۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة ص، آية ٢٣

التفسير يعرض الآيات ٢١ إلى ٢٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

۞ وَهَلۡ أَتَىٰكَ نَبَؤُاْ ٱلۡخَصۡمِ إِذۡ تَسَوَّرُواْ ٱلۡمِحۡرَابَ ٢١ إِذۡ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُۥدَ فَفَزِعَ مِنۡهُمۡۖ قَالُواْ لَا تَخَفۡۖ خَصۡمَانِ بَغَىٰ بَعۡضُنَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فَٱحۡكُم بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَلَا تُشۡطِطۡ وَٱهۡدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَٰطِ ٢٢ إِنَّ هَٰذَآ أَخِي لَهُۥ تِسۡعٞ وَتِسۡعُونَ نَعۡجَةٗ وَلِيَ نَعۡجَةٞ وَٰحِدَةٞ فَقَالَ أَكۡفِلۡنِيهَا وَعَزَّنِي فِي ٱلۡخِطَابِ ٢٣ قَالَ لَقَدۡ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعۡجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِۦۖ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡخُلَطَآءِ لَيَبۡغِي بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَقَلِيلٞ مَّا هُمۡۗ وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّٰهُ فَٱسۡتَغۡفَرَ رَبَّهُۥ وَخَرَّۤ رَاكِعٗاۤ وَأَنَابَ۩ ٢٤ فَغَفَرۡنَا لَهُۥ ذَٰلِكَۖ وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلۡفَىٰ وَحُسۡنَ مَـَٔابٖ ٢٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ هَلْ أَتَاك نَبَؤُا الْخَصمِ إِذْ تَسوّرُوا الْمِحْرَاب (21) إِذْ دَخَلُوا عَلى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنهُمْ قَالُوا لا تَخَف خَصمَانِ بَغَى بَعْضنَا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَ لا تُشطِط وَ اهْدِنَا إِلى سوَاءِ الصرَطِ (22) إِنّ هَذَا أَخِى لَهُ تِسعٌ وَ تِسعُونَ نَعْجَةً وَ لىَ نَعْجَةٌ وَحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَ عَزّنى فى الخِْطابِ (23) قَالَ لَقَدْ ظلَمَك بِسؤَالِ نَعْجَتِك إِلى نِعَاجِهِ وَ إِنّ كَثِيراً مِّنَ الخُْلَطاءِ لَيَبْغِى بَعْضهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلا الّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُوا الصلِحَتِ وَ قَلِيلٌ مّا هُمْ وَ ظنّ دَاوُدُ أَنّمَا فَتَنّهُ فَاستَغْفَرَ رَبّهُ وَ خَرّ رَاكِعاً وَ أَنَاب (24) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِك وَ إِنّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَ حُسنَ مَئَابٍ (25)

القراءة

في الشواذ قراءة أبي رجاء و قتادة و لا تشطط بفتح التاء و ضم الطاء و قراءة

الحسن و الأعرج نعجة و لي نعجة بكسر النون و قراءة أبي حيوة و عزني بتخفيف الزاي و قراءة عمر بن الخطاب فتناه بتشديد التاء و النون و قراءة قتادة و أبي عمرو و في بعض الروايات الشاذة فتناه بتخفيف النون.

الحجة

أما قراءة و لا تشطط من شط يشط و يشط إذا بعد قال عنترة:

{شطت مزار العاشقين فأصبحت --- عسرا علي طلابك ابنة مخرم}

قال ابن جني معناه بعدت عن مزار العاشقين و لما بالغ في ذكر استضراره بها خاطبها بذلك لأنه أبلغ فعدل عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب فقال طلابك فأما النعجة فهي لغة في النعجة و مثله لقوة و لقوة و قوم شجعة و شجعة أي شجعان و أما عزني بالتخفيف فيمكن أن يكون أصله عزني غير أنه خفف بحذف الزاي الثانية أو الأولى كما قالوا في مسست و ظللت مست و ظلت و أما قوله فتناه فإنما هو فعلناه للمبالغة و أما فتناه بتخفيف النون فإن المراد بالتثنية هنا الملكان اللذان اختصما إليه أي اختبراه.

اللغة

الخصم هو المدعي على غيره حقا من الحقوق و المنازع له فيه و يعبر به عن الواحد و الاثنين و الجماعة بلفظ واحد لأن أصله المصدر فيقال رجل خصم و رجلان خصم و رجال خصم يقال خاصمته فخصمته أخصمه خصماء و التسور الإتيان من جهة السور يقال تسور فلان الدار إذا أتاها من جهة سورها.

