۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة مريم، آية ٢٣

التفسير يعرض الآيات ٢١ إلى ٣٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٞۖ وَلِنَجۡعَلَهُۥٓ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِ وَرَحۡمَةٗ مِّنَّاۚ وَكَانَ أَمۡرٗا مَّقۡضِيّٗا ٢١ ۞ فَحَمَلَتۡهُ فَٱنتَبَذَتۡ بِهِۦ مَكَانٗا قَصِيّٗا ٢٢ فَأَجَآءَهَا ٱلۡمَخَاضُ إِلَىٰ جِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ قَالَتۡ يَٰلَيۡتَنِي مِتُّ قَبۡلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسۡيٗا مَّنسِيّٗا ٢٣ فَنَادَىٰهَا مِن تَحۡتِهَآ أَلَّا تَحۡزَنِي قَدۡ جَعَلَ رَبُّكِ تَحۡتَكِ سَرِيّٗا ٢٤ وَهُزِّيٓ إِلَيۡكِ بِجِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ تُسَٰقِطۡ عَلَيۡكِ رُطَبٗا جَنِيّٗا ٢٥ فَكُلِي وَٱشۡرَبِي وَقَرِّي عَيۡنٗاۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلۡبَشَرِ أَحَدٗا فَقُولِيٓ إِنِّي نَذَرۡتُ لِلرَّحۡمَٰنِ صَوۡمٗا فَلَنۡ أُكَلِّمَ ٱلۡيَوۡمَ إِنسِيّٗا ٢٦ فَأَتَتۡ بِهِۦ قَوۡمَهَا تَحۡمِلُهُۥۖ قَالُواْ يَٰمَرۡيَمُ لَقَدۡ جِئۡتِ شَيۡـٔٗا فَرِيّٗا ٢٧ يَٰٓأُخۡتَ هَٰرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمۡرَأَ سَوۡءٖ وَمَا كَانَتۡ أُمُّكِ بَغِيّٗا ٢٨ فَأَشَارَتۡ إِلَيۡهِۖ قَالُواْ كَيۡفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلۡمَهۡدِ صَبِيّٗا ٢٩ قَالَ إِنِّي عَبۡدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِيَ ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلَنِي نَبِيّٗا ٣٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلىَّ هَينٌ وَ لِنَجْعَلَهُ ءَايَةً لِّلنَّاسِ وَ رَحْمَةً مِّنَّا وَ كانَ أَمْراً مَّقْضِيًّا(21) فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَت بِهِ مَكاناً قَصِيًّا(22) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاض إِلى جِذْع النَّخْلَةِ قَالَت يَلَيْتَنى مِت قَبْلَ هَذَا وَ كنت نَسياً مَّنسِيًّا(23) فَنَادَاتَ‏ا مِن تحْتهَا أَلا تحْزَنى قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تحْتَكِ سرِيًّا(24) وَ هُزِّى إِلَيْكِ بجِذْع النَّخْلَةِ تُسقِط عَلَيْكِ رُطباً جَنِيًّا(25) فَكلِى وَ اشرَبى وَ قَرِّى عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشرِ أَحَداً فَقُولى إِنى نَذَرْت لِلرَّحْمَنِ صوْماً فَلَنْ أُكلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا(26) فَأَتَت بِهِ قَوْمَهَا تحْمِلُهُ قَالُوا يَمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شيْئاً فَرِيًّا(27) يَأُخْت هَرُونَ مَا كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سوْءٍ وَ مَا كانَت أُمُّكِ بَغِيًّا(28) فَأَشارَت إِلَيْهِ قَالُوا كَيْف نُكلِّمُ مَن كانَ فى الْمَهْدِ صبِيًّا(29) قَالَ إِنى عَبْدُ اللَّهِ ءَاتَاتَ الْكِتَب وَ جَعَلَنى نَبِيًّا(30)

القراءة

قرأ حمزة و حفص « نسيا » بفتح النون و الباقون نسيا بكسر النون و قرأ « من تحتها » بكسر الميم أهل المدينة و الكوفة غير أبي بكر و سهل فالباقون من تحتها و قرأ حفص عن عاصم « تساقط » بضم التاء و كسر القاف و قرأ حماد عن عاصم و بصير عن الكسائي و يعقوب و سهل يساقط بالياء و تشديد السين و قراءة حمزة تساقط بفتح التاء و تخفيف السين و الباقون تساقط بفتح التاء و تشديد السين و في الشواذ قراءة مسروق يساقط بضم الياء و تخفيف السين و قرأ طلحة بن سليمان رطبا جنيا بكسر الجيم فإما ترين بسكون الياء و التخفيف.

