۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الكهف، آية ٥٨

التفسير يعرض الآيات ٥٧ إلى ٥٩

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ فَأَعۡرَضَ عَنۡهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتۡ يَدَاهُۚ إِنَّا جَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۖ وَإِن تَدۡعُهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ فَلَن يَهۡتَدُوٓاْ إِذًا أَبَدٗا ٥٧ وَرَبُّكَ ٱلۡغَفُورُ ذُو ٱلرَّحۡمَةِۖ لَوۡ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلۡعَذَابَۚ بَل لَّهُم مَّوۡعِدٞ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِۦ مَوۡئِلٗا ٥٨ وَتِلۡكَ ٱلۡقُرَىٰٓ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلۡنَا لِمَهۡلِكِهِم مَّوۡعِدٗا ٥٩

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ مَنْ أَظلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِئَايَتِ رَبِّهِ فَأَعْرَض عَنهَا وَ نَسىَ مَا قَدَّمَت يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَ فى ءَاذَانهِمْ وَقْراً وَ إِن تَدْعُهُمْ إِلى الْهُدَى فَلَن يهْتَدُوا إِذاً أَبَداً(57) وَ رَبُّك الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كسبُوا لَعَجَّلَ لهَُمُ الْعَذَاب بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئلاً(58) وَ تِلْك الْقُرَى أَهْلَكْنَهُمْ لَمَّا ظلَمُوا وَ جَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً(59)

القراءة

قرأ حفص عن عاصم « لمهلكهم » بفتح الميم و كسر اللام و كذلك في النمل و ما شهدنا مهلك و قرأ حماد و يحيى عن أبي بكر بفتح الميم و اللام و قرأ الأعشى و البرجمي عنه هاهنا بالضم و هناك بالفتح و قرأ الباقون لمهلكهم و مهلك بضم الميم و فتح اللام.

الحجة

من قرأ لمهلكهم فإن المهلك يجوز أن يكون مصدرا و يجوز أن يكون وقتا فيكون معناه لإهلاكهم أو لوقت إهلاكهم و من قرأ « لمهلكهم » فالمراد لوقت هلاكهم و من قرأ بفتح الميم و اللام فهو مصدر مثل الهلاك و قد حكي أن تميما يقول هلكني زيد و على هذا حمل بعضهم قوله:

و مهمة هالك من تعرجا فقال هو بمعنى مهلك فيكون هالك مضافا إلى المفعول به و إذا لم يكن بمعنى مهلك يكون هالك مضافا إلى الفاعل مثل حسن الوجه و كذلك قوله « لمهلكهم » على قراءة حفص أو لمهلكهم بفتح اللام و الميم فإنه مصدر فعلى قول من عدى هلكت يكون مضافا إلى المفعول به و على قول من لم يعده يكون مضافا إلى الفاعل.

الإعراب

« تلك القرى » تلك رفع بالابتداء و القرى صفة لها مبينة لها و « أهلكناهم » في موضع رفع بأنه خبر المبتدأ و يجوز أن يكون موضع تلك القرى نصبا بفعل مضمر يكون أهلكناهم مفسرا لذلك الفعل و تقديره و أهلكنا تلك القرى أهلكناهم.

المعنى

ثم قال سبحانه « و من أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها » معناه ليس أحد أظلم لنفسه ممن ذكر أي وعظ بالقرآن و آياته و نبه على أدلة التوحيد فأعرض عنها جانبا « و نسي ما قدمت يداه » أي نسي المعاصي التي استحق بها العقاب و قيل معناه تذكر و اشتغل عنه استخفافا به و قلة معرفة بعاقبته لأنه نسي ذلك ثم قال سبحانه « إنا جعلنا على قلوبهم

أكنة » و هي جمع كنان « أن يفقهوه » أي كراهة أن يفقهوه أو لئلا يفقهوه « و في آذانهم وقرا » أي ثقلا و قد تقدم بيان هذا فيما مضى و جملته أنه على التمثيل كما قال في موضع آخر و إذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كان في أذنيه وقرا فالمعنى كان على قلوبهم أكنة أن يفقه و في آذانهم وقرا أن يسمع « و إن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا » أخبر سبحانه أنهم لا يؤمنون أبدا و قد خرج مخبره موافقا لخبره فماتوا على كفرهم « و ربك الغفور ذو الرحمة » معناه و ربك الساتر على عباده الغافر لذنوب المؤمنين ذو النعمة و الإفضال على خلقه و قيل الغفور التائب ذو الرحمة للمصر بأن يمهل و لا يعجل و قيل الغفور لا يؤاخذهم عاجلا ذو الرحمة يؤخرهم ليتوبوا « لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب » في الدنيا « بل لهم موعد » و هو يوم القيامة و البعث « لن يجدوا من دونه موئلا » أي ملجأ عن ابن عباس و قتادة و قيل محرزا عن مجاهد و قيل منجا ينجيهم عن أبي عبيد قال: يقال لا وألت نفسه أي لا نجت قال الأعشى:

{و قد أخالس رب البيت غفلته --- و قد يحاذر مني ثم لا يئل}

و قال الآخر:

{لا وألت نفسك خليتها --- للعامريين و لم تكلم}

« و تلك القرى » إشارة إلى قرى عاد و ثمود و غيرهم « أهلكناهم لما ظلموا » بتكذيب أنبياء الله و جحود آياته « و جعلنا لمهلكهم » أي و جعلنا لوقت إهلاكهم أو لوقت هلاكهم « موعدا » معلوما يهلكون فيه لمصلحة اقتضت تأخيره إليه و إنما قال سبحانه « تلك القرى » ثم قال « أهلكناهم » و لم يقل أهلكناها لأن القرية هي المسكن نحو المدينة و البلدة و هي لا تستحق الهلاك و إنما يستحق الهلاك أهلها و لذلك قال « لما ظلموا » يعني أهل القرية الذين أهلكناهم.