۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة فصلت، آية ٦

التفسير يعرض الآيات ٦ إلى ١٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَٱسۡتَقِيمُوٓاْ إِلَيۡهِ وَٱسۡتَغۡفِرُوهُۗ وَوَيۡلٞ لِّلۡمُشۡرِكِينَ ٦ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ ٧ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمۡ أَجۡرٌ غَيۡرُ مَمۡنُونٖ ٨ ۞ قُلۡ أَئِنَّكُمۡ لَتَكۡفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ فِي يَوۡمَيۡنِ وَتَجۡعَلُونَ لَهُۥٓ أَندَادٗاۚ ذَٰلِكَ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٩ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِيَ مِن فَوۡقِهَا وَبَٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقۡوَٰتَهَا فِيٓ أَرۡبَعَةِ أَيَّامٖ سَوَآءٗ لِّلسَّآئِلِينَ ١٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

قُلْ إِنّمَا أَنَا بَشرٌ مِّثْلُكمْ يُوحَى إِلىّ أَنّمَا إِلَهُكمْ إِلَهٌ وَحِدٌ فَاستَقِيمُوا إِلَيْهِ وَ استَغْفِرُوهُ وَ وَيْلٌ لِّلْمُشرِكِينَ (6) الّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزّكوةَ وَ هُم بِالاَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ (7) إِنّ الّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُوا الصلِحَتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيرُ مَمْنُونٍ (8) قُلْ أَ ئنّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالّذِى خَلَقَ الأَرْض فى يَوْمَينِ وَ تجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِك رَب الْعَلَمِينَ (9) وَ جَعَلَ فِيهَا رَوَسىَ مِن فَوْقِهَا وَ بَرَك فِيهَا وَ قَدّرَ فِيهَا أَقْوَتهَا فى أَرْبَعَةِ أَيّامٍ سوَاءً لِّلسائلِينَ (10)

القراءة

قرأ أبو جعفر سواء بالرفع و قرأ يعقوب سواء بالجر و الباقون بالنصب «سواء».

الحجة

من قرأ سواء بالرفع جعله خبر مبتدإ محذوف أي هي سواء و من قرأ سواء بالجر جعله صفة أيام التقدير في أربعة أيام مستويات تامات و أما النصب فعلى المصدر على معنى استوت سواء و استواء.

المعنى

ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) «قل» يا محمد لهؤلاء الكفار «إنما أنا بشر مثلكم» من ولد آدم لحم و دم و إنما خصني الله تعالى بنبوته و ميزني منكم بأن أوحى إلي و لو لا الوحي ما دعوتكم و هو قوله «يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد» لا شريك له في العبادة «فاستقيموا إليه» أي لا تميلوا عن سبيله و توجهوا إليه بالطاعة كما يقال استقم إلى منزلك أي لا تعدل عنه إلى غيره «و استغفروه» من الشرك و اطلبوا المغفرة لذنوبكم من جهته ثم أوعدهم فقال «و ويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة» أي لا يعطون الزكاة المفروضة

و فيه دلالة على أن الكفار مخاطبون بالشرائع و هذا هو الظاهر و قيل معناه لا يطهرون أنفسهم من الشرك بقول لا إله إلا الله فإنها زكاة الأنفس عن عطاء عن ابن عباس و هذا كما يقال أعطى فلان من نفسه الطاعة أي ألزمها نفسه و قد وصف سبحانه الكفر بالنجاسة بقوله إنما المشركون نجس و ذكر الزكاة بمعنى التطهير في قوله خيرا منه زكاة و قيل معناه لا يقرون بالزكاة و لا يرون إيتاءها و لا يؤمنون بها عن الحسن و قتادة و عن الكلبي عابهم الله بها و قد كانوا يحجون و يعتمرون و قيل لا ينفقون في الطاعة و لا يتصدقون عن الضحاك و مقاتل و كان يقول الزكاة قنطرة الإسلام و قال الفراء الزكاة في هذا الموضع أن قريشا كانت تطعم الحاج و تسقيهم فحرموا ذلك على من آمن بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) «و هم بالآخرة هم كافرون» و هم مع ذلك يجحدون بما أخبر الله تعالى به من أحوال الآخرة ثم عقب سبحانه ما ذكره من وعيد الكافرين بذكر الوعد للمؤمنين فقال «إن الذين آمنوا» أي صدقوا بأمر الآخرة من الثواب و العقاب «و عملوا الصالحات» أي الطاعات «لهم أجر غير ممنون» أي لهم جزاء على ذلك غير مقطوع بل هو متصل دائم و يجوز أن يكون معناه أنه لا أذى فيه من المن الذي يكدر الصنيعة ثم وبخهم سبحانه على كفرهم فقال «قل» يا محمد لهم على وجه الإنكار عليهم «أ إنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض» و هذا استفهام تعجيب أي كيف تستجيزون أن تكفروا و تجحدوا نعمة من خلق الأرض «في يومين» أي في مقدار يومين «و تجعلون له أندادا» أي أمثالا و أشباها تعبدونهم و في هذا دلالة على أنه سبحانه إنما يستدل على إثبات ذاته و صفاته بأفعاله فهي دالة على إثبات صفاته إما بنفسها كما يدل صحة الفعل على كونه قادرا و أحكامه على كونه عالما و إما بواسطة كما يدل كونه قادرا عالما على كونه حيا موجودا سميعا بصيرا «ذلك رب العالمين» أي ذلك الذي خلق الأرض في يومين خالق العالمين و مالك التصرف فيهم «و جعل فيها» أي في الأرض «رواسي» أي جبالا راسيات ثابتات «من فوقها» أي من فوق الأرض «و بارك فيها» بما خلق فيها من المنافع و قيل بأن أنبت شجرها من غير غرس و أخرج نبتها من غير زرع و بذر و أودعها مما ينتفع به العباد عن السدي «و قدر فيها أقواتها» أي قدر في الأرض أرزاق أهلها على حسب الحاجة إليها في قوام أبدان الناس و سائر الحيوان و قيل قدر في كل بلدة منها ما لم يجعله في أخرى ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة من بلد إلى بلد «في أربعة أيام» أي في تتمة أربعة أيام من حين ابتداء الخلق فاليومان الأولان داخلان فيها كما تقول خرجت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام و إلى الكوفة في خمسة عشر يوما أي في تتمة خمسة عشر يوما «سواء للسائلين» أي مستوية كاملة من غير زيادة و لا نقصان للسائلين عن مدة خلق الأرض و قيل معناه للذين

يسألون الله أرزاقهم و يطلبون أقواتهم فإن كلا يطلب القوت و يسأله عن قتادة و السدي و اختلف في علة خلق الأرض و ما فيها في أربعة أيام فقيل إنما خلق ذلك شيئا بعد شيء في هذه الأيام الأربعة ليعلم الخلق أن من الصواب التأني في الأمور و ترك الاستعجال فيها فإنه سبحانه كان قادرا على أن يخلق ذلك في لحظة واحدة عن الزجاج و قيل إنما خلق ذلك في هذه المدة ليعلم بذلك أنها صادرة عن قادر مختار عالم بالمصالح و بوجوه الأحكام إذ لو صدرت عن مطبوع أو موجب لحصلت في حالة واحدة و روى عكرمة عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال إن الله تعالى خلق الأرض في يوم الأحد و الإثنين و خلق الجبال يوم الثلاثاء و خلق الشجر و الماء و العمران و الخراب يوم الأربعاء فتلك أربعة أيام و خلق يوم الخميس السماء و خلق يوم الجمعة الشمس و القمر و النجوم و الملائكة و آدم.