۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الأنبياء، آية ١١

التفسير يعرض الآيات ١١ إلى ٢٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَكَمۡ قَصَمۡنَا مِن قَرۡيَةٖ كَانَتۡ ظَالِمَةٗ وَأَنشَأۡنَا بَعۡدَهَا قَوۡمًا ءَاخَرِينَ ١١ فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأۡسَنَآ إِذَا هُم مِّنۡهَا يَرۡكُضُونَ ١٢ لَا تَرۡكُضُواْ وَٱرۡجِعُوٓاْ إِلَىٰ مَآ أُتۡرِفۡتُمۡ فِيهِ وَمَسَٰكِنِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُسۡـَٔلُونَ ١٣ قَالُواْ يَٰوَيۡلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ١٤ فَمَا زَالَت تِّلۡكَ دَعۡوَىٰهُمۡ حَتَّىٰ جَعَلۡنَٰهُمۡ حَصِيدًا خَٰمِدِينَ ١٥ وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا لَٰعِبِينَ ١٦ لَوۡ أَرَدۡنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهۡوٗا لَّٱتَّخَذۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَٰعِلِينَ ١٧ بَلۡ نَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَى ٱلۡبَٰطِلِ فَيَدۡمَغُهُۥ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٞۚ وَلَكُمُ ٱلۡوَيۡلُ مِمَّا تَصِفُونَ ١٨ وَلَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَنۡ عِندَهُۥ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَلَا يَسۡتَحۡسِرُونَ ١٩ يُسَبِّحُونَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ لَا يَفۡتُرُونَ ٢٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ كَمْ قَصمْنَا مِن قَرْيَةٍ كانَت ظالِمَةً وَ أَنشأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً ءَاخَرِينَ (11) فَلَمّا أَحَسوا بَأْسنَا إِذَا هُم مِّنهَا يَرْكُضونَ (12) لا تَرْكُضوا وَ ارْجِعُوا إِلى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَ مَسكِنِكُمْ لَعَلّكُمْ تُسئَلُونَ (13) قَالُوا يَوَيْلَنَا إِنّا كُنّا ظلِمِينَ (14) فَمَا زَالَت تِّلْك دَعْوَاهُمْ حَتى جَعَلْنَهُمْ حَصِيداً خَمِدِينَ (15) وَ مَا خَلَقْنَا السمَاءَ وَ الأَرْض وَ مَا بَيْنهُمَا لَعِبِينَ (16) لَوْ أَرَدْنَا أَن نّتّخِذَ لهَْواً لاتخَذْنَهُ مِن لّدُنّا إِن كنّا فَعِلِينَ (17) بَلْ نَقْذِف بِالحَْقِّ عَلى الْبَطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ (18) وَ لَهُ مَن فى السمَوَتِ وَ الأَرْضِ وَ مَنْ عِندَهُ لا يَستَكْبرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَ لا يَستَحْسرُونَ (19) يُسبِّحُونَ الّيْلَ وَ النهَارَ لا يَفْترُونَ (20)

اللغة

القصم الكسر يقال قصمه يقصمه و هو قاصم الجبابرة و الإنشاء الإيجاد و نظيره الاختراع و الإبداع و الركض العدو بشدة الوطء و ركض دابته ضربها برجله حتى تعدو و ارتكاض الصبي اضطرابه في الرحم و الترفه النعمة و المترفة المتنعم و الزاهق من الأضداد يقال للهالك زاهق و للسمين من الدواب زاهق و زهقت نفسه تزهق زهوقا أي تلفت و الدمغ شج الرأس حتى يبلغ الدماغ يقال دمغه يدمغه إذا أصاب دماغه و منه في صفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الدامغ جيشات الأباطيل و الاستحسار الانقطاع من الإعياء يقال بعير حسير أي معي و أصله من قولهم حسر عن ذراعيه فالمعنى أنه كشف قوته بإعياء و جمال حسري قال علقمة بن عبدة:

{بها جيف الحسرى فأما عظامها --- فبيض و أما جلدها فصليب}

الإعراب

كم في موضع نصب بأنه مفعول «قصمنا» و «من قرية» في موضع نصب على التمييز و يجوز أن يكون صفة لكم و التقدير كثيرا من القرى قصمنا.