الحجة

قال أبو علي: قال أبو الحسن: النسي هو الشي‏ء الحقير ينسى نحو النعل و السوط و قال غيره النسي أغفل ما من شي‏ء حقير و قال بعضهم ما إذا ذكر لم يطلب و قالوا الكسر على اللغتين قال الشنفري:

{كان لها في الأرض نسيا تقصه --- على أمها و إن تخاطبك تبلت}

و قال في قوله « من تحتها » أنه جبرائيل أو عيسى و قال بعض أهل التأويل لا يكون إلا عيسى (عليه السلام) و لا يكون جبرائيل لأنه لو كان جبرائيل لناداها من فوقها و قد يجوز أن يكون جبرائيل و ليس قوله « من تحتها » يراد به الجهة السفلى و إنما المراد من دونها بدلالة قوله « قد جعل ربك تحتك سريا » و لم يكن النهر محاذيا لهذه الجهة و لكن المعنى جعله دونك و قد يقال فلان تحتنا أي دوننا في الموضع و الأشبه أن يكون المنادي لها عيسى فإنه أشد إزالة لما خامر قلبها من الاغتمام و إذا قال من تحتها كان عاما وضع موضع الخاص و المراد به عيسى قال و الوجوه كلها كما في تساقط متفقة في المعنى إلا قراءة حفص أ لا ترى أن من قرأ تساقط إنما هي تتساقط فحذف التاء التي يدغمها غيره و كلهم جعل فاعل الفعل الذي هو تساقط أو تساقط في رواية حفص النخلة و يجوز أن يكون فاعل تساقط أو تساقط هي جذع النخلة إلا أنه لما حذف المضاف أسند الفعل إلى النخلة في اللفظ فأما تعديتهم تسقط فهو تفاعل لأن تفاعل مطاوع فاعل فكما عدي نحو تفعل في نحو تجرعته و تمززته فكذلك عدي تفاعل فمما جاء من ذلك في الشعر قول أوفى بن مطر:

{تخاطأت النبل أحشاءه --- و أخر يومي فلم يعجل}

و قول الآخر:

{تطالعنا خيالات لسلمى --- كما يتطالع الدين الغرم}

و قول امرى‏ء القيس:

{و مثلك بيضاء العوارض طفلة --- لعوب تناساني إذا قمت سربالي}

أراد تنسيني و من قرأ بالياء أمكن أن يكون فاعله الهز لأن قوله « هزي » قد دل عليه فإذا كان كذلك جاز أن يضمره كما أضمر الكذب في قوله (من كذب كان شرا له) و يمكن أن يكون الجذع و يجوز في الفعل إذا أسند إلى الجذع وجهان (أحدهما) إن الفعل أضيف إلى الجذع كما أضيف إلى النخلة برمتها لأن الجذع معظمها (و الآخر) أن يكون الجذع منفردا عن النخلة يسقط عليها و يكون سقوط الرطب من الجذع آية لعيسى (عليه السلام) و يصير سقوط الرطب من الجذع أسكن لنفسها و أشد إزالة لاهتمامها و سقوط الرطب من الجذع منفردا

من النخل مثل رزقها الذي كان يأتيها المحراب في قوله تعالى « كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا » إلى قوله « هو من عند الله » و قوله « رطبا » في هذه الوجوه منصوب على أنه مفعول به و يجوز في قوله « تساقط عليك » أي تساقط عليك ثمرة النخلة رطبا فحذف المضاف الذي هو الثمرة و يكون انتصاب رطب على الحال و جاز أن يضمر الثمر و إن لم يجر لها ذكر لأن ذكر النخلة يدل عليها فأما الباء في قوله « و هزي إليك بجذع النخلة » فيحتمل أمرين (أحدهما) أن يكون زيادة كقوله (ألقى بيده و ألقى يده) و قوله:

{بواد يمان ينبت الشت صدره --- و أسفله بالمرخ و الشبهان}

و نحو ذلك و يجوز أن يكون المعنى و هزي إليك بهز جذع النخلة رطبا كما قال ذو الرمة:

{و صوح البقل ناآج تجي‏ء به --- هيف يمانية في مرها نكب}

أي تجي‏ء بمجيئه هيف يعني إذا جاء النئاج جاء الهيف و كذلك إذا هزت الجذع هزت بهزه رطبا أي فإذا هززت الرطب سقط و أما قراءة مسروق يساقط فإنه بمعنى يسقط شيئا بعد شي‏ء و أنشد ابن جني قول ضابى‏ء البرجمي:

{يساقط عنه روقه ضارباتها --- سقاط حديد القين أخول}

أخولا أي يسقط قرن هذا الثور ضاريات كلاب الصيد لطعنه إياها به شيئا بعد شي‏ء و أما قراءة طلحة رطبا جنيا فإنه أتبع كسرة الجيم كسرة النون قال ابن جني: شبه النون و إن لم يكن من حروف الحلق بهن في نحو الشخير و النخير و الرغيف و أما ترين فهي شاذ لكنه جاء في لغة إثبات النون في الجزم و أنشد أبو الحسن:

{لو لا فوارس من قيس و أسرتهم --- يوم الصليفاء لم يوفون بالجار}

اللغة

القصي البعيد و القاصي خلاف الداني و قوله « فأجاءها » أي جاء بها المخاض و هو مما يعدى تارة بالباء و تارة بهمزة النقل قال زهير:

{و جار سار معتمدا علينا --- أجاءته المخاوف و الرجاء}

أي جاءت به و يروي جاء قال الكسائي: تميم تقول ما أجاءك إلى هذا و ما أمشاك إليه و من أمثالهم شر أجاءك إلى مخة عرقوب و تميم تقول أمشاك و لسري النهر لأنه يسري بجريانه قال لبيد:

{فتوسطا عرض السري فصدعا --- مسجورة متجاورا قلامها}

و يقال قررت به عينا أقر قرورا فهي لغة قريش و أهل نجد يقولون قررت به بفتح العين أقر قرارا كما يقولون قررت بالمكان بالفتح و الجني بمعنى المجني من جنيت الثمرة و أجنيتها إذا قطعتها و قال ابن أخت جذيمة:

{هذا جناي و خياره فيه --- إذ كل جان يده إلى فيه}

و في معناه قول الكميت يمدح أهل البيت (عليهم السلام):

{خيارها يجتنون فيه إذ الجانون --- في ذي أكفهم أربوا}

قال أبو مسلم: الفري مأخوذ من فري الأديم إذا قطعه على وجه الإصلاح ثم يستعمل في الكذب و قال الزجاج: يقال فلان يفري الفري إذا كان يعمل عملا يبالغ فيه قال الراجز:

{قد كنت تفرين به الفريا}

الإعراب

« عينا » منصوب على التمييز « فإما ترين » أصله ترأين إلا إن الاستعمال بغير همز و الياء فيه ضمير المؤنث و إنما حركت لالتقاء الساكنين و هما الياء و النون الأولى من المشددة كما تقول للمرأة أرضين زيدا و قوله « من كان في المهد صبيا » كان هنا بمعنى الحدوث و الوقوع و التقدير كيف نكلم من وجد في المهد صبيا نصب على الحال من كان و مثل كان

هاهنا قوله و إن كان ذو عسرة و مثله قول الربيع:

{إذا كان الشتاء فادفؤني --- فإن الشيخ يهدمه الشتاء}

و يجوز أن يكون كان هنا مزيدة كما في قول الشاعر:

{جياد بني أبي بكر تسامى --- على كان المسومة العراب}

فعلى هذا يكون العامل في الحال نكلم قال الزجاج: الأجود أن يكون من في معنى الشرط و الجزاء فيكون المعنى من يكن في المهد صبيا فكيف نكلمه و يكون صبيا حالا كما تقول من كان لا يسمع و لا يعقل فكيف أخاطبه.

###

المعنى

« قال كذلك » أي قال لها جبرائيل حين سمع تعجبها من هذه البشارة الأمر كذلك أي كما وصفت لك « قال ربك هو علي هين » أي إحداث الولد من غير زوج للمرأة سهل متأت لا يشق علي « و لنجعله آية للناس » معناه و لنجعله علامة ظاهرة و آية باهرة للناس على نبوته و دلالة على براءة أمه « و رحمة منا » له و لنجعله نعمة منا على الخلق يهتدون بسببه « و كان أمرا مقضيا » أي و كان خلق عيسى من غير ذكر أمرا كائنا مفروغا عنه محتوما قضى الله سبحانه بأن يكون و حكم به « فحملته » أي فحملت مريم بعيسى فحبلت في الحال قيل إن جبرائيل أخذ ردن قميصها بإصبعه فنفخ فيه فحملت مريم من ساعتها و وجدت حس الحمل و قيل نفخ في كمها فحملت عن ابن جريج و روي عن الباقر (عليه السلام) إنه تناول جيب مدرعتها فنفخ فيه نفخة فكمل الولد في الرحم من ساعته كما يكمل الولد في أرحام النساء تسعة أشهر فخرجت من المستحم و هي حامل محج مثقل فنظرت إليها خالتها فأنكرتها و مضت مريم على وجهها مستحية من خالتها و من زكريا « فانتبذت به مكانا قصيا » أي تنحت بالحمل إلى مكان بعيد و قيل معناه انفردت به مكانا بعيدا من قومها حياء من أهلها و خوفا من أن يتهموها بسوء و اختلفوا في مدة حملها فقيل ساعة واحدة قال ابن عباس: لم يكن بين الانتباذ و الحمل إلا ساعة واحدة لأنه تعالى لم يذكر بينهما فصلا لأنه قال « فحملته فانتبذت به » « فأجاءها » و الفاء للتعقيب و قيل حملت به في ساعة و صور في ساعة و وضعته في ساعة حين زاغت الشمس من يومها و هي بنت عشر سنين عن مقاتل و قيل كانت مدة حملها تسع ساعات

