وإذ تقدّم الكلام عن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وعن المؤمنين به وعن المنافقين ذكر الله تعالى صفاتهم الظاهرة ليعرف بها المؤمن عن المنافق مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ظاهر الآية أنه مبتدء وخبر وَالَّذِينَ مَعَهُ من المؤمنين أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ لأن الكافر مبدئه فاسد مفسد فإذا لم يُؤخذ بالشدة لإيقافهم عند حدّه فسد وأفسد، لكن المراد بالشدة الشدة العقلائية -كما هو المتبادر منها- لا الشدة بمعنى القساوة والإفراط رُحَمَاء بَيْنَهُمْ يرحم بعضهم بعضاً، فإن أرواحهم تتلاقى بالإيمان، مما يوجب رحم بعضهم بعضاً تَرَاهُمْ أيها الرائي رُكَّعًا سُجَّدًا لكثرة صلاتهم يَبْتَغُونَ أي يلتمسون بكثرة الصلاة فَضْلًا وزيادة مِّنَ اللَّهِ ثواباً وَرِضْوَانًا يطلبون مرضاته فهؤلاء سِيمَاهُمْ علامة إيمانهم فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ كالسمة التي تحدث في جباههم من كثرة سجودهم، فهذه ثلاث صفات لهم، صفة مع الأعداء، وصفة مع المؤمنين، وصفة مع الله ذَلِكَ الوصف الذي ذُكر لهم مَثَلُهُمْ أي وصفهم فِي التَّوْرَاةِ المنزلة على موسى (عليه السلام) وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ المنزلة على عيسى (عليه السلام)، فقد وصف المؤمنون في الكتابين، بالأوصاف الثلاثة المتقدمة، ثم بيّن سبحانه حالة نموّهم وكثرتهم، من جراء تلك الأوصاف الثلاثة السابقة، فهم كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ أي فراخه فَآزَرَهُ فقوّاه، أي قوّى الزرع فراخه، إذ الفراخ يقوى قليلاً قليلاً فَاسْتَغْلَظَ ذلك الزرع، أي صار من الدقّة الى الغلظة فَاسْتَوَى واستقام ذلك الزرع بعد الغلظة عَلَى سُوقِهِ جمع ساق، فإنه كان في بدو أمره، بدون فراخ، وبدون غلظة الساق، وبدون الإستقامة، فإذا هبت ريح أمالته وربما قلعته يُعْجِبُ ذلك الزرع الزُّرَّاعَ من منظره وفراخه وغلظته وقوته وكذلك بدء المؤمنون قليلين، ثم أفرخوا فألحقوا بأنفسهم أناساً آخرين، فهم كالفراخ بالنسبة الى المؤمنين الأولين، وبذلك حصل موازرة السابقين لللاحقين، وبذلك صار الأولون أقوياء كأنهم إستغلظوا، لأن من وجد الأعوان يقوى، وحينذاك قاموا بأنفسهم أشداء، لا تخوّفهم رياح الكفر، ولا يمثل بهم أعاصير الباطل لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ اللام للعاقبة، مثل (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوّاً وحزناً)، أي كان عاقبة كونهم كالزرع الكذائي غيظ الكفار، ولعل الإتيان بهذه الصفة "غيظ الكافرين" لأجل بيان أنهم لغيظهم يكيدون للمؤمنين، مما يعطي المؤمنين تبرير قتالهم واستئصال شأفتهم، وبذلك (يُظهره على الدّين كلّه) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم إشارة الى أن كل هذه الكثرة التي إلتفّت حول الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مما هم كالزرع، ليسوا من أصحاب الجنة بل المؤمنون منهم فقط كذلك مَّغْفِرَةً غفراناً لذنوبهم وَأَجْرًا عَظِيمًا في الآخرة، فدنيا المؤمنين كزرع كذا، وآخرتهم غفران وأجر.