إذا ظرف مكان العامل فيه «يركضون» و تلك في موضع رفع اسم زالت و «دعواهم» في موضع نصب خبر زالت و جائز أن يكون دعواهم اسما و تلك خبرا.

«إن كنا فاعلين» أي ما كنا فاعلين و يجوز أن تكون أن للشرط أي إن كنا ممن يفعل ذلك و لسنا ممن يفعله اتخذناه من لدنا و «من عنده» مبتدأ و «لا يستكبرون» خبره و يجوز أن يكون «و من عنده» معطوفا على «من في السماوات» فيكون لا يستكبرون في موضع الحال فالمعنى غير مستكبرين و كذا لا يستحسرون و يسبحون و لا يفترون كلها أحوال على هذا.

المعنى

ثم بين سبحانه ما فعله بالمكذبين فقال «و كم قصمنا» أي أهلكنا «من قرية» عن مجاهد و السدي و قيل عذبنا عن الكلبي «كانت ظالمة» أي كافرة يعني أهلها «و أنشأنا» أي أوجدنا «بعدها» أي بعد إهلاك أهلها «قوما آخرين فلما أحسوا» أي فلما أدركوا بحواسهم «بأسنا» أي عذابنا «إذا هم منها يركضون» معناه إذا هم من القرية أو من العقوبة يهربون سراعا هرب المنهزم من عدوه «لا تركضوا» أي يقال لهم تقريعا و توبيخا لا تهربوا «و ارجعوا إلى ما أترفتم فيه و مساكنكم» أي و ارجعوا إلى ما نعمتم فيه و إلى مساكنكم التي كفرتم و ظلمتم فيها و قيل إنهم لما أخذتهم السيوف انهزموا مسرعين فقالت لهم الملائكة بحيث سمعوا النداء لا تركضوا و ارجعوا إلى ما خولتم و نعمتم فيه و ارجعوا إلى

مساكنكم و قال ابن قتيبة معناه إلى نعمكم التي أترفتكم و مساكنكم لعلكم تسألون شيئا من دنياكم و المعنى أن الملائكة استهزأت بهم فقالت لهم ارجعوا إلى نعمكم و مساكنكم «لعلكم تسئلون» شيئا من دنياكم فإنكم أهل ثروة و نعمة يقولون ذلك استهزاء بهم هذا قول قتادة و قيل لعلكم تسألون أي يسألكم رسولكم أن تؤمنوا كما سئل قبل نزول العذاب بكم و هذا استهزاء بهم أيضا أي لا سبيل إلى هذا فتدبروا الأمر قبل حلوله و قيل لكي تسألوا عن أعمالكم و عن تنعمكم في الدنيا بغير الحق و عما استحققتم به العذاب عن الجبائي و أبي مسلم «قالوا» على سبيل التندم لما رأوا العذاب «يا ويلنا إنا كنا ظالمين» لأنفسنا حيث كذبنا رسل ربنا و المعنى أنهم اعترفوا بالذنب حين عاينوا العذاب و الويل الوقوع في الهلكة «فما زالت تلك دعواهم» أي لم يزالوا يقولون يا ويلنا و تلك دعواهم «حتى جعلناهم حصيدا» أي محصودا مقطوعا «خامدين» ساكني الحركات ميتين كما تخمد النار إذا انطفات و المعنى استأصلناهم بالعذاب و أهلكناهم عن الحسن و قيل بالسيف و هو قتل بخت نصر لهم عن مجاهد و قيل نزلت في قرية باليمن قتلوا نبيا لهم يقال له حنظلة فسلط الله عليهم بخت نصر حتى قتلهم و سباهم و نكافيهم حتى خرجوا من ديارهم منهزمين فبعث الله ملائكة حتى ردوهم إلى مساكنهم فقتل صغارهم و كبارهم حتى لم يبق لهم اسم و لا رسم «و ما خلقنا السماء و الأرض و ما بينهما لاعبين» بل خلقناهما لغرض صحيح و هو أن يكون دلالة و نعمة و تعريضا للثواب «لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا» اللهو المرأة عن الحسن و مجاهد و قيل هو الولد عن ابن عباس و قيل معناه اللهو الذي هو داعي الهوى و نازع الشهوة و المعنى لو اتخذنا نساء أو ولدا لاتخذناه من أهل السماء و لم نتخذه من أهل الأرض يريد لو كان ذلك جائزا عليه لم يتخذه بحيث يظهر لهم و يسر ذلك حتى لا يطلعوا عليه و قد أحسن ابن قتيبة في شرح اللهو هنا فقال التفسيران في اللهو متقاربان لأن امرأة الرجل لهوه و ولده لهوه و لذلك يقال امرأة الرجل و ولده ريحانتاه و أصل اللهو الجماع كنى عنه باللهو كما كنى عنه بالسر ثم قيل للمرأة لهو لأنها تجامع قال امرؤ القيس:

{ألا زعمت بسباسة اليوم أنني --- كبرت و أن لا يحسن اللهو أمثالي}

و تأويل الآية أن النصارى لما قالت في المسيح و أمه ما قالت قال الله عز و جل «لو أردنا أن نتخذ» صاحبة و ولدا كما تقولون لاتخذنا ذلك من عندنا و لم نتخذ من عندكم لأنكم تعلمون أن ولد الرجل و زوجته يكونان عنده لا عند غيره «إن كنا فاعلين» أي ما كنا فاعلين عن قتادة و مجاهد و ابن جريج و قيل معناه إن كنا فاعلين ذلك لاتخذناه من عندنا

بحيث لا يصل علمه إليكم عن الجبائي «بل نقذف بالحق على الباطل» معناه بل نورد الأدلة القاهرة على الباطل و قيل نرمي بالحجة على الشبهة و قيل بالإيمان على الكفر «فيدمغه» أي يعلوه و يبطله و قيل يهلكه «فإذا هو زاهق» أي هالك مضمحل عن قتادة و تأويله أن الله سبحانه يظهر الحق بأدلته و يبطل الباطل فكيف يفعل الباطل و اللعب «و لكم الويل مما تصفون» أي الهلاك لكم يا معشر الكفار مما تصفون الله تعالى به من اتخاذ الصاحبة و الولد «و له من في السماوات و الأرض» ملكا و ملكا و خلقا و هذا رد أيضا على من أثبت له الولد و الشريك أي و كيف يجوز عليه اتخاذ الشريك و الولد «و من عنده» يعني الملائكة الذين لهم عند الله تعالى المنزلة كما يقال عند الأمير كذا و كذا من الجند و إن كانوا متفرقين في الأماكن و لا يراد بذلك قرب المسافة «لا يستكبرون عن عبادته» أي لا يأنفون و لا يترفعون عن عبادته و أراد بذلك نفس النبوءة عنهم لأن أحدا لا يستعبد ابنه «و لا يستحسرون» أي لا يعيبون عن قتادة و السدي و قيل لا يملون عن ابن زيد و قيل لا ينقطعون مأخوذ من البعير الحسير المنقطع بالإعياء «يسبحون» أي ينزهون الله تعالى عن جميع ما لا يليق بصفاته على الدوام «الليل و النهار» أي في الليل و النهار «لا يفترون» أي لا يضعفون عنه قال كعب جعل لهم التسبيح كما جعل لكم النفس في السهولة.

النظم

اتصل قوله و له من في السماوات و الأرض بما تقدم من ذكر هلاك الكفار فبين سبحانه أنه لم يهلكهم إلا بالاستحقاق لأنه سبحانه تعالى خلقهم للعبادة فلما كفروا جازاهم بكفرهم و لو لا ذلك لكان خلق السماوات و الأرض و ما بينهما لعبا لأن خلقهما إنما هو لأجل المكلفين و خلق المكلف إنما هو لتعريض الثواب و وجه اتصال قوله «من عنده لا يستكبرون عن عبادته» بما قبله أن هؤلاء الذين وصفتموهم بأنهم بنات الله هم عبيد الله على أتم وجوه العبودية و ذلك يبطل معنى الولادة لأن الولادة لا تكون إلا مع المجانسة.