وَ كذَلِك أَعْثرْنَا عَلَيهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَ أَنَّ الساعَةَ لا رَيْب فِيهَا إِذْ يَتَنَزَعُونَ بَيْنهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيهِم بُنْيَناً رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيهِم مَّسجِداً(21) سيَقُولُونَ ثَلَثَةٌ رَّابِعُهُمْ كلْبُهُمْ وَ يَقُولُونَ خَمْسةٌ سادِسهُمْ كلْبهُمْ رَجْمَا بِالْغَيْبِ وَ يَقُولُونَ سبْعَةٌ وَ ثَامِنهُمْ كلْبهُمْ قُل رَّبى أَعْلَمُ بِعِدَّتهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلا مِرَاءً ظهِراً وَ لا تَستَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَداً(22) وَ لا تَقُولَنَّ لِشاىءٍ إِنى فَاعِلٌ ذَلِك غَداً(23) إِلا أَن يَشاءَ اللَّهُ وَ اذْكُر رَّبَّك إِذَا نَسِيت وَ قُلْ عَسى أَن يهْدِيَنِ رَبى لأَقْرَب مِنْ هَذَا رَشداً(24)
اللغة
عثر على الشيء يعثر عثرا إذا طلع عليه و أعثرت عليه غيري و العاثور حفرة تحفر ليصطاد به الأسد يقال للرجل إذا تورط وقع في عاثور و أصله من العثار و المراء الجدال ماريت الرجل أماريه مراء.
الإعراب
« إذ يتنازعون » يجوز أن يكون منصوبا بقوله « أعثرنا » أي اطلعنا عليهم في وقت المنازعة في أمرهم و يجوز أن يكون منصوبا بقوله « ليعلموا » و إنما دخلت الواو في قوله « و ثامنهم » و لم يدخل في الأولين لأن هاهنا عطف جملة على جملة و هناك وصف النكرة بجملة فإن التقدير هم سبعة و هم ثلاثة فثلاثة مرفوع بأنه خبر مبتدإ محذوف و « رابعهم كلبهم » وصف لثلاثة و كذلك « سادسهم كلبهم » صفة لخمسة و هذا قول علي بن عيسى قال: و فرق ما بينهم أن السبعة أصل للمبالغة في العدد لأن جلائل الأمور سبعة سبعة و أقول قد وجدت لأبي علي الفارسي في هذا كلاما طويلا سألخصه لك و أهذبه فضل تهذيب قال: إن الجملتين الملتبسة إحداهما بالأخرى و هي أن تكون غير أجنبية منها على ضربين (أحدهما) أن تعطف بحرف العطف و الآخر أن توصل بها بغير حرف العطف فما يوصل بها بما قبلها بغير حرف العطف من الجملة على أربعة أضرب (أحدها) أن تكون صفة (و الآخر) أن تكون حالا (و الثالث) أن تكون تفسيرا (و الرابع) أن لا تكون على أحد هذه الأوجه الثلاثة لكن يكون في الجملة الثانية ذكر مما في الأولى أو ممن فيها فالأول نحو مررت برجل أبوه قائم و بغلام يقوم و لا وجه لإدخال حرف العطف على هذا لأن الصفة تبين الموصوف و تخصصه فلو عطفت لخرجت بالعطف من أن تكون صفة لأن العطف ليس الثاني و هو المعطوف فيه بالأول و إنما يشرك الثاني في إعراب الأول و الصفة هو الموصوف في المعنى (و أما) الثاني و هو أن تكون حالا فلا مدخل لحرف العطف عليه أيضا لأن الحال مثل الصفة في أنها تفرق بين هيأتين أو هيئات كما أن الصفة تفرق بين موصوفين أو موصوفات و هي مثل المفعول في أنها تكون بعد كلام تام فكما لا يدخل الحرف العاطف بين الصفة و الموصوف و لا بين المفعول و ما عمل فيه كذلك لا يدخل بين الحال و ذي الحال و الجمل الواقعة موقع الحال إما أن تكون من فعل و فاعل أو من مبتدإ و خبر نحو رأيت زيدا يضحك و جاء زيد أبوه منطلق قال الشاعر:
{و لو لا جنان الليل ما آب عامر --- إلى جعفر سرباله لم يمزق}
