۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة يس، آية ٥٢

التفسير يعرض الآيات ٥١ إلى ٦٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلۡأَجۡدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ يَنسِلُونَ ٥١ قَالُواْ يَٰوَيۡلَنَا مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرۡقَدِنَاۜۗ هَٰذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَصَدَقَ ٱلۡمُرۡسَلُونَ ٥٢ إِن كَانَتۡ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ فَإِذَا هُمۡ جَمِيعٞ لَّدَيۡنَا مُحۡضَرُونَ ٥٣ فَٱلۡيَوۡمَ لَا تُظۡلَمُ نَفۡسٞ شَيۡـٔٗا وَلَا تُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٥٤ إِنَّ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ ٱلۡيَوۡمَ فِي شُغُلٖ فَٰكِهُونَ ٥٥ هُمۡ وَأَزۡوَٰجُهُمۡ فِي ظِلَٰلٍ عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِ مُتَّكِـُٔونَ ٥٦ لَهُمۡ فِيهَا فَٰكِهَةٞ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ ٥٧ سَلَٰمٞ قَوۡلٗا مِّن رَّبّٖ رَّحِيمٖ ٥٨ وَٱمۡتَٰزُواْ ٱلۡيَوۡمَ أَيُّهَا ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٥٩ ۞ أَلَمۡ أَعۡهَدۡ إِلَيۡكُمۡ يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ أَن لَّا تَعۡبُدُواْ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٦٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ نُفِخَ فى الصورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الأَجْدَاثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ (51) قَالُوا يَوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرّحْمَنُ وَ صدَقَ الْمُرْسلُونَ (52) إِن كانَت إِلا صيْحَةً وَحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لّدَيْنَا محْضرُونَ (53) فَالْيَوْمَ لا تُظلَمُ نَفْسٌ شيْئاً وَ لا تجْزَوْنَ إِلا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (54) إِنّ أَصحَب الجَْنّةِ الْيَوْمَ فى شغُلٍ فَكِهُونَ (55) هُمْ وَ أَزْوَجُهُمْ فى ظِلَلٍ عَلى الأَرَائكِ مُتّكِئُونَ (56) لهَُمْ فِيهَا فَكِهَةٌ وَ لهَُم مّا يَدّعُونَ (57) سلَمٌ قَوْلاً مِّن رّبٍ رّحِيمٍ (58) وَ امْتَزُوا الْيَوْمَ أَيهَا الْمُجْرِمُونَ (59) أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَبَنى ءَادَمَ أَن لا تَعْبُدُوا الشيْطنَ إِنّهُ لَكمْ عَدُوّ مّبِينٌ (60)

القراءة

قرأ نافع و ابن كثير و أبو عمرو و روح في شغل ساكنة الغين و الباقون «في شغل» بضم الغين و قرأ أبو جعفر فكهون بغير ألف حيث وقع و وافقه حفص في المطففين

انقلبوا فكهين و قرأ الآخرون بالألف كل القرآن و قرأ أهل الكوفة غير عاصم في ظلل بضم الظاء بلا ألف و الباقون «في ظلال» و روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قرأ من بعثنا من مرقدنا و في الشواذ قراءة ابن أبي ليلى يا ويلتا و قرأ أبي بن كعب من هبنا من مرقدنا.

الحجة

الشغل و الشغل لغتان و كذلك الفكه و الفاكه و الظلل جمع ظلة و الظلال يجوز أيضا أن يكون جمع ظلة فيكون كبرمة و برام و علبة و علاب و يجوز أن يكون جمع ظل و أما قوله «من بعثنا» فهو كقولك يا ويلي من أخذك مني قال ابن جني من الأولى متعلقة بالويل كقولك يا تألمي منك و إن شئت كان حالا فتعلقت بمحذوف حتى كأنه قال يا ويلنا كائنا من بعثنا فجاز أن يكون حالا منه كما جاز أن يكون خبرا عنه في مثل قول الأعشى:

{قالت هريرة لما جئت زائرها --- ويلي عليك و ويلي منك يا رجل}

و ذلك أن الحال ضرب من الخبر و أما من في قوله «من مرقدنا» فمتعلقة بنفس البعث و من قرأ يا ويلتا فأصله يا ويلتي فأبدلت الياء ألفا لأنه نداء فهو موضع تخفيف فتارة تحذف هذه الياء نحو غلام و تارة بالبدل نحو يا غلاما قال:

يا أبتا علك أو عساكا فإن قلت كيف قال يا ويلتا و هذا اللفظ للواحد و هم جماعة فالقول إنه يكون على أن كل واحد منهم قال يا ويلتا من بعثنا من مرقدنا و نحوه قوله فاجلدوهم ثمانين جلدة أي فاجلدوا كل واحد منهم و مثله ما حكاه أبو زيد من قولهم أتينا الأمير فكسانا كلنا حلة و أعطانا كلنا مائة أي كسا كل واحد منا حلة و أعطى كل واحد منا مائة و أما هبنا فيمكن أن يكون هب لغة في أهب و يمكن أن يكون على معنى هب بنا أي أيقظنا ثم حذف حرف الجرب فوصل الفعل.

اللغة

قال أبو عبيدة الصور جمع صورة مثل بسرة و بسر و هو مشتق من صاره يصوره صورا إذا أماله فالصورة تميل إلى مثلها بالمشاهدة و الجدث القبر و جمعه الأجداث و هذه لغة أهل العالية و يقول أهل السافلة بالفاء جدف و النسول الإسراع في الخروج يقال نسل ينسل و ينسل قال امرؤ القيس:

{و إن تك قد ساءتك مني خليقة --- فسلي ثيابي من ثيابك تنسل}

و قال آخر:

{عسلان الذئب أمسى قاربا --- برد الليل عليه فنسل}

الإعراب

«هذا ما وعد الرحمن» مبتدأ و خبر و يكون «من بعثنا من مرقدنا» كلاما تاما يوقف عليه و يجوز أن يكون هذا من نعت مرقدنا أي مرقدنا الذي كنا راقدين فيه فيكون الوقف على مرقدنا هذا و يكون «ما وعد الرحمن» خبر مبتدإ محذوف أو مبتدأ محذوف الخبر على تقدير هذا ما وعد الرحمن أو حق ما وعد الرحمن سلام بدل من ما و المعنى لهم ما يتمنون لهم سلام و قولا منصوب على أنه مصدر فعل محذوف أي يقوله الله قولا.

المعنى

ثم أخبر سبحانه عن النفخة الثانية و ما يلقونه فيها إذا بعثوا بعد الموت فقال «و نفخ في الصور فإذا هم من الأجداث» و هي القبور «إلى ربهم» أي إلى الموضع الذي يحكم الله فيه لا حكم لغيره هناك «ينسلون» أي يخرجون سراعا فلما رأوا أهوال القيامة «قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا» أي من حشرنا من منامنا الذي كنا فيه نياما ثم يقولون «هذا ما وعد الرحمن و صدق المرسلون» فيما أخبرونا عن هذا المقام و هذا البعث قال قتادة أول الآية للكافرين و آخرها للمسلمين قال الكافرون «يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا» و قال المسلمون «هذا ما وعد الرحمن و صدق المرسلون» و إنما وصفوا القبر بالمرقد لأنهم لما أحيوا كانوا كالمنتبهين عن الرقدة و قيل إنهم لما عاينوا أحوالهم في القيامة عدوا أحوالهم في قبورهم بالإضافة إلى تلك الأهوال رقادا قال قتادة هي النومة بين النفختين لا يفتر عذاب القبر إلا فيما بينهما فيرقدون ثم أخبر سبحانه عن سرعة بعثهم فقال «إن كانت إلا صيحة واحدة» أي لم تكن المدة إلا مدة صيحة واحدة «فإذا هم جميع لدينا محضرون» أي فإذا الأولون و الآخرون مجموعون في عرصات القيامة محصلون في موقف الحساب ثم حكى سبحانه ما يقوله يومئذ للخلائق فقال «فاليوم لا تظلم نفس شيئا» أي لا ينقص من له حق شيئا من حقه من الثواب أو العوض أو غير ذلك و لا يفعل به ما لا يستحقه من العقاب بل الأمور جارية على مقتضى العدل و ذلك قوله «و لا تجزون إلا ما كنتم تعملون» ثم ذكر سبحانه أولياءه فقال «إن أصحاب الجنة اليوم في شغل» شغلهم النعيم الذي شملهم و غمرهم بسروره عما فيه أهل النار من العذاب عن الحسن و الكلبي فلا يذكرونهم و لا يهتمون بهم و إن كانوا أقاربهم و قيل شغلوا بافتضاض العذارى عن ابن عباس و ابن مسعود و هو المروي عن الصادق (عليه السلام) )