و هذا مروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) و قيل ستة أشهر و قيل ثمانية أشهر و كان ذلك آية و ذلك أنه لم يعش مولود وضع لثمانية أشهر غيره « فأجاءها المخاض » أي ألجأها الطلق أي وجع الولادة « إلى جذع النخلة » فالتجأت إليها لتستند إليها عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و السدي و قيل أجاءها أي جاء بها قال ابن عباس: نظرت مريم إلى أكمة فصعدت مسرعة إليها فإذا عليها جذع نخلة نخرة ليس لها سعف و الجذع ساق النخلة و الألف و اللام دخلت للعهد لا للجنس أي النخلة المعروفة فلما ولدت « قالت يا ليتني مت قبل هذا و كنت نسيا منسيا » أي شيئا حقيرا متروكا عن ابن عباس و قيل شيئا لا يذكر و لا يعرف عن قتادة و قيل حيضة ملقاة عن عكرمة و الضحاك و مجاهد قال ابن عباس: فسمع جبرائيل كلامها و عرف جزعها « فناداها من تحتها » و كان أسفل منها تحت أكمة « ألا تحزني » و هو قول السدي و قتادة و الضحاك أن المنادي جبرائيل ناداها من سفح الجبل و قيل ناداها عيسى عن مجاهد و الحسن و وهب و سعيد بن جبير و ابن زيد و ابن جرير و الجبائي و إنما تمنت (عليهاالسلام) الموت كراهية لأن يعصي الله فيها و قيل استحياء من الناس أن يظنوا بها سوءا عن السدي و روي عن الصادق (عليه السلام) لأنها لم تر في قومها رشيدا ذا فراسة ينزهها من السوء « قد جعل ربك تحتك سريا » أي ناداها جبرائيل أو عيسى ليزول ما عندها من الغم و الجزع لا تغتمي قد جعل ربك تحت قدميك نهرا تشربين منه و تتطهرين من النفاس عن ابن عباس و مجاهد و سعيد بن جبير قالوا و كان نهرا قد انقطع الماء عنه فأرسل الله الماء فيه لمريم و أحيا ذلك الجذع حتى أثمر و أورق و قيل ضرب جبرائيل (عليه السلام) برجله فظهر ماء عذب و قيل بل ضرب عيسى برجله فظهرت عين ماء تجري و هو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) و قيل السري عيسى (عليه السلام) عن الحسن و ابن زيد و الجبائي و السري و هو الشريف الرفيع قال الحسن كان و الله عبدا سريا « و هزي إليك بجذع النخلة » معناه اجذبي إليك بجذع النخلة و الباء مزيدة و قال الفراء: العرب تقول هزه و هز به « تساقط عليك رطبا جنيا » مر معناه و قال الباقر (عليه السلام) لم تستشف النفساء بمثل الرطب إن الله أطعمه مريم في نفاسها و قالوا إن الجذع كان يابسا لا ثمر عليه إذ لو كان عليه ثمر لهزته من غير أن تؤمر به و كان في الشتاء فصار معجزة بخروج الرطب في غير أوانه و بخروجه دفعة واحدة فإن العادة أن يكون نورا أولا ثم يصير بلحا ثم بسرا و روي أنه لم يكن للجذع رأس فضربته برجلها فأورقت و أثمرت و انتثر عليها الرطب جنيا و الشجرة التي لا رأس لها لا تثمر في العادة و قيل إن تلك النخلة كانت برنية و قيل كانت عجوة و هو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) « فكلي و اشربي » أي كلي يا مريم من هذا الرطب و اشربي من هذا الماء « و قري عينا » جاء في التفسير و طيبي نفسا و قيل معناه لتقر عينك سرورا بهذا الولد الذي ترين لأن