(و أما) الثالث و هي الجملة التي تكون تفسيرا لما قبلها فنحو قوله وعد الله الذين آمنوا ثم قال لهم مغفرة و أجر عظيم فالمغفرة تفسير الوعد الذي وعدوا فأما قوله تعالى هل أدلكم على تجارة تنجيكم ثم قال تؤمنون بالله فتؤمنون على لفظ الخبر و معناه الأمر بدلالة قوله يغفر لكم و حسن أن يكون الأمر على لفظ الخبر لوقوعه كالتفسير لما قبله من ذكر التجارة و حكم التفسير أن يكون خبرا فلذلك حسن كون الأمر على لفظ الخبر هنا (و أما) الرابع الذي لا يكون اتصاله على الوجوه الثلاثة و يكون في الجملة الثانية ذكر مما في الأولى فإن هذا الوجه يتصل بما قبله على وجهين (أحدهما) بحرف عطف كما يتبع الأجنبية إياها بحرف عطف و ذلك نحو زيد أبوك و أخوه عمرو فهذه قد نزلت منزلة الأجنبية من الأولى في العطف بالواو نحو قام زيد و خرج عمرو و زيد قائم و بكر خارج و الآخر أن يتبع الثانية الأولى بغير حرف عطف كقوله سبحانه إنهم كانوا قبل ذلك محسنين كانوا قليلا من الليل ما يهجعون و يقول في آية أخرى و كانوا يصرون بالواو و قوله « سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم و يقولون خمسة سادسهم كلبهم » « و يقولون سبعة و ثامنهم كلبهم » و الدليل على أن هذا نوع آخر خارج عن الأنواع الثلاثة أن قوله « و ثامنهم كلبهم » بعد الجملة المحذوف مبتدؤها لا يخلو من أن يكون حالا أو صفة أو تفسيرا أو جملة منقطعة من الأول و لا يجوز أن يكون في موضع الحال لأن ما قبلها من الكلام لا معنى فعل فيه عاملا في الحال و الحال لا بد لها من عامل فيها و لا يمكن أن يجعل المبتدأ المضمر هذا و ما أشبهه من أسماء الإشارة فينتصب الحال عنها لأن المخبر عنهم هاهنا ليسوا بمشار إليهم في وقت الإخبار و إنما المراد الإخبار عن عددهم و لو كانوا بحيث يشار إليهم لم يقع الاختلاف في عددهم و لا يجوز أن يكون تفسيرا لأن التفسير هو المفسر في المعنى و لا يجوز أن يكون شيء من جزء الجملة التي هي « رابعهم كلبهم » شيئا من جزء التي هي هم ثلاثة و لا يجوز أيضا أن يكون صفة للنكرة التي قبلها لأنه لا يخلو في الوصف من أحد أمرين إما أن يعمل اسم فاعل كما يعمل سائر أسماء الفاعلين الجارية على أفعالها فيرتفع ما بعده به و إما أن يجعل جملة في موضع وصف و لا يعمل اسم الفاعل عمل الفعل فيكون مبتدأ و خبرا و لا يجوز الأول لأنه في معنى الماضي و الماضي لا يقدر فيه الانفصال و إنما يقدر في الحاضر و الآتي لأنه كما أعرب من الأفعال المضارعة ما كان حاضرا و آتيا كذلك لم يعمل الماضي من
أسماء الفاعلين و لو لا المضي لم يمتنع إعمال قوله « رابعهم » و « سادسهم » و لا تكون أيضا الجملة صفة لثلاثة كما توصف النكرات بالجمل لأن هذه جملة مستأنفة و ليست على حد الصفة بل على حد ما بعدها من قوله « و ثامنهم كلبهم » فحذفت الواو و استغني عنها إذا كانت إنما تذكر لتدل على الاتصال و ما في الجملة من ذكر ما في الأولى كأنه يستغني به عن ذكر الواو لأن الحرف يدل على إيصاله و ما في الجملة من ذكر ما تقدمها اتصال أيضا فيستغني به و يكتفي بذلك منه و هذا فصل جامع في النحو جليل الموقع كثير الفائدة إذا تأمله المتأمل حق التأمل و أحكمه أشرف به على كثير من المسائل إن شاء الله و أما من قال إن هذه الواو واو الثمانية و استدل بقوله حتى إذا جاءوها و فتحت أبوابها لأن للجنة ثمانية أبواب فشيء لا يعرفه النحويون.
