۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة طه، آية ٤٨

التفسير يعرض الآيات ٤٥ إلى ٥٦

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

قَالَا رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفۡرُطَ عَلَيۡنَآ أَوۡ أَن يَطۡغَىٰ ٤٥ قَالَ لَا تَخَافَآۖ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسۡمَعُ وَأَرَىٰ ٤٦ فَأۡتِيَاهُ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرۡسِلۡ مَعَنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَلَا تُعَذِّبۡهُمۡۖ قَدۡ جِئۡنَٰكَ بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكَۖ وَٱلسَّلَٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلۡهُدَىٰٓ ٤٧ إِنَّا قَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡنَآ أَنَّ ٱلۡعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ٤٨ قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَٰمُوسَىٰ ٤٩ قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيٓ أَعۡطَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ خَلۡقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ ٥٠ قَالَ فَمَا بَالُ ٱلۡقُرُونِ ٱلۡأُولَىٰ ٥١ قَالَ عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَٰبٖۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى ٥٢ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مَهۡدٗا وَسَلَكَ لَكُمۡ فِيهَا سُبُلٗا وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّن نَّبَاتٖ شَتَّىٰ ٥٣ كُلُواْ وَٱرۡعَوۡاْ أَنۡعَٰمَكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ ٥٤ ۞ مِنۡهَا خَلَقۡنَٰكُمۡ وَفِيهَا نُعِيدُكُمۡ وَمِنۡهَا نُخۡرِجُكُمۡ تَارَةً أُخۡرَىٰ ٥٥ وَلَقَدۡ أَرَيۡنَٰهُ ءَايَٰتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ ٥٦

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

قَالا رَبّنَا إِنّنَا نخَاف أَن يَفْرُط عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطغَى (45) قَالَ لا تخَافَا إِنّنى مَعَكمَا أَسمَعُ وَ أَرَى (46) فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنّا رَسولا رَبِّك فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنى إِسرءِيلَ وَ لا تُعَذِّبهُمْ قَدْ جِئْنَك بِئَايَةٍ مِّن رّبِّك وَ السلَمُ عَلى مَنِ اتّبَعَ الهُْدَى (47) إِنّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَا أَنّ الْعَذَاب عَلى مَن كَذّب وَ تَوَلى (48) قَالَ فَمَن رّبّكُمَا يَمُوسى (49) قَالَ رَبّنَا الّذِى أَعْطى كلّ شىْءٍ خَلْقَهُ ثمّ هَدَى (50) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولى (51) قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبى فى كِتَبٍ لا يَضِلّ رَبى وَ لا يَنسى (52) الّذِى جَعَلَ لَكُمُ الأَرْض مَهْداً وَ سلَك لَكُمْ فِيهَا سبُلاً وَ أَنزَلَ مِنَ السمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَجاً مِّن نّبَاتٍ شتى (53) كلُوا وَ ارْعَوْا أَنْعَمَكُمْ إِنّ فى ذَلِك لاَيَتٍ لأُولى النّهَى (54) مِنهَا خَلَقْنَكُمْ وَ فِيهَا نُعِيدُكُمْ وَ مِنهَا نخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (55) وَ لَقَدْ أَرَيْنَهُ ءَايَتِنَا كلّهَا فَكَذّب وَ أَبى (56)

القراءة

قرأ نصر عن الكسائي خلقه بفتح اللام و الباقون «خلقه» بسكون اللام و قرأ أهل الكوفة و روح و زيد عن يعقوب «مهدا» و الباقون مهادا بالألف.

الحجة

من قرأ «أعطى كل شيء خلقه» فالمعنى أعطى كل شيء صورته أي خلق كل حيوان على صورة أخرى ثم هداه و من قرأ خلقه بفتح اللام فإنه جملة من الفعل و الفاعل في موضع جر بأنه صفة شيء و المفعول الثاني لأعطى محذوف فكأنه أعطى كل شيء مخلوق ما أوجبه تدبيره ثم هداه السبيل و المهد مصدر كالفرش و المهاد كالفراش و البساط في قوله جعل لكم الأرض فراشا و في موضع آخر بساطا و يجوز أن يكون المهد استعمل استعمال الأسماء فجمع كما يجمع فعل على فعال و الأول أبين.

