وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ، أي الموكلون بها إِلَّا مَلَائِكَةً، لأنهم أقوى ولعدم رقتهم لأهل النار، بخلاف ما لو كانوا آدميين، وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ، أي تعدادهم بكونهم تسعة عشر إِلَّا فِتْنَةً وامتحانا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا، حتى يتبين هل هم يؤمنون أم يضحكون من هذا العدد قائلين: "لا يكفي هذا العدد القليل لتعذيب الكثرة من الكفار والعصاة،" فإن مخلوقاته سبحانه موجبة للفتنة والامتحان، سواء كانت نعماً أو نقماً - في الدنيا أو في الآخرة - وسواء كان أصل الشيء أو خصوصياته ومزاياه. وقد ذكرنا عدد الملائكة في القرآن لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ، أي اليهود والنصارى بأن الرسول حق، حيث يرون أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أخبر بما هي في كتبهم مما لا يعلمه أحد إلا هم فقط، فإخبار إنسان لا يطلع على كتبهم ولم يسمع منهم بذلك يوجب تعيينهم بأنه حق، وإنما تعلم ذلك بالوحي، وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا بالرسول إِيمَانًا حيث يرون تصديق أهل الكتاب - الذين هم أهل الفن - للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، فيوجب ذلك زيادة إيمانهم، وَلَا يَرْتَابَ، أي لا يشك الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ في نبوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا تأكيد للجملة السابقة، فإن المؤمن قلباً من أهل الكتاب، والمؤمن ظاهراً من سائر الناس بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في معرض الشك والزوال كما هو الشأن في كل ملَكة إذا لم تقو، فإذا وُجد هذا الشاهد تقوت الملكَة ولم يكن الإنسان معرضاً للريب، وَلِيَقُولَ، اللام للعاقبة، أي أن الغاية من تعريف عدد خزنة النار أمران، الأول زيادة إيمان المؤمنين وحصول العلم لأهل الكتاب بصدق الرسول، الثاني شدة نفاق المنافق وكفر الكافر، فيقول: الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ من المنافقين وَالْكَافِرُونَ بالرسول: مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا؟ فكأنهم زعموا أن هذا العدد الخاص من باب المثل، لأنه حقيقة مطابق لعدد الموكلين بالنار، فأخذوا يستفسرون عن قصد هذا المثل، فشان المعاند حيث يستفسر حول كل كلمة من كلمات خصمه، لأن التواء قلبه يوجب أن يرى كل شيء متساوياً، ثم يأتي السياق ليبين جواب هؤلاء السائلين بقوله: كَذَلِكَ، أي ببيان الحقائق - كما بين عدد ملائكة النار - يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاء، فإنه إذا ذكر الحقيقة نفر عنها أناس، فذلك إضلال لهم، وَيَهْدِي مَن يَشَاء إذ يتعلق بالإيمان أناس آخرون، وذلك هداية لهم، فإن إضلاله وهدايته ليسا بمعنى الجبر، بل بمعنى إنزال آية أو بيان حكم يوجب الضلال والهدى ليمتحن الناس، وبمناسبة بيان عدد جنوده الموكلين بالنار جاء السياق ليقرر حقيقة عامة بقوله: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ الموكلين بكل شيء، المحافظين لكل خلق إِلَّا هُوَ سبحانه وحده، إلا إذا أعلم ذلك لبعض، فليس لأحد أن يقول أن جند كذا أكثر أو أقل مما يخبر الله سبحانه، وَمَا هِيَ، أي سقر التي تقدم الكلام حولها إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ، أي تذكرة لهم، بمعنى ذِكْرها يذكرهم بالعذاب فينقلع عن المعاصي، أو أن هذه السورة تذكرة لهم.