون و ينشرون بمعنى يقال نشر الله الميت بمعنى أنشر ثم ذكر سبحانه الدلالة على توحيده و أنه لا يجوز أن يكون معه إله سواه فقال «لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا» و معناه لو كان في السماء و الأرض آلهة سوى الله لفسدتا و ما استقامتا و فسد من فيهما و لم ينتظم أمرهم و هذا هو دليل التمانع الذي بنى عليه المتكلمون مسألة التوحيد و تقرير ذلك أنه لو كان مع الله سبحانه إله آخر لكانا قديمين و القدم من أخص الصفات فالاشتراك فيه يوجب التماثل فيجب أن يكونا قادرين عالمين حيين و من حق كل قادرين أن يصح كون أحدهما مريدا لضد ما يريده الآخر من إماتة و إحياء أو تحريك و تسكين أو إفقار و إغناء و نحو ذلك فإذا فرضنا ذلك فلا يخلو إما أن يحصل مرادهما و ذلك محال و إما أن لا يحصل مرادهما فينتقض كونهما قادرين و إما أن يقع مراد أحدهما و لا يقع مراد الآخر فينتقض كون من لم يقع مراده من غير وجه منع معقول قادرا فإذا لا يجوز أن يكون الإله إلا واحدا و لو قيل إنهما لا يتمانعان لأن ما يريده أحدهما يكون حكمة فيريده الآخر بعينه و الجواب أن كلامنا في صحة التمانع لا في وقوع التمانع و صحة التمانع يكفي في الدلالة لأنه يدل على أنه لا بد من أن يكون أحدهما متناهي المقدور فلا يجوز أن يكون إلها ثم نزه سبحانه نفسه عن أن يكون معه إله فقال «سبحان الله رب العرش عما يصفون» و إنما خص العرش لأنه أعظم المخلوقات و من قدر على أعظم المخلوقات كان قادرا على ما دونه «لا يسأل عما يفعل و هم يسألون» معناه أن جميع أفعاله حكمة و صواب و لا يقال للحكيم لم فعلت الصواب و هم يسألون لأنهم يفعلون الحق و الباطل و قيل معناه أنه لا يسأل عن ادعاء الربوبية و هم مسئولون إذا ادعوها و يدل على هذا التأويل النظم و السياق و قيل معناه لا يحاسب على أفعاله و هم يحاسبون على أفعالهم و قيل معناه أنه لا يسأله الملائكة و المسيح

عن فعله و هو يسألهم و يجازيهم فلو كانوا آلهة لم يسألوا عن أفعالهم «أم اتخذوا من دونه آلهة» و هذا استفهام إنكار و توبيخ أيضا «قل هاتوا برهانكم» أي قل لهم يا محمد هاتوا حجتكم على صحة ما فعلتموه لأنهم لا يقدرون على ذلك أبدا و في هذا دلالة على فساد التقليد لأنه طالبهم بالحجة على صحة قولهم و البرهان هو الدليل المؤدي إلى العلم «هذا ذكر من معي و ذكر من قبلي» أي و قل لهم يا محمد هذا القرآن ذكر من معي بما يلزمهم من الأحكام و ذكر من قبلي من الأمم ممن نجا بالإيمان أو هلك بالكفر عن قتادة و قيل هذا ذكر من معي بالحق في إخلاص الإلهية و التوحيد في القرآن و على هذا ذكر من قبلي في التوراة و الإنجيل عن الجبائي.

قال لأن القرآن ذكر أتاه الله و من معه و التوراة و الإنجيل ذكر تلك الأمم و قال أبو عبد الله (عليه السلام) يعني بذكر من معي من معه و ما هو كائن و بذكر من قبلي ما قد كان و قيل إن معناه في القرآن خبر من معي على ديني ممن يتبعني إلى يوم القيامة بما لهم من الثواب على الطاعة و العقاب على المعصية و ذكر ما أنزل الله من الكتب قبلي فانظروا هل في واحد من الكتب أن الله أمر باتخاذ إله سواه فبطل بهذا البيان جواز اتخاذ معبود سواه من حيث الأمر به و قال الزجاج قل لهم هاتوا برهانكم بأن رسولا من الرسل أتى أمته بأن لهم إلها غير الله فهل في ذكر من معي و ذكر من قبلي إلا توحيد الله و يدل على صحة هذا قوله فيما بعد «و ما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون» فلما توجهت الحجة عليهم ذمهم سبحانه على جهلهم بمواضع الحق فقال «بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون» عن التأمل و التفكر و اختص الأكثر منهم لأن فيهم من آمن «و ما أرسلنا من قبلك» يا محمد «من رسول» أي رسولا و من مزيدة «إلا نوحي إليه» نحن أو يوحى إليه أي يوحي الله إليه ب «أنه لا إله» أي لا معبود على الحقيقة «إلا أنا فاعبدون» أي فوجهوا العبادة إلي دون غيري «و قالوا اتخذ الرحمن ولدا» يعني من الملائكة «سبحانه» نزه نفسه عن ذلك لأن اتخاذ الولد لا يخلو أما أن يكون على سبيل التوالد أو على سبيل التبني و كلاهما لا يجوز عليه لأن الأول يقتضي أن يكون من قبيل الأجسام و الثاني و هو التبني يكون بأن يقيم غير ولده مقام ولده و إذا كان حقيقة الولد مستحيلا منه فالمشبه به كذلك و ليس ذلك كالخلة لأنه من الاختصاص و حقيقته جائزة عليه «بل عباد مكرمون» أي ليسوا أولاد الله كما يزعمون بل هم عباد مكرمون أكرمهم الله و اصطفاهم «لا يسبقونه بالقول» أي لا يتكلمون إلا بما يأمرهم به ربهم فكل أقوالهم طاعة لربهم و ناهيك بذلك جلالة قدرهم «و هم بأمره يعملون» و من كان بهذه الصفة لا يوصف بأنه ولده «يعلم ما بين أيديهم و ما خلفهم» أي ما قدموا من أعمالهم و ما أخروا منها يعني ما عملوا و ما هم عاملون «و لا يشفعون إلا لمن

