۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة العاديات، آية ١١

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ١١

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَٱلۡعَٰدِيَٰتِ ضَبۡحٗا ١ فَٱلۡمُورِيَٰتِ قَدۡحٗا ٢ فَٱلۡمُغِيرَٰتِ صُبۡحٗا ٣ فَأَثَرۡنَ بِهِۦ نَقۡعٗا ٤ فَوَسَطۡنَ بِهِۦ جَمۡعًا ٥ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لِرَبِّهِۦ لَكَنُودٞ ٦ وَإِنَّهُۥ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٞ ٧ وَإِنَّهُۥ لِحُبِّ ٱلۡخَيۡرِ لَشَدِيدٌ ٨ ۞ أَفَلَا يَعۡلَمُ إِذَا بُعۡثِرَ مَا فِي ٱلۡقُبُورِ ٩ وَحُصِّلَ مَا فِي ٱلصُّدُورِ ١٠ إِنَّ رَبَّهُم بِهِمۡ يَوۡمَئِذٖ لَّخَبِيرُۢ ١١

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ وَ الْعَدِيَتِ ضبْحاً (1) فَالْمُورِيَتِ قَدْحاً (2) فَالمُْغِيرَتِ صبْحاً (3) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (4) فَوَسطنَ بِهِ جَمْعاً (5) إِنّ الانسنَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) وَ إِنّهُ عَلى ذَلِك لَشهِيدٌ (7) وَ إِنّهُ لِحُب الْخَيرِ لَشدِيدٌ (8) أَ فَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثرَ مَا فى الْقُبُورِ (9) وَ حُصلَ مَا فى الصدُورِ (10) إِنّ رَبهُم بهِمْ يَوْمَئذٍ لّخَبِيرُ (11)

القراءة

في الشواذ قراءة أبي حياة فأثرن بتشديد الثاء و قراءة علي (عليه السلام) و قتادة و ابن أبي ليلى فوسطن بتشديد السين.

الحجة

قال ابن جني: فأثرن مثل أبدين و أرين نقعا كما يؤثر الإنسان النقش و غيره مما يبديه للناظر و هو من التأثير فالهمزة فاء الفعل و أثرن بالتخفيف من الإثارة فالهمزة مزيدة و قوله «فوسطن» بالتشديد معناه ميزن به جمعا أي جعلته شطرين قسمين و شقين و معنى وسطنه بالتخفيف صرن في وسطه.

اللغة

الضبح في الخيل الحمحمة عند العدو و قيل هو شدة النفس عند العدو و ضبحت الخيل تضبح ضباحا و قيل ضبح و ضبع بمعنى و هو أن يمد ضبعه في السير حتى لا يجد مزيدا و أورى القادح النار يوري إيراء إذا قدح قدحا و تسمى تلك النار نار الحباحب لضعفها قال النابغة:

{يقد السلوقي المضاعف نسجه --- ويوقدن بالصفاح نار الحباحب}

وهو اسم رجل كان بخيلا و كانت ناره ضعيفة لئلا يراها الأضياف فضربوا المثل بناره و شبهوا نار الحوافر بها لقلتها و النقع الغبار يغوص فيه صاحبه كما يغوص في الماء و الكنود الكفور و منه الأرض الكنود و هي التي لا تنبت شيئا و الأصل فيه منع الحق و الخير قال الأعشى:

{أحدث لها تحدث لوصلك إنها --- كند لوصل الزائر المعتاد}

وقيل إنما سميت كندة لقطعها إياها.