المعنى
« و كذلك أعثرنا عليهم » أي و كما أنمناهم و بعثناهم اطلعنا و أعثرنا عليهم أهل المدينة و جملة أمرهم و حالهم على ما قاله المفسرون أنهم لما هربوا من ملكهم و دخلوا الكهف أمر الملك أن يسد عليهم باب الكهف و يدعوهم كما هم في الكهف فيموتوا عطشا و جوعا و ليكن كهفهم الذي اختاروه قبرا لهم و هو يظن أنهم إيقاظ ثم إن رجلين مؤمنين كتبا شأن الفتية و أنسابهم و أسماءهم و خبرهم في لوح من رصاص و جعلاه في تابوت من نحاس و جعلا التابوت في البنيان الذي بنوا على باب الكهف و قالا لعل الله يظهر على هؤلاء الفتية قوما مؤمنين قبل يوم القيامة ليعلموا خبرهم حين يقرءون هذا الكتاب ثم انقرض أهل ذلك الزمان و خلفت بعدهم قرون و ملوك كثيرة و ملك أهل تلك البلاد رجل صالح يقال له ندليس و قيل بندوسيس عن محمد بن إسحاق و تحزب الناس في ملكه أحزابا منهم من يؤمن بالله و يعلم أن الساعة حق و منهم من يكذب فكبر ذلك على الملك الصالح و بكى إلى الله و تضرع و قال أي رب قد ترى اختلاف هؤلاء فابعث لهم آية تبين لهم بها أن البعث حق و أن الساعة حق آتية لا ريب فيها فألقى الله في نفس رجل من أهل ذلك البلد الذي فيه الكهف أن يهدم البنيان الذي على فم الكهف فيبني به حظيرة لغنمه ففعل ذلك و بعث الله الفتية من نومهم فأرسلوا أحدهم ليطلب لهم طعاما فاطلع الناس على أمرهم و بعثوا إلى الملك الصالح يعلمونه الخبر ليعجل القدوم عليهم و ينظر إلى آية من آيات الله جعلها الله في ملكه فلما بلغه الخبر حمد الله و ركب معه مدينته حتى أتوا أهل الكهف فذلك قوله « و كذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله » بالبعث و الثواب و العقاب « حق و أن الساعة لا ريب فيها » أي أن القيامة لا شك فيها فإن من قدر على أن ينيم جماعة تلك المدة المديدة أحياء ثم يوقظهم قدر أيضا على أن يميتهم ثم يحييهم بعد ذلك « إذ يتنازعون بينهم أمرهم » أي فعلنا ذلك حين تنازعوا
###
في البعث فمنهم من أنكره و منهم من قال يبعث الأرواح دون الأجسام و منهم من أثبت البعث فيهما و أضاف الأمر إليهم لتنازعهم فيه كما يقال ما صنعتم في أمركم عن عكرمة و قيل إن معناه إذ يتنازعون في قدر مكثهم في الكهف و في عددهم و فيما يفعل بهم بعد أن اطلعوا عليهم و ذلك أنه لما دخل الملك عليهم مع الناس و جعلوا يسألونهم سقطوا ميتين فقال الملك إن هذا الأمر عجيب فما ترون فاختلفوا فقال بعضهم ابنوا عليهم بنيانا كما تبنى المقابر و قال بعضهم اتخذوا مسجدا على باب الكهف و هذا التنازع كان منهم بعد العلم بموتهم عن ابن عباس « فقالوا » أي قال مشركو ذلك الوقت « ابنوا عليهم بنيانا » أي استروهم من الناس بأن تجعلوهم وراء ذلك البنيان كما يقال بنى عليه جدارا إذا حوطه و جعله وراء الجدار « ربهم أعلم بهم » معناه ربهم أعلم بحالهم فيما تنازعوا فيه و قيل إنه قال ذلك بعضهم و معناه ربهم أي خالقهم الذي أنامهم و بعثهم أعلم بحالهم و كيفية أمرهم و قيل معناه ربهم أعلم بهم أ أحياء نيام هم أم أموات فقد قيل إنهم ماتوا و قيل أنهم لا يموتون إلى يوم القيامة « قال الذين غلبوا على أمرهم » يعني