ارتضى» الله دينه و قال مجاهد إلا لمن رضي الله عنه و قيل إنهم أهل شهادة أن لا إله إلا الله عن ابن عباس و قيل هم المؤمنون المستحقون للثواب و حقيقته أنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى الله أن يشفع فيه فيكون في معنى قوله من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه «و هم من خشيته» أي من خشيتهم منه فأضيف المصدر إلى المفعول «مشفقون» خائفون وجلون من التقصير في عبادته «و من يقل منهم إني إله من دونه» أي من يقل من هؤلاء الملائكة إني إله تحق لي العبادة من دون الله «فذلك» أي فذلك القائل «نجزيه جهنم» يعني إن حالهم مثل حال سائر العبيد في استحقاق الوعيد و قيل إنه عنى به إبليس لأنه الذي دعا الناس إلى عبادته عن ابن جريج و قتادة و قيل إن هذا لا يصح لأن الله سبحانه علق الوعيد بالشرط و لأن إبليس ليس من الملائكة عند الأكثرين «كذلك نجزي الظالمين» يعني المشركين الذين يصفون الله بما لا يليق به و في هذه الآية دلالة على أن الملائكة ليسوا مطبوعين على الطاعات على ما قاله بعضهم و أنهم مكلفون «أ و لم ير الذين كفروا» استفهام يراد به التقريع و المعنى أ و لم يعلموا أنه سبحانه الذي يفعل هذه الأشياء و لا يقدر عليها غيره فهو الإله المستحق للعبادة دون غيره «أن السماوات و الأرض كانتا رتقا ففتقناهما» تقديره كانتا ذواتي رتق فجعلناهما ذواتي فتق و المعنى كانتا ملتزقتين منسدتين ففصلنا بينهما بالهواء عن ابن عباس و الحسن و الضحاك و عطاء و قتادة و قيل كانت السماوات مرتتقة مطبقة ففتقناها سبع سماوات و كانت الأرض كذلك ففتقناها سبع أرضين عن مجاهد و السدي و قيل كانت السماء رتقا لا تمطر و كانت الأرض رتقا لا تنبت ففتقنا السماء بالمطر و الأرض بالنبات عن عكرمة و عطية و ابن زيد و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه السلام) «و جعلنا من الماء كل شيء حي» أي و أحيينا بالماء الذي ننزله من السماء كل شيء حي و قيل و خلقنا من النطفة كل مخلوق حي عن أبي العالية و الأول أصح و روى العياشي بإسناده عن الحسن بن علوان قال سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن طعم الماء فقال له سل تفقها و لا تسأل تعنتا طعم الماء طعم الحياة قال الله سبحانه «و جعلنا من الماء كل شيء حي» و قيل معناه و جعلنا من الماء حياة كل ذي روح و نماء كل نام فيدخل فيه الحيوان و النبات و الأشجار عن أبي مسلم «أ فلا يؤمنون» أي أ فلا يصدقون بالقرآن و بما يشاهدون من الدليل و البرهان.

النظم

وجه اتصال الآية الأولى بما قبلها أنه سبحانه قال فاسألوا أهل الذكر هل أرسلنا قبلك إلا رجالا و هل اتخذوا آلهة من الأرض أي من الحجر و المدر و الخشب فإن كله من الأرض عن أبي مسلم و قيل إنه يتصل بقوله «لو أردنا أن نتخذ لهوا» و المعنى أنهم أضافوا إليه الولد و أضافوا إليه الشريك و وجه اتصال قوله «لا يسأل عما يفعل» بما قبله أنه لما بين

التوحيد عطف عليه بيان العدل و قيل إنه يتصل بقوله اقترب للناس حسابهم و الحساب هو السؤال عما أنعم الله عليهم به و هل قابلوا نعمه بالشكر أم قابلوها بالكفر عن أبي مسلم و وجه اتصال قوله «هذا ذكر من معي و ذكر من قبلي» بما قبله أن ما قدمنا ذكره من التوحيد و العدل مذكور في القرآن و في الكتب السالفة.