النزول

قيل بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سرية إلى حي من كنانة فاستعمل عليهم المنذر بن عمرو الأنصاري أحد النقباء فتأخر رجوعهم فقال المنافقون قتلوا جميعا فأخبر الله تعالى عنها بقوله و العاديات ضبحا عن مقاتل و قيل نزلت السورة لما بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا (عليه السلام) إلى ذات

السلاسل فأوقع بهم و ذلك بعد أن بعث عليهم مرارا غيره من الصحابة فرجع كل منهم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و هو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث طويل قال و سميت هذه الغزوة ذات السلاسل لأنه أسر منهم و قتل و سبى و شد أسراهم في الحبال مكتفين كأنهم في السلاسل و لما نزلت السورة خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الناس فصلى بهم الغداة و قرأ فيها و العاديات فلما فرغ من صلاته قال أصحابه هذه سورة لم نعرفها فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نعم إن عليا ظفر بأعداء الله و بشرني بذلك جبرئيل (عليه السلام) في هذه الليلة فقدم علي (عليه السلام) بعد أيام بالغنائم و الأسارى.

المعنى

«و العاديات ضبحا» قيل هي الخيل في الغزو تعدو في سبيل الله عن ابن عباس و عطاء و عكرمة و الحسن و مجاهد و قتادة و الربيع قالوا أقسم الله بالخيل العادية لغزو الكفار و هي تضبح ضبحا و ضبحها صوت أجوافها إذا عدت ليس بصهيل و لا حمحمة و لكنه صوت نفس و قيل هي الإبل حين ذهبت إلى غزوة بدر تمد أعناقها في السير فهي تضبح أي تضبع روي ذلك عن علي (عليه السلام) و ابن مسعود و السدي و روي أيضا أنها إبل الحاج تعدو من عرفة إلى المزدلفة و من المزدلفة إلى منى قالت صفية بنت عبد المطلب:

{ألا والعاديات غداة جمع --- بأيديها إذا سطع الغبار}

واختلفت الروايات فيه فروي عن أبي صالح أنه قال قاولت فيه عكرمة فقال عكرمة قال ابن عباس هي الخيل في القتال فقلت أنا قال علي (عليه السلام) هي الإبل في الحج و قلت مولاي أعلم من مولاك و في رواية أخرى أن ابن عباس قال: هي الخيل أ لا تراه يقول «فأثرن به نقعا» فهل تثيره إلا بحوافرها و هل تضبح الإبل إنما تضبح الخيل قال علي (عليه السلام) ليس كما قلت لقد رأيتنا يوم بدر و ما معنا إلا فرس أبلق للمقداد بن الأسود و في رواية أخرى لمرثد بن أبي مرثد الغنوي و روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال بينما أنا في الحجرة جالس إذ أتاني رجل فسأل عن العاديات ضبحا فقلت له الخيل حين تغير في سبيل الله ثم تأوي إلى الليل فيصنعون طعامهم و يورون نارهم فانفتل عني و ذهب إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) و هو تحت سقاية زمزم فسأله عن العاديات ضبحا فقال سألت عنها أحدا قبلي قال نعم سألت عنها ابن عباس فقال الخيل حين تغير في سبيل الله قال فاذهب فادعه لي فلما وقف على رأسه قال تفتي الناس بما لا علم لك به و الله إن كانت لأول غزوة في الإسلام بدر و ما كانت معنا إلا فرسان فرس للزبير و فرس للمقداد بن الأسود فكيف تكون العاديات الخيل بل العاديات ضبحا الإبل من عرفة إلى مزدلفة و من مزدلفة إلى منى قال ابن عباس فرغبت عن قولي و رجعت إلى الذي قاله علي (عليه السلام) «فالموريات قدحا» هي الخيل توري النار بحوافرها إذا