الملك المؤمن و أصحابه و قيل أولياء أصحاب الكهف من المؤمنين و قيل رؤساء البلد الذين استولوا على أمرهم عن الجبائي « لنتخذن عليهم مسجدا » أي معبدا و موضعا للعبادة و السجود يتعبد الناس فيه ببركاتهم و دل ذلك على أن الغلبة كانت للمؤمنين و قيل مسجدا يصلي فيه أصحاب الكهف إذا استيقظوا عن الحسن و قد روي أيضا أن أصحاب الكهف لما دخل صاحبهم إليهم و أخبرهم بما كانوا عنه غافلين من مدة مقامهم سألوا الله تعالى أن يعيدهم إلى حالتهم الأولى فأعادهم إليها و حال بين من قصدهم و بين الوصول إليهم بأن أضلهم عن الطريق إلى الكهف الذي كانوا فيه فلم يهتدوا إليه ثم بين سبحانه تنازعهم في عددهم فقال « سيقولون » أي سيقول قوم من المختلفين في عددهم « ثلاثة » أي هم ثلاثة « رابعهم كلبهم و يقولون » أي و يقول آخرون هم « خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب » أي قذفا بالظن من غير يقين عن قتادة « و يقولون » أي و يقول آخرهم هم « سبعة و ثامنهم كلبهم » و قيل إن هذا إخبار من الله تعالى بأنه سيقع نزاع في عددهم ثم وقع ذلك لما وفد نصارى نجران إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فجرى ذكر أصحاب الكهف فقالت اليعقوبية منهم: كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم و قالت النسطورية: كانوا خمسة سادسهم كلبهم و قال المسلمون: كانوا سبعة و ثامنهم كلبهم « قل » يا محمد « ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل » من الناس عن قتادة و قيل قليل من أهل الكتاب عن عطا و قال ابن عباس أنا من ذلك القليل هم سبعة و ثامنهم كلبهم و الأظهر أن يكون عرف ذلك من جهة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و روى الضحاك عن ابن عباس أنه قال هم مكسليمنا و تمليخا و مرطولس و نينونس و سارينونس و دربونس و كشوطبونس و هو الراعي « فلا تمار فيهم » أي فلا تجادل الخائضين في عددهم و شأنهم « إلا مراء
ظاهرا » فيه وجوه (أحدها) أن معناه إلا تجادلهم إلا بما أظهرنا لك من أمرهم عن ابن عباس و قتادة و مجاهد أي لا تجادل إلا بحجة و دلالة و إخبار من الله سبحانه و هو المراء الظاهر (و ثانيها) أن المراد لا تجادلهم إلا جدالا ظاهرا و هو أن تقول لهم أثبتم عددا و خالفكم غيركم و كلا القولين يحتمل الصدق و الكذب فهلموا بحجة تشهد لكم (و ثالثها) أن المراد إلا مراء يشهده الناس و يحضرونه فلو أخبرتهم في غير ملأ من الناس لكذبوا عليك و لبسوا على الضعفة فادعوا أنهم كانوا يعرفونه لأن ذلك من غوامض علومهم « و لا تستفت فيهم منهم أحدا » معناه و لا تستخبر في أهل الكهف و في مقدار عددهم من أهل الكتاب أحدا و لا تستفتهم من جهتهم عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و المراد غيره لئلا يرجعوا في ذلك إلى مساءلة اليهود فإنه كان واثقا بخبر الله تعالى « و لا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله » قد ذكر في معناه وجوه (أحدها) أنه نهي من الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقول إني أفعل شيئا في الغد إلا أن يقيد ذلك بمشيئة