وَ يَسئَلُونَك عَن ذِى الْقَرْنَينِ قُلْ سأَتْلُوا عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكراً(83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فى الأَرْضِ وَ ءَاتَيْنَهُ مِن كلِّ شىْءٍ سبَباً(84) فَأَتْبَعَ سبَباً(85) حَتى إِذَا بَلَغَ مَغْرِب الشمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُب فى عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَ وَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا يَذَا الْقَرْنَينِ إِمَّا أَن تُعَذِّب وَ إِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسناً(86) قَالَ أَمَّا مَن ظلَمَ فَسوْف نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً(87)
القراءة
قرأ ابن عامر و أهل الكوفة « فأتبع » ثم أتبع بهمزة القطع و فتحها و تخفيف التاء و سكونها و الباقون فاتبع بهمزة الوصل و تشديد التاء و فتحها و قرأ أبو جعفر و ابن عامر و أهل الكوفة غير حفص حامية و الباقون « حمئة » بغير ألف مهموز.
الحجة
قال أبو علي: تبع فعل يتعدى إلى مفعول واحد فإذا نقلته بالهمزة تعدى إلى مفعولين يدلك على ذلك قوله و أتبعناهم في هذه الدنيا لعنة و أما اتبع فإنه افتعل يتعدى إلى مفعول واحد كما يتعدى فعل إليه مثل حفرته و احتفرته و شويته و اشتويته و من قرأ « فأتبع سببا » تقديره فأتبع سببا سببا أو أتبع أمره سببا أو أتبع ما هو عليه سببا فحذف أحد المفعولين كما حذف في قوله لينذر بأسا شديدا و لا يكادون يفقهون قولا و المعنى لينذر الناس بأسا شديدا و لا يكادون يفقهون أحدا قولا و من قرأ فاتبع سببا فالمعنى اتجه في كل وجه وجهناه له و أمرناه به السبب الذي ينال به صلاح ما مكن منه و قال أبو عبيدة: معناه اتبع طريقا و أثرا و من قرأ « حمئة » فعلى فعلة و من قرأ حامية فهي فاعلة من حيث تحمي فهي حامية و روي عن الحسن أنه قال: حارة و يجوز فيمن قرأ حامية أن يكون فاعلة من الحماة فخفف الهمزة على قياس قول أبي الحسن فيقلبها ياء محضة و إن خففها على قول الخليل كانت بين بين قال سيبويه: و هو قول العرب.
اللغة
القرن قرن الشاة و غيرها و قرون الشعر الذوائب و منه قول أبي سفيان:
و لا الروم ذوات القرون أراد قرون شعورهم لأنهم كانوا يطولونه و الذكر حضور المعنى للنفس و قد يكون بالقلب و هو التفكر و قد يكون باللسان و كل ما وصل شيئا إلى شيء فهو سبب يقال للطريق إلى الشيء سبب و للحبل سبب و للباب سبب و الحمأة الطين الأسود يقال حمئت البئر تحمأ فهي حمئة إذا صار فيها الحمأة قال أبو الأسود:
{تجيء بملئها طورا و طورا --- تجيء بحماة و قليل ماء}
و حمأت البئر أخرجت منه الحمأة و أحمأتها ألقيت فيها الحمأة.
الإعراب
« إما أن تعذب و إما أن تتخذ فيهم حسنا » أن مع الفعل في موضع نصب بفعل مضمر كما أن قوله فإما منا بعد و إما فداء كذلك و يجوز أن يكون أن مع الفعل في موضع المبتدأ و الخبر مضمر أي إما العذاب واقع منك فيهم و إما اتخاذ أمر ذي حسن واقع منك فيهم فحذف الخبر لطول الكلام بالصلة و هذا أظهر و الأول عن أحمد بن يحيى.
