۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة محمد، آية ٢٩

التفسير يعرض الآيات ٢٦ إلى ٣٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ سَنُطِيعُكُمۡ فِي بَعۡضِ ٱلۡأَمۡرِۖ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِسۡرَارَهُمۡ ٢٦ فَكَيۡفَ إِذَا تَوَفَّتۡهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ ٢٧ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱتَّبَعُواْ مَآ أَسۡخَطَ ٱللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضۡوَٰنَهُۥ فَأَحۡبَطَ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٢٨ أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخۡرِجَ ٱللَّهُ أَضۡغَٰنَهُمۡ ٢٩ وَلَوۡ نَشَآءُ لَأَرَيۡنَٰكَهُمۡ فَلَعَرَفۡتَهُم بِسِيمَٰهُمۡۚ وَلَتَعۡرِفَنَّهُمۡ فِي لَحۡنِ ٱلۡقَوۡلِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ أَعۡمَٰلَكُمۡ ٣٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

ذَلِك بِأَنّهُمْ قَالُوا لِلّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزّلَ اللّهُ سنُطِيعُكمْ فى بَعْضِ الأَمْرِ وَ اللّهُ يَعْلَمُ إِسرَارَهُمْ (26) فَكَيْف إِذَا تَوَفّتْهُمُ الْمَلَئكَةُ يَضرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَ أَدْبَرَهُمْ (27) ذَلِك بِأَنّهُمُ اتّبَعُوا مَا أَسخَط اللّهَ وَ كرِهُوا رِضوَنَهُ فَأَحْبَط أَعْمَلَهُمْ (28) أَمْ حَسِب الّذِينَ فى قُلُوبِهِم مّرَضٌ أَن لّن يخْرِجَ اللّهُ أَضغَنهُمْ (29) وَ لَوْ نَشاءُ لأَرَيْنَكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَهُمْ وَ لَتَعْرِفَنّهُمْ فى لَحْنِ الْقَوْلِ وَ اللّهُ يَعْلَمُ أَعْمَلَكمْ (30)

القراءة

قرأ أهل الكوفة غير أبي بكر «إسرارهم» بالكسر و الباقون أسرارهم بالفتح.

الحجة

قال أبو علي حجة من قرأ أسرارهم أنه لما كان مصدرا أفرد و لم يجمع و يقوي الإفراد قوله «أ لم يعلموا أن الله يعلم سرهم و نجواهم» فكما أفرد السر و لم يجمع كذلك قال أسرارهم و من فتح الهمزة جعله جمع سر فكأنه جمع لاختلاف ضروب السر و جميع الأجناس يحسن جمعها مع الاختلاف و قد جاء سرهم في قوله «يعلم سرهم» على ما عليه معظم المصادر لأنه يتناول جميع ضروبه فأفرد مرة و جمع أخرى.

اللغة

الأضغان جمع الضغن و هو الحقد و اللحن أصله إزالة الكلام عن جهته ثم أنه يستعمل على وجهين في الصواب و الخطإ أما في الصواب فمعناه الكناية عن الشيء و العدول عن الإفصاح عنه قال الشاعر:

{ولقد وحيت لكم لكيلا تفطنوا --- ولحنت لحنا ليس بالمرتاب}

وقيل اللحن هي الفطنة و سرعة الفهم و الفاعل منه لحن يلحن فهو لحن إذا فطن و منه الحديث لعل أحدكم يكون ألحن بحجته من بعض أي أفطن لها و أغرض بها و منه قول الشاعر:

{منطق صائب و تلحن أحيانا --- وخير الحديث ما كان لحنا}

وإنما يسمى التعريض لحنا لأنه ذهاب بالكلام إلى خلاف جهته و منه قول عمر تعلموا اللحن كما تتعلمون القرآن و أما في الخطإ فإن اللحن إزالة الإعراب عن جهته و الفعل منه لحن يلحن فهو لاحن.

المعنى

ثم بين سبحانه سبب استيلاء الشيطان عليهم فقال «ذلك» أي التسويل و الإملاء «بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله» من القرآن و ما فيه من الأمر و النهي و الأحكام و المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه السلام) أنهم بنو أمية كرهوا ما نزل الله في ولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام) «سنطيعكم في بعض الأمر» أي نفعل بعض ما تريدونه «و الله يعلم إسرارهم» أي ما أسره بعضهم إلى بعض من القول و ما أسروه في أنفسهم من الاعتقاد «فكيف إذا توفتهم الملائكة» أي فكيف حالهم إذا قبضت الملائكة أرواحهم و إنما حذف تفخيما لشأن ما ينزل بهم في ذلك الوقت «يضربون وجوههم و أدبارهم» على وجه العقوبة لهم ثم ذكر الله سبحانه سبب نزول ذلك الضرب فقال «ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله» من المعاصي التي يكرهها الله و يعاقب عليها «و كرهوا رضوانه» أي سبب رضوانه من الإيمان و طاعة الرسول «فأحبط» الله «أعمالهم» التي كانوا يعملونها من صلاة و صدقة و غير ذلك لأنها في غير إيمان ثم قال سبحانه «أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم» أي أحقادهم على المؤمنين و لا يبدي عوراتهم للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) «و لو نشاء لأريناكهم» بأعيانهم يا محمد حتى تعرفهم و هو قوله «فلعرفتهم بسيماهم» أي بعلاماتهم التي ننصبها لك لكي تعرفهم بها «و لتعرفنهم في لحن القول» أي و تعرفهم الآن في فحوى كلامهم و معناه و مقصده و مغزاه لأن كلام الإنسان يدل على ما في ضميره و عن أبي سعيد الخدري قال لحن القول بغضهم علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال و كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ببغضهم علي بن أبي طالب (عليه السلام) و روي مثل ذلك عن جابر بن عبد الله الأنصاري و عن عبادة بن الصامت قال كنا نبور أولادنا يجب علي (عليه السلام) فإذا رأينا أحدهم لا يحبه علمنا أنه لغير رشدة و قال أنس ما خفي منافق على عهد رسول الله بعد هذه الآية «و الله يعلم أعمالكم» ظاهرها و باطنها.