الله تعالى فيقول إن شاء الله قال الأخفش و فيه إضمار القول و تقديره إلا أن تقول إن شاء الله و لما حذف تقول نقل إن شاء الله إلى لفظ الاستقبال فيكون هذا تأديبا من الله للعباد و تعليما لهم أن يعقلوا ما يخبرون به بهذه اللفظة حتى يخرج عن حد القطع فلا يلزمهم كذب أو حنث إذا لم يفعلوا ذلك لمانع و هذا معنى قول ابن عباس (و ثانيها) أن قوله « أن يشاء الله » بمعنى المصدر و تعلق بما تعلق به على ظاهره و تقديره و لا تقولن إني فاعل شيئا غدا إلا مشية الله عن الفراء و هذا وجه حسن يطابق الظاهر و لا يحتاج فيه إلى بناء الكلام على محذوف و معناه و لا تقل إني أفعل إلا ما يشاء الله و يريده و إذا كان الله تعالى لا يشاء إلا الطاعات فكأنه قال لا تقل إني أفعل إلا الطاعات و لا يطعن على هذا جواز الأخبار عما يفعل من المباحات التي لا يشاءوها الله تعالى لأن هذا النهي نهي تنزيه لا نهي تحريم بدلالة أنه لو لم يقل ذلك لم يأثم بلا خلاف (و ثالثها) أنه نهى عن أن يقول الإنسان سأفعل غدا و هو يجوز الاخترام قبل أن يفعل ما أخبر به فلا يوجد مخبره على ما أخبر به فهو كذب و لا يأمن أيضا أن لا يوجد مخبره بحدوث شيء من فعل الله تعالى نحو المرض و العجز و بأن يبدو له هو في ذلك فلا يسلم خبره من الكذب إلا بالاستثناء الذي ذكره الله تعالى فإذا قال إني صائر غدا إلى المسجد إن شاء الله أمن من أن يكون خبره هذا كذبا لأن الله تعالى إن شاء أن يلجئه إلى المصير إلى المسجد غدا حصل المصير إليه منه لا محالة فلا يكون خبره هذا كذبا و إن لم يوجد المصير منه إلى المسجد لأنه لم يوجد ما استثناه في ذلك من مشيئة الله تعالى عن الجبائي و قد ذكرنا فيما قبل ما جاء في الرواية أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سئل عن قصة أصحاب الكهف و ذي القرنين فقال أخبركم عنه غدا و لم يستثن فاحتبس الوحي عنه
أياما حتى شق عليه فأنزل الله تعالى هذه الآية بأمره بالاستثناء بمشيئة الله تعالى و قوله « و اذكر ربك إذا نسيت » فيه وجهان (أحدهما) أنه كلام متصل بما قبله ثم اختلف في ذلك فقيل معناه و اذكر ربك إذا نسيت الاستثناء ثم تذكرت فقل إن شاء الله و إن كان بعد يوم أو شهر أو سنة عن ابن عباس و قد روي ذلك عن أئمتنا (عليهم السلام) و يمكن أن يكون الوجه فيه أنه إذا استثني بعد النسيان فإنه يحصل له ثواب المستثنى من غير أن يؤثر الاستثناء بعد انفصال الكلام في الكلام و في إبطال الحنث و سقوط الكفارة في اليمين و هو الأشبه بمراد ابن عباس في قوله و قيل فاذكر الاستثناء ما لم تقم من المجلس عن الحسن و مجاهد و قيل فاذكر الاستثناء بأن تندم على ما قطعت عليه من الخبر عن الأصم (و الآخر) أنه كلام مستأنف غير متعلق بما قبله ثم اختلف في معناه فقيل معناه و اذكر ربك إذا غضبت بالاستغفار ليزول عنك الغضب عن عكرمة و قيل إنه أمر بالانقطاع إلى الله تعالى و معناه و اذكر ربك إذا نسيت شيئا بك إليه حاجة بذكره لك عن الجبائي و قيل المراد به الصلاة و المعنى إذا نسيت صلاة فصلها إذا ذكرتها عن الضحاك و السدي قال السيد الأجل المرتضى قدس الله روحه