صارت في الحجارة و الأرض المحصبة عن عكرمة و الضحاك و قال مقاتل: يقدحن بحوافرهن النار في الحجارة قال ابن عباس: يريد ضرب الخيل بحوافرها الجبل فأورت منه النار مثل الزناد إذا قدح و قال مجاهد: يريد مكر الرجال في الحروب تقول العرب إذا أراد الرجل أن يمكر بصاحبه أما و الله لأورين لك بزند وار و لأقدحن لك و خالف المصدر فيها صدر الكلام و مجازه فالقادحات قدحا و قيل هي النيران بجمع عن محمد بن كعب و قيل هي ألسنة الرجال توري النار من عظيم ما تتكلم به عن عكرمة «فالمغيرات صبحا» يريد الخيل تغير بفرسانها على العدو وقت الصبح و إنما ذكر وقت الصبح لأنهم كانوا يسيرون إلى العدو ليلا فيأتونهم صبحا هذا قول الأكثرين و قيل يريد الإبل ترتفع بركبانها يوم النحر من جمع إلى منى و السنة أن لا ترتفع بركبانها حتى تصيح و الإغارة سرعة السير و منه قولهم أشرق ثبير كيما نغير عن محمد بن كعب «فأثرن به نقعا» يقال ثار الغبار و الدخان و أثرته أي هيجته و الهاء في به عائد إلى معلوم يعني بالمكان أو بالوادي المعنى فهيجن بمكان عدوهن غبارا «فوسطن به جمعا» أي صرن بعدوهن أو بذلك المكان وسط جمع العدو و هم الكتيبة و قال محمد بن كعب: يريد جمع منى «إن الإنسان لربه لكنود» هذا جواب القسم و الكنود الكفور الجحود لنعم الله عن ابن عباس و قتادة و الحسن و مجاهد و قيل هو بلسان كندة و حضرموت العاصي و بلسان مضر و ربيعة و قضاعة الكفور عن الكلبي و قيل هو الذي يعد المصائب و ينسى النعم عن الحسن أخذه بعض الشعراء فقال:

{يا أيها الظالم في فعله --- و الظلم مردود على من ظلم} {إلى متى أنت و حتى متى --- تشكو المصيبات و تنسى النعم}

وروى أبو أمامة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال أ تدرون من الكنود قالوا الله و رسوله أعلم قال الكنود الذي يأكل وحده و يمنع رفده و يضرب عبده و قيل الكنود الذي لا يعطي في النائبة مع قومه عن عطاء و قيل هو القليل الخير عن أبي عبيدة «و إنه على ذلك لشهيد» معناه و إن الله على كفره لشهيد عن ابن عباس و قتادة و عطاء و قيل أن الهاء تعود إلى الإنسان و المعنى أن الإنسان شاهد على نفسه يوم القيامة بكنوده أو في الدنيا فإنك لو سألته عن النعمة لم يذكر أكثرها و يذكر جميع مصائبه و هو معنى قول الحسن «و إنه» يعني الإنسان «لحب الخير لشديد» أي لأجل حب الخير الذي هو المال أي من أجله لبخيل شحيح يمنع منه حق الله تعالى عن الحسن يقال للبخيل شديد و متشدد قال طرفة:

{أرى الموت يعتام الكرام و يصطفي --- عقيلة مال الفاحش المتشدد}

وقيل معناه و إنه لشديد الحب للخير أي المال عن الفراء و قال ابن زيد: سمى الله سبحانه المال خيرا و عسى أن يكون خبيثا و حراما و لكن لأن الناس يعدونه خيرا فكذلك سمي الجهاد سوءا فقال لم يمسسهم سوء أي قتال و ليس هو عند الله بسوء لأن الناس يسمونه سوءا و قال سبحانه على وجه التذكير و الوعيد «أ فلا يعلم» هذا الإنسان الذي وصفناه «إذا بعثر ما في القبور» أي بعث الموتى و نشروا و أخرجوا و مثله بحثر «و حصل ما في الصدور» أي ميزوا بين ما فيها من الخير و الشر و قيل معناه و أظهر ما أخفته الصدور ليجازي على السر كما يجازي على العلانية «إن ربهم بهم يومئذ لخبير» قال الزجاج: الله سبحانه خبير بهم في ذلك اليوم و في غيره و لكن المعنى أن الله يجازيهم على كفرهم في ذلك اليوم و ليس يجازيهم إلا بعلمه بأحوالهم و أعمالهم و مثله قوله أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم و معناه أولئك الذين لا يترك الله مجازاتهم و في هذا إشارة إلى الزجر و الوعيد فإن الإنسان متى علم أن خالقه يرى جميع أعماله و يعلم سائر أفعاله و يحقق ذلك لا بد أن ينزجر عن المعاصي.