و المحراب مجلس الأشراف الذي يحارب دونه لشرف صاحبه و منه سمي المعملي محرابا و موضع القبلة محرابا و أشط الرجل في حكمه إذا جار فهو مشط و شط عليه في السوم يشط شططا قال:

{ألا يا لقومي قد أشطت عواذلي --- و يزعمن أن أودي بحقي باطلي}

الإعراب

«إذ دخلوا» بدل من قوله «إذ تسوروا» و قيل أن التسور في زمان غير زمان الدخول.

«خصمان» خبر مبتدإ محذوف أي نحن خصمان.

«و قليل ما هم» هم مبتدأ و قليل خبره و ما زائدة و يجوز أن يكون ما بمعنى الذي و هم مبتدأ و الخبر محذوف أي و قليل الذين هم كذلك.

المعنى

لما ذكر سبحانه أنه آتى داود الحكمة و فصل الخطاب عقبه بذكر من تخاصم إليه فقال «و هل أتاك» يا محمد «نبأ الخصم» أي هل بلغك خبرهم و المراد بالاستفهام هنا الترغيب في الاستماع و التنبيه على موضع إخلاله ببعض ما كان ينبغي أن يفعله «إذ تسوروا المحراب» أي حين صعدوا إليه المحراب و أتوه من أعلى سورة و هو مصلاه و إنما جمعهم لأنه أراد المدعي و المدعى عليه و من معهما و قد تعلق به من قال إن أقل الجمع اثنان و أجيب عن ذلك بأنه أراد الفريقين «إذ دخلوا على داود ففزع منهم» لدخولهم عليه في غير الوقت الذي يحضر فيه الخصوم من غير الباب الذي كان يدخل الخصوم منه و لأنهم دخلوا عليه بغير إذنه «قالوا لا تخف خصمان» أي فقالوا لداود نحن خصمان «بغى بعضنا على بعض» فجئناك لتقضي بيننا و ذلك قوله «فاحكم بيننا بالحق و لا تشطط» أي و لا تجر علينا في حكمك و لا تجاوز الحق فيه بالميل لأحدنا على صاحبه «و اهدنا إلى سواء الصراط» أي دلنا و أرشدنا إلى وسط الطريق الذي هو طريق الحق ثم حكى سبحانه ما قاله أحد الخصمين لصاحبه بقوله «إن هذا أخي له تسع و تسعون نعجة و لي نعجة واحدة» قال الخليل النعجة هي الأنثى من الضأن و البقر الوحشية و الشاة الجبلية و العرب تكني عن النساء بالنعاج و الظباء و الشاة قال الأعشى:

{فرميت غفلة عينه عن شاته --- فأصبت حبة قلبها و طحالها}

قال عنترة:

{يا شاة ما قنص لمن حلت له --- حرمت علي و ليتها لم تحرم}

«فقال أكفلنيها» أي ضمها إلي و اجعلني كافلها الذي يلزم نفسه القيام بها و حياطتها و المعنى أعطنيها و قيل معناه انزل لي عنها حتى تصير في نصيبي عن ابن عباس و ابن مسعود و مجاهد «و عزني في الخطاب» أي غلبني في مخاطبة الكلام و قيل معناه إنه إذا تكلم كان أبين مني و إن بطش كان أشد مني و إن دعا كان أكثر مني عن الضحاك «قال» داود «لقد ظلمك بسؤال نعجتك» معناه إن كان الأمر على ما تدعيه لقد ظلمك بسؤاله إياك

بضم نعجتك «إلى نعاجه» فأضاف المصدر إلى المفعول به «و إن كثيرا من الخلطاء» أي الشركاء المخالطين جمع الخليط «ليبغي بعضهم على بعض» ثم استثنى من جملة الخلطاء الذين يبغي بعضهم على بعض الذين آمنوا فقال «إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات» أي فإنهم لا يظلم بعضهم بعضا «و قليل ما هم» أي و قليل هم و ما مزيدة «و ظن داود أنما فتناه» أي و علم داود أنا اختبرناه و ابتليناه و قيل إنا شددنا عليه في التعبد عن علي بن عيسى و قيل أراد الظن المعروف الذي هو خلاف اليقين «فاستغفر ربه» أي سأل الله سبحانه المغفرة و الستر عليه «و خر راكعا» أي صلى الله تعالى «و أناب» إليه و قيل سقط ساجدا لله تعالى و رجع إليه و قد يعبر عن السجود بالركوع قال الشاعر:

{فخر على وجهه راكعا --- و تاب إلى الله من كل ذنب}

قال الحسن إنما قال و خر راكعا لأنه لا يصير ساجدا حتى يركع و قال مجاهد مكث أربعين يوما ساجدا لا يرفع رأسه إلا لصلاة مكتوبة يقيمها أو لحاجة لا بد منها «فغفرنا له ذلك و إن له عندنا لزلفى» أي قربى و كرامة «و حسن مآب» في الجنة و اختلف في استغفار داود (عليه السلام) من أي شيء كان فقيل أنه حصل منه على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى و الخضوع له و التذلل بالعبادة و السجود كما حكى سبحانه عن إبراهيم (عليه السلام) بقوله و الذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين و أما قوله «فغفرنا له ذلك» فالمعنى أنا قبلناه منه و أثبناه عليه فأخرجه على لفظ الجزاء مثل قوله يخادعون الله و هو خادعهم و قوله الله يستهزىء بهم فلما كان المقصود من الاستغفار و التوبة القبول قيل في جوابه غفرنا و هذا قول من ينزه الأنبياء عن جميع الذنوب من الإمامية و غيرهم و من جوز على الأنبياء الصغائر قال إن استغفاره كان لذنب صغير وقع منه ثم أنهم اختلفوا في ذلك على وجوه ( أحدها ) أن أوريا بن حيان خطب امرأة و كان أهلها أرادوا أن يزوجوها منه فبلغ داود جمالها فخطبها أيضا فزوجوها منه فقدموه على أوريا فعوتب داود على الحرص على الدنيا عن الجبائي ( و ثانيها ) أنه أخرج أوريا إلى بعض ثغوره فقتل فلم يجزع عليه جزعه على أمثاله من جنده إذ مالت نفسه إلى نكاح امرأته فعوتب على ذلك بنزول الملكين ( و ثالثها ) أنه كان في شريعته أن الرجل إذا مات و خلف امرأة فأولياؤه أحق بها إلا أن يرغبوا عن التزويج بها فحينئذ يجوز لغيرهم أن يتزوج بها فلما قتل أوريا خطب داود (عليه السلام) امرأته و منعت هيبة داود و جلالته أولياءه أن يخطبوها فعوتب على ذلك ( و رابعها ) أن داود كان متشاغلا بالعبادة فأتاه رجل و امرأة متحاكمين إليه فنظر إلى المرأة ليعرفها بعينها و ذلك نظر مباح فمالت نفسه إليها ميل الطباع

ففصل بينهما و عاد إلى عبادة ربه فشغله الفكر في أمرها عن بعض نوافله فعوتب ( و خامسها ) أنه عوتب على عجلته في الحكم قبل التثبت و كان يجب عليه حين سمع الدعوى من أحد الخصمين أن يسأل الآخر عما عنده فيها و لا يحكم عليه قبل ذلك و إنما أنساه التثبت في الحكم فزعة من دخولهما عليه في غير وقت العادة و أما ما ذكر في القصة أن داود كان كثير الصلاة فقال يا رب فضلت علي إبراهيم فاتخذته خليلا و فضلت علي موسى فكلمته تكليما فقال يا داود أنا ابتليناهم بما لم نبتلك بمثله فإن شئت ابتليتك فقال نعم يا رب فابتلني فبينا هو في محرابه ذات يوم إذ وقعت حمامة فأراد أن يأخذها فطارت إلى كوة المحراب فذهب ليأخذها فاطلع من الكوة فإذا امرأة أوريا بن حيان تغتسل فهويها و هم بتزويجها فبعث بأوريا إلى بعض سراياه و أمر بتقديمه أمام التابوت الذي فيه السكينة ففعل ذلك و قتل فلما انقضت عدتها تزوجها و بنى بها فولد له منها سليمان فبينا هو ذات يوم في محرابه يقرأ إذ دخل عليه رجلان ففزع منهما فقالا «لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض» إلى قوله «و قليل ما هم» فنظر أحد الرجلين إلى صاحبه ثم ضحك فتنبه داود على أنهما ملكان بعثهما الله إليه في صورة خصمين ليبكتاه على خطيئته فتاب و بكى حتى نبت الزرع من كثرة دموعه فمما لا شبهة في فساده فإن ذلك مما يقدح في العدالة فكيف يجوز أن يكون أنبياء الله الذين هم أمناؤه على وحيه و سفراؤه بينه و بين خلقه بصفة من لا تقبل شهادته و على حالة تنفر عن الاستماع إليه و القبول منه جل أنبياء الله عن ذلك و قد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال لا أوتى برجل يزعم أن داود تزوج امرأة أوريا إلا جلدته حدين حدا للنبوة و حدا للإسلام و قال أبو مسلم لا يمتنع أن يكون الداخلان على داود كانا خصمين من البشر و أن يكون ذكر النعاج محمولا على الحقيقة دون الكناية و إنما خاف منهما لدخولهما من غير إذن و على غير مجرى العادة و إنما عوتب على أنه حكم بالظلم على المدعى عليه قبل أن يسأله.