المعنى
ثم بين سبحانه قصة ذي القرنين فقال « و يسألونك » يا محمد « عن ذي القرنين » أي عن خبره و قصته لا عن شخصه و اختلف فيه فقيل إنه نبي مبعوث فتح الله على يديه الأرض عن مجاهد و عبد الله بن عمر و قيل إنه كان ملكا عادلا و روي عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنه كان عبدا صالحا أحب الله و أحبه الله و ناصح الله و ناصحه قد أمر قومه بتقوى الله فضربوه على قرنه ضربة بالسيف فغاب عنهم ما شاء الله ثم رجع إليهم فدعاهم إلى الله فضربوه على قرنه الآخر بالسيف فذلك قرناه و فيكم مثله يعني نفسه (عليه السلام) و في سبب تسميته بذي القرنين أقوال أخر (منها) أنه سمي به لأنه كانت له ضفيرتان عن الحسن (و منها) أنه كان على رأسه شبه القرنين تواريه العمامة عن يعلى بن عبيد و منها أنه بلغ قطري الأرض من المشرق و المغرب فسمي بذلك لاستيلائه على قرن الشمس من مغربها و قرنها من مطلعها عن الزهري و اختاره الزجاج (و منها) أنه رأى في منامه أنه دنى من الشمس حتى أخذ بقرنيها في شرقها و غربها فقص رؤياه على قومه فسموه ذا القرنين عن وهب (و منها) أنه عاش عيش قرنين فانقرض في وقته قرنان من الناس و هو حي (و منها) أنه كان كريم الطرفين من أهل بيت الشرف من قبل أبيه و أمه قال معاذ بن جبل كان من أبناء الروم و اسمه الإسكندر و هو الذي بنى الإسكندرية « قل سأتلو عليكم منه ذكرا » معناه قل يا محمد سأقرأ عليكم منه خبرا و قصة « إنا مكنا له في الأرض » أي بسطنا يده في الأرض و ملكناه حتى استولى عليها و قام بمصالحها و روي عن علي (عليه السلام) أنه قال سخر الله له السحاب فحمله عليها و مد له في الأسباب و بسط له النور فكان الليل و النهار عليه سواء فهذا معنى تمكينه في الأرض و هو أنه سهل عليه المسير فيها و ذلل له طريقها و حزونها حتى تمكن منها أنى شاء « و آتيناه من كل شيء سببا » أي فأعطيناه من كل شيء علما يتسبب به إلى إرادته و يبلغ به إلى حاجته عن ابن عباس و قتادة و الضحاك و قيل معناه و آتيناه من كل شيء يستعين به الملوك على فتح البلاد و محاربة الأعداء عن الجبائي و قيل معناه و آتيناه من كل شيء سبيلا كما قال سبحانه لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات أي سبلها « فاتبع سببا » معناه فاتبع طريقا واحدا في سلوكه قال الزجاج: معناه فاتبع سببا من الأسباب التي أوتي بها و ذلك أنه أوتي من كل شيء سببا فاتبع من تلك الأسباب التي أوتي سببا في المسير إلى المغرب و من قرأ فأتبع سببا فمعناه
لحق كقوله فأتبعه الشيطان و الأصل فيه ما مر ذكره في الحجة « حتى إذا بلغ مغرب الشمس » أي موضع غروبها أنه انتهى إلى آخر العمارة من جانب المغرب و بلغ قوما لم يكن وراءهم أحد إلى موضع غروب الشمس و لم يرد بذلك أنه بلغ إلى موضع الغروب لأنه لا يصل إليه أحد « وجدها تغرب » معناه وجدها كأنها تغرب « في عين حمئة » و إن كانت تغرب في ورائها عن الجبائي و ابن مسلم و البلخي لأن الشمس لا تزايل الفلك و لا تدخل عين الماء و لأنه قال « وجد عندها قوما » و لكن لما بلغ ذو القرنين ذلك الموضع تراءى له كان الشمس تغرب في عين كما أن من كان في البحر رآها كأنها تغرب في الماء و من كان في البر يراها كأنها تغرب في الأرض الملساء و العين الحمئة هي ذات الحمأة و هي الطين الأسود المنتن و الحامية الحارة و عن كعب قال: أجدها في التوراة تغرب في ماء و طين و قوله « و وجد عندها قوما » معناه و وجد عند العين ناسا « قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب و إما أن تتخذ فيهم حسنا » في هذا دلالة على أن القوم كانوا كفارا و المعنى إما أن تعذب بالقتل من أقام منهم على الشرك و إما أن تأسرهم و تمسكهم بعد الأمر لتعلمهم الهدى و تستنقذهم من العمى و قيل معناه و إما أن تعفو عنهم و استدل من ذهب إلى أن ذا القرنين كان نبيا بهذا قال لأن أمر الله تعالى لا يعلم إلا بالوحي و الوحي لا يجوز إلا على الأنبياء و قال الكلبي: إن الله تعالى ألهمه و لم يوح إليه و قال ابن الأنباري: إن كان ذو القرنين نبيا فإن الله تعالى قال له كما يقول للأنبياء إما بتكليم أو بوحي و إن لم يكن نبيا فإن معنى قلنا ألهمنا لأن الإلهام ينوب عن الوحي قال سبحانه و أوحينا إلى أم موسى أي و ألهمناها قال قتادة فقضى ذو القرنين فيهم بقضاء الله تعالى و كان عالما بالسياسة « قال أما من ظلم » أي أشرك عن ابن عباس « فسوف نعذبه » أي نقتله إذا لم يرجع عن الشرك « ثم يرد إلى ربه » بعد قتلي إياه « فيعذبه عذابا نكرا » أي منكرا غير معهود يعني في النار و هو أشد من القتل في الدنيا.