اعلم أن للاستثناء الداخل على الكلام وجوها مختلفة فقد يدخل في الإيمان و الطلاق و العتاق و سائر العقود و ما يجري مجراها من الأخبار فإذا دخل في ذلك اقتضى التوقف عن إمضاء الكلام و المنع من لزوم ما يلزم به و لذلك يصير ما يتكلم به كأنه لا حكم له و لذلك يصح على هذا الوجه أن يستثني الإنسان في الماضي فيقول قد دخلت الدار إن شاء الله تعالى ليخرج بهذا الاستثناء من أن يكون كلامه خبرا قاطعا أو يلزم به حكم و إنما لم يصح دخوله في المعاصي على هذا الوجه لأن فيه إظهار الانقطاع إلى الله تعالى و المعاصي لا يصح ذلك فيها و هذا الوجه أحد ما يحتمله تأويل الآية و قد يدخل الاستثناء في الكلام و يراد به اللطف و التسهيل و هذا الوجه يختص بالطاعات و لهذا جرى قول القائل لأقضين غدا ما علي من الدين أو لأصلين غدا إن شاء الله مجرى أن يقول إني فاعل إن لطف الله تعالى فيه و سهله و متى قصد الحالف هذا الوجه لم يجب إذا لم يقع منه الفعل أن يكون حانثا أو كاذبا لأنه إذا لم يقع علمنا أنه لم يلطف فيه لأنه لا لطف له و هذا الوجه لا يصح أن يقال في الآية لأنه يختص الطاعات و الآية تتناول كل ما لم يكن قبيحا بدلالة إجماع المسلمين على حسن استثناء ما تضمنه في كل فعل لم يكن قبيحا و قد يدخل الاستثناء في الكلام و يراد به التسهيل و الإقدار و التخلية و البقاء على ما هو عليه من الأحوال و هذا هو المراد إذا دخل في المباحات و هذا الوجه يمكن في الآية و قد يدخل في الكلام استثناء المشيئة في الكلام و إن لم يرد به شيء من المتقدم ذكره بل
يكون الغرض الانقطاع إلى الله تعالى من غير أن يقصد به إلى شيء من هذه الوجوه و يكون هذا الاستثناء غير معتد به في كونه كاذبا أو صادقا لأنه في الحكم كأنه قال لأفعلن كذا أن وصلت إلى مرادي مع انقطاعي إلى الله تعالى و إظهاري الحاجة إليه و هذا الوجه أيضا يمكن في الآية و متى تؤمل جملة ما ذكرناه من الكلام عرف به الجواب عن المسألة التي لا يزال يسأل عنها من يذهب إلى خلاف العدل من قولهم لو كان الله تعالى إنما يريد الطاعات من الأفعال دون المعاصي لوجب إذا قال عليه الدين لغيره و طالبه به و الله لأعطينك حقك غدا إن شاء الله أن يكون كاذبا أو حانثا إذا لم يفعل لأن الله تعالى قد شاء ذلك منه عندكم و إن كأن لم يقع و لكان يجب أن تلزمه به الكفارة و أن لا يؤثر هذا الاستثناء في يمينه و لا يخرجه من كونه حانثا كما أنه لو قال و الله لأعطينك حقك غدا إن قام زيد فقام و لم يعطه يكون حانثا و في التزلل الحنث خروج من الإجماع انتهى كلامه رضي الله عنه و قوله « و قل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا » معناه قل عسى ربي أن يعطيني من الآيات و الدلالات على النبوة ما يكون أقرب من الرشد و أدل من قصة أصحاب الكهف عن الزجاج ثم إن الله سبحانه فعل به ذلك حيث آتاه من علم غيوب أخبار المرسلين و آثارهم ما هو واضح في الدلالة و أقرب إلى الرشد من خبر أصحاب الكهف و قيل إن معناه ادع الله أن يذكرك إذا نسيت شيئا و قل إن لم يذكرني الله ذلك الذي نسيت فإنه يذكرني ما هو أنفع لي منه عن الجبائي.