قال و حواجبهن كالأهلة و أشفار أعينهن كقوادم النسور و قيل باستماع الألحان عن وكيع و قيل شغلهم في الجنة سبعة أنواع من الثواب لسبعة أعضاء فثواب الرجل بقوله ادخلوها بسلام آمنين و ثواب اليد يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها و ثواب الفرج و حور عين و ثواب البطن كلوا و اشربوا هنيئا الآية و ثواب اللسان و آخر دعويهم الآية و ثواب الأذن لا يسمعون فيها لغوا و نظائرها و ثواب العين و تلذ الأعين «فاكهون» أي فرحون عن ابن عباس و قيل ناعمون متعجبون بما هم فيه قال أبو زيد الفكه الطيب النفس الضحوك رجل فكه و فاكه و لم يسمع لهذا فعل في الثلاثي و قال أبو مسلم أنه مأخوذ عن الفكاهة فهو كناية عن الأحاديث الطيبة و قيل فاكهون ذوو فاكهة كما يقال لاحم شاحم أي ذو لحم و شحم و عاسل ذو عسل قال الحطيئة:

{و غررتني و زعمت أنك --- لابن في الصيف تأمر}

أي ذو لبن و تمر ثم أخبر سبحانه عن حالهم فقال «هم و أزواجهم» أي هم و حلائلهم في الدنيا ممن وافقهم على إيمانهم في أستار عن وهج الشمس و سمومها فهم في مثل تلك الحال الطيبة من الظلال التي لا حر فيها و لا برد و قيل أزواجهم اللاتي زوجهم الله من الحور العين «في ظلال» أشجار الجنة و قيل في ظلال تسترهم من نظر العيون إليهم «على الأرائك» و هي السرر عليها الحجال و قيل هي الوسائد «متكئون» أي جالسون جلوس الملوك إذ ليس عليهم من الأعمال شيء قال الأزهري كلما اتكىء عليه فهو أريكة و الجمع أرائك «لهم فيها» أي في الجنة «فاكهة و لهم ما يدعون» أي ما يتمنون و يشتهون قال أبو عبيدة تقول العرب ادع لي ما شئت أي تمن علي و قيل معناه إن كل من يدعي شيئا فهو له بحكم الله تعالى لأنه قد هذب طباعهم فلا يدعون إلا ما يحسن منهم قال الزجاج هو مأخوذ من الدعاء يعني أن أهل الجنة كلما يدعونه يأتيهم ثم بين سبحانه ما يشتهون فقال «سلام» أي لهم سلام و منى أهل الجنة أن يسلم الله عليهم «قولا» أي يقوله الله قولا «من رب رحيم» بهم يسمعونه من الله فيؤذنهم بدوام الأمن و السلامة مع سبوغ النعمة و الكرامة و قيل إن الملائكة يدخل عليهم من كل باب يقولون سلام عليكم من ربكم الرحيم ثم ذكر سبحانه أهل النار فقال «و امتازوا اليوم أيها المجرمون» أي يقال لهم انفصلوا معاشر العصاة و اعتزلوا من جملة المؤمنين و قيل معناه كونوا على حدة عن السدي و قيل معناه إن لكل كافر

بيتا في النار يدخل فيردم بابه لا يرى و لا يرى عن الضحاك ثم خصهم سبحانه بالتوبيخ فقال «أ لم أعهد إليكم يا بني آدم» أي أ لم آمركم على ألسنة الأنبياء و الرسل في الكتب المنزلة «ألا تعبدوا الشيطان» أي لا تطيعوا الشيطان فيما يأمركم به «إنه لكم عدو» أي و قلت لكم إن الشيطان لكم عدو «مبين» ظاهر عداوته عليكم يدعوكم إلى ما فيه هلاككم و في هذه الآية دلالة على أنه سبحانه لا يخلق عبادة الشيطان لأنه حذر من ذلك و وبخ عليه.