دمعة السرور باردة و دمعة الحزن حارة و قيل معناه لتسكن عينك سكون سرور برؤيتك ما تحبين « فإما ترين من البشر أحدا » فسألك عن ولدك « فقولي إني نذرت للرحمن صوما » أي صمتا عن ابن عباس و المعنى أوجبت على نفسي لله أن لا أتكلم و قيل صوما أي إمساكا عن الطعام و الشراب و الكلام عن قتادة و إنما أمرت بالصمت ليكفيها الكلام ولدها بما يبري‏ء به ساحتها عن ابن مسعود و ابن زيد و وهب و قيل كان في بني إسرائيل من أراد أن يجتهد صام عن الكلام كما يصوم عن الطعام فلا يتكلم الصائم حتى يمسي يدل على هذا قوله « فلن أكلم اليوم إنسيا » أي إني صائم فلن أكلم اليوم أحدا و كان قد أذن لها أن تتكلم بهذا القدر ثم تسكت و لا تتكلم بشي‏ء آخر عن السدي و قيل كان الله تعالى أمرها بأن تنذر لله الصمت و إذا كلمها أحد تومى‏ء بأنها نذرت لله صمتا لأنه لا يجوز أن يأمرها بأن تخبر بأنها نذرت و لم تنذر لأن ذلك كذب عن أبي علي الجبائي « فأتت به قومها تحمله » أي فأتت مريم بعيسى حاملة له و ذلك أنها لفته في خرقة و حملته إلى قومها « قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا » أي أمرا عظيما بديعا إذ لم تلد أنثى قبلك من غير رجل عن مجاهد و قتادة و السدي و قيل أمرا قبيحا منكرا من الافتراء و هو الكذب عن الجبائي « يا أخت هارون » قيل فيه أقوال (أحدها) أن هارون هذا كان رجلا صالحا في بني إسرائيل ينسب إليه كل من عرف بالصلاح عن ابن عباس و قتادة و كعب و ابن زيد و المغيرة بن شعبة يرفعه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و قيل إنه لما مات شيع جنازته أربعون ألفا كلهم يسمى هارون فقولهم يا أخت هارون معناه يا شبيهة هارون في الصلاح ما كان هذا معروفا منك (و ثانيها) أن هارون كان أخاها لأبيها ليس من أمها و كان معروفا بحسن الطريقة عن الكلبي (و ثالثها) أن هارون أخو موسى (عليه السلام) فنسبت إليه لأنها من ولده كما يقال يا أخا تميم عن السدي (و رابعها) أنه كان رجلا فاسقا مشهورا بالعهر و الفساد فنسبت إليه و قيل لها يا شبيهته في قبح فعله عن سعيد بن جبير « ما كان أبوك امرأ سوء و ما كانت أمك بغيا » أي كان أبواك صالحين فمن أين جئت بهذا الولد « فأشارت إليه » أي فأومت إلى عيسى (عليه السلام) بأن كلموه و استشهدوه على براءة ساحتي فتعجبوا من ذلك ثم « قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا » معناه كيف نكلم صبيا في المهد و قيل صبيا في الحجر رضيعا و كان المهد حجر أمه الذي تربيه فيه إذ لم تكن هيأت له مهدا عن قتادة و قيل إنهم غضبوا عند إشارتها إليه و قالوا لسخريتها بنا أشد علينا من زناها فلما تكلم عيسى (عليه السلام) قالوا إن هذا الأمر عظيم عن السدي « قال » عيسى (عليه السلام) « إني عبد الله » قدم إقراره بالعبودية ليبطل به قول من يدعي له الربوبية و كان الله سبحانه أنطقه بذلك لعلمه بما يقوله الغالون فيه ثم قال « آتاني الكتاب و جعلني نبيا » أي حكم لي بإتيان الكتاب و النبوة و قيل إن الله تعالى أكمل عقله في صغره و أرسله إلى عباده و كان نبيا مبعوثا إلى الناس في ذلك الوقت مكلفا عاقلا و لذلك كانت له

تلك المعجزة عن الحسن و الجبائي و قيل إنه كلمهم و هو ابن أربعين يوما عن وهب و قيل يوم ولد عن ابن عباس و أكثر المفسرين هو الظاهر و قيل إن معناه أني عبد الله سيؤتيني الكتاب و سيجعلني نبيا و كان ذلك معجزة لمريم (عليهاالسلام) على براءة ساحتها.