اللغة

الفرط التقدم و منه الفارط المتقدم إلى الماء قال قد فرط العجل علينا و عجل و منه الإفراط الإسراف لأنه تقدم بين يدي الحق و التفريط التقصير لأنه تأخر عما يجب فيه التقدم قال الزجاج القرن أهل كل عصر فيهم نبي أو إمام أو عالم يقتدى به فإن لم يكن واحد منهم لم يسم قرنا و النهي جمع نهية و إنما قيل لأولي العقول أولو النهى لأنهم ينهون الناس عن القبائح و قيل لأنه ينتهي إلى آرائهم.

الإعراب

«اسمع» جملة في موضع الرفع بكونها خبرا بعد خبر و يجوز أن يكون في موضع النصيب على الحال.

«علمها عند ربي في كتاب».

علمها مبتدأ و في كتاب خبره و عند

ربي معمول الخبر و تقديره علمها ثابت في كتاب عند ربي و يجوز أن يكون قوله «عند ربي» صفة لكتاب فلما تقدم انتصب على الحال تقديره في كتاب ثابت عند ربي و يجوز أن يكون عند ربي الخبر و في كتاب بدل منه و يجوز أن يكون خبرا بعد خبر و قوله «لا يضل ربي» تقدير لا يضل ربي عنه فحذف الجار و المجرور كما حذف من قوله «و اتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا» أي فيه.

«الذي جعل لكم الأرض».

يجوز أن يكون في موضع جر بأنه صفة ربي و يجوز أن يكون في موضع رفع بأن يكون خبر مبتدإ محذوف.

«من نبات» في موضع نصب صفة لقوله «أزواجا» و «شتى» صفة له أيضا فهي صفة بعد صفة و تارة منصوبة على المصدر.

المعنى

لما أمر الله سبحانه موسى و هارون أن يمضيا إلى فرعون و يدعواه إليه «قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا» أي نخشى أن يتقدم فينا بعذاب و يعجل علينا «أو أن يطغى» أي يجاوز الحد في الإساءة بنا و قيل معناه أنا نخاف أن يبادر إلى قتلنا قبل أن يتأمل حجتنا أو أن يزداد كفرا إلى كفره بردنا «قال لا تخافا إنني معكما» بالنصرة و الحفظ معناه إني ناصركما و حافظكما «أسمع» ما يسأله عنكما فألهمكما جوابه «و أرى» ما يقصدكما به فأدفعه عنكما فهو مثل قوله «فلا يصلون إليكما» ثم فسر سبحانه ما أجمله فقال «فأتياه» أي فأتيا فرعون «فقولا إنا رسولا ربك» أي أرسلنا إليك خالقك بما ندعوا إليه «فأرسل معنا بني إسرائيل» أي أطلقهم و أعتقهم عن الاستعباد «و لا تعذبهم» بالاستعمال في الأعمال الشاقة «قد جئناك بآية من ربك» أي بدلالة واضحة و معجزة لائحة من ربك تشهد لنا بالنبوة «و السلام على من اتبع الهدى» قال الزجاج لم يرد بالسلام هنا التحية و إنما معناه إن من اتبع الهدى سلم من عذاب الله و يدل عليه قوله بعده «أنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب و تولى» أي إنما يعذب الله سبحانه من كذب بما جئنا به و أعرض عنه فأما من اتبعه فإنه يسلم من العذاب و هاهنا حذف و هو فأتياه فقالا له ما أمرهما الله تعالى به ثم «قال» لهما فرعون «فمن ربكما» أي فمن ربك و ربه «يا موسى» و إنما قال ربكما على تغليب الخطاب و قيل تقديره فمن ربكما يا موسى و هارون فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر اختصارا و لتسوي رءوس الآي و أراد به فمن أي جنس من الأجناس ربكما حتى أفهمه فبين موسى أنه تعالى ليس له جنس و إنما يعرف سبحانه بأفعاله «قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه» معناه أعطى كل شيء خلقته أي صورته التي قدرها له «ثم هدى» أي هداه إلى مطعمه و مشربه و منكحه و غير ذلك من ضروب هدايته عن مجاهد و عطية و مقاتل و قيل معناه أعطى كل شيء مثل خلقه أي زوجة من جنسه ثم هداه لنكاحه عن ابن عباس

و السدي و قيل معناه أعطى خلقه كل شيء من النعم في الدنيا مما يأكلون و يشربون و ينتفعون به ثم هداهم إلى طرق معايشهم و إلى أمور دينهم ليتوصلوا بها إلى نعم الآخرة عن الجبائي «قال» فرعون «فما بال القرون الأولى» أي فما حال الأمم الماضية فإنها لم تقر بالله و ما تدعو إليه بل عبدت الأوثان و يعني بالقرون الأولى مثل قوم نوح و عاد و ثمود ف «قال» موسى «علمها عند ربي» أي أعمالهم محفوظة عند الله يجازيهم بها و التقدير علم أعمالهم لها عند ربي «في كتاب» يعني اللوح المحفوظ و المعنى أن أعمالهم مكتوبة مثبتة عليهم و قيل المراد بالكتاب ما يكتبه الملائكة و قيل أيضا أن فرعون إنما قال فما بال القرون الأولى حين دعاه موسى إلى الإقرار بالبعث أي فما بالهم لم يبعثوا «لا يضل ربي» أي لا يذهب عليه شيء و قيل معناه لا يخطىء ربي «و لا ينسى» من النسيان عن أبي مسلم أي لا ينسى ما كان من أمرهم بل يجازيهم بأعمالهم و قيل معناه لا يغفل و لا يترك شيئا عن السدي ثم زاد في الأخبار عن الله تعالى فقال «الذي جعل لكم الأرض مهدا» أي فرشا و مهادا أي فراشا «و سلك لكم فيها سبلا» و السلك إدخال الشيء في الشيء و المعنى أدخل لكم أي لأجلكم في الأرض طرقا تسلكونها و قال ابن عباس سهل لكم فيها طرقا «و أنزل من السماء ماء» يعني المطر و تم الإخبار عن موسى ثم أخبر الله سبحانه عن نفسه فقال موصولا بما قبله من الكلام «فأخرجنا به» أي بذلك الماء «أزواجا» أي أصنافا «من نبات شتى» أي مختلفة الألوان أحمر و أبيض و أخضر و أصفر و كل لون منها زوج و قيل مختلفة الألوان و الطعوم و المنافع فمنها ما يصلح لطعام الإنسان و منها ما يصلح للتفكه و منها ما يصلح لغير الإنسان من أصناف الحيوان «كلوا» أي مما أخرجنا لكم بالمطر من النبات و الثمار «و ارعوا أنعامكم» أي و أسيموا مواشيكم فيما أنبتناه بالمطر و اللفظ للأمر و المراد الإباحة و التذكير بالنعمة «إن في ذلك» أي فيما ذكر «لآيات» أي دلالات «لأولي النهى» أي لذوي العقول الذين ينتهون عما حرم الله عليهم عن الضحاك و قيل لذوي الورع عن قتادة و قيل لذوي التقى عن ابن عباس «منها خلقناكم» أي من الأرض خلقنا أباكم آدم (عليه السلام) «و فيها نعيدكم» أي و في الأرض نعيدكم إذا أمتناكم «و منها نخرجكم تارة أخرى» أي دفعة أخرى إذا حشرناكم «و لقد أريناه» يعني فرعون «آياتنا كلها» يعني الآيات التسع أي معجزاتنا الدالة على نبوة موسى «فكذب» بجميع ذلك «و أبى» أن يؤمن به و قيل معناه فجحد الدليل و أبى القبول و لم يرد سبحانه بذلك جميع آياته التي يقدر عليها و لا كل آية خلقها و إنما أراد كل الآيات التي أعطاها موسى.

النظم

و وجه اتصال قوله فما بال القرون الأولى بما قبله من الدعاء إلى

التوحيد أن فرعون لما ظهرت المعجزات و دلائل التوحيد على يد موسى تحير و خاف الفضيحة فأقبل على نوع آخر من السؤال تلبيسا و كثيرا ما يفعل ذلك أهل البدع عند ظهور الحجة و قيل لما دعاه موسى إلى الإقرار بالبعث قال فما بال أولئك القرون لم يبعثوا.