۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة النازعات، آية ٤

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ١٤

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَٱلنَّٰزِعَٰتِ غَرۡقٗا ١ وَٱلنَّٰشِطَٰتِ نَشۡطٗا ٢ وَٱلسَّٰبِحَٰتِ سَبۡحٗا ٣ فَٱلسَّٰبِقَٰتِ سَبۡقٗا ٤ فَٱلۡمُدَبِّرَٰتِ أَمۡرٗا ٥ يَوۡمَ تَرۡجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ ٦ تَتۡبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ ٧ قُلُوبٞ يَوۡمَئِذٖ وَاجِفَةٌ ٨ أَبۡصَٰرُهَا خَٰشِعَةٞ ٩ يَقُولُونَ أَءِنَّا لَمَرۡدُودُونَ فِي ٱلۡحَافِرَةِ ١٠ أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمٗا نَّخِرَةٗ ١١ قَالُواْ تِلۡكَ إِذٗا كَرَّةٌ خَاسِرَةٞ ١٢ فَإِنَّمَا هِيَ زَجۡرَةٞ وَٰحِدَةٞ ١٣ فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ ١٤

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ وَ النّزِعَتِ غَرْقاً (1) وَ النّشِطتِ نَشطاً (2) وَ السبِحَتِ سبْحاً (3) فَالسبِقَتِ سبْقاً (4) فَالْمُدَبِّرَتِ أَمْراً (5) يَوْمَ تَرْجُف الرّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرّادِفَةُ (7) قُلُوبٌ يَوْمَئذٍ وَاجِفَةٌ (8) أَبْصرُهَا خَشِعَةٌ (9) يَقُولُونَ أَ ءِنّا لَمَرْدُودُونَ فى الحَْافِرَةِ (10) أَ ءِذَا كُنّا عِظماً نخِرَةً (11) قَالُوا تِلْك إِذاً كَرّةٌ خَاسِرَةٌ (12) فَإِنمَا هِىَ زَجْرَةٌ وَحِدَةٌ (13) فَإِذَا هُم بِالساهِرَةِ (14)

القراءة

قرأ أهل الكوفة غير حفص و قتيبة و نصير و رويس عن يعقوب ناخرة بالألف و الباقون «نخرة» بغير ألف و روى أبو عمرو الدوري و حمدون عن الكسائي ناخرة و «نخرة» لا يبالي كيف قرأ و في الشواذ قراءة أبي حياة الحفرة بغير ألف و قرأ نافع غير قالون و يعقوب إنا لمردودون بهمزة واحدة غير ممدودة إذا كنا بغير استفهام و قرأ ابن عامر و الكسائي «أ إنا لمردودون» بهمزتين إذا كنا كما تقدم و قرأ ابن كثير إنا إذا كنا بالاستفهام فيهما بهمزة واحدة غير ممدودة و قرأ أبو عمرو بالاستفهام فيهما بهمزة ممدودة و قرأ عاصم و حمزة و خلف فيهما بهمزتين مميزتين و قد تقدم ذكر هذا مشروحا في مواضع.

الحجة

نخرة و ناخرة لغتان و قال الفراء النخرة البالية و الناخرة المجوفة قال الزجاج ناخرة أكثر و أجود لشبه أواخر الآي بعضها ببعض نحو الخاسرة و الحافرة و أما الوجه في الحفرة فهو أن يكون أراد الحافرة كقراءة الجماعة فحذف الألف تخفيفا كما في قوله:

{أصبح قلبي صردا} {لا يشتهي أن يردا} {إلا عرادا عردا}

أي عاردا

اللغة

الغرق اسم أقيم مقام المصدر و هو الإغراق يقال أغرق في النزع إذا استوفى في مد القوس و بالغ فيه و النشط النزع أيضا و منه حديث أم سلمة فجاء عمار و كان أخاها من الرضاعة و نشط زينب من حجرها أي نزعها و نشط الوحش من بلد إلى بلد إذا خرج بنشاط و الهموم تنشط بصاحبها أي تخرج به من حال إلى حال قال هميان بن قحافة:

{أمست همومي تنشط المناشطا --- الشام بي طورا و طورا واسطا}

و أنشطت العقدة حللتها و نشطتها عقدتها قالوا كأنما أنشط من عقال و الأنشوطة العقدة تنحل إذا مد طرفاها يقال ما عقاله بأنشوطة و الرجف حركة الشيء من تحت غيره بترديد و اضطراب و الرجفة الزلزلة العظيمة و أرجفوا أي أزعجوا الناس باضطراب الأمور و كل شيء

تبع شيئا فقد ردفه و أرداف النجوم تواليها يتبع بعضها بعضا و أرداف الملوك في الجاهلية الذين يخلفون الملوك و الردفان الليل و النهار و الوجيف شدة الاضطراب و قلب واجف مضطرب و الوجيف سرعة السير و أوجف في السير أسرع و أزعج الركاب فيه و الحافرة بمعنى المحفورة مثل ماء دافق أي مدفوق و قيل الحافرة الأرض المحفورة و رجع الشيخ في حافرته أي رجع من حيث جاء و ذلك كرجوع القهقرى قال:

{أحافرة على صلع و شيب --- معاذ الله من سفه و عار}

أي أ رجوعا إلى حال الشباب و أوله و يقال النقد عند الحافر أي لا يزول حافر الفرس حتى ينقد الثمن لأنه لكرامته لا يباع نسيئة ثم كثر حتى قيل في غير الحافرة.

و الساهرة وجه الأرض و العرب تسمي وجه الأرض من الفلاة ساهرة أي ذات سهر لأنه يسهر فيها خوفا منها قال أمية بن أبي الصلت:

{و فيها لحم ساهرة و بحر --- و ما فاهوا به لهم مقيم}

أي و فيها صيد البر و البحر و قال آخر:

{فإنما قصرك ترب الساهرة --- ثم تعود بعدها في الحافرة}

الإعراب

جواب القسم محذوف على تقدير ليبعثن و قبل الجواب في إن في ذلك لعبرة «يوم ترجف الراجفة» نصب باذكر و إن شئت كان نصبا بمدلول قوله «قلوب يومئذ واجفة» على تقدير يوم ترجف الراجفة رجفت قلوبهم و يكون يومئذ بدلا من «يوم ترجف الراجفة».

المعنى

«و النازعات غرقا» اختلف في معناها على وجوه ( أحدها ) أنه يعني الملائكة الذين ينزعون أرواح الكفار عن أبدانهم بالشدة كما يغرق النازع في القوس فيبلغ بها غاية المدى و روي ذلك عن علي (عليه السلام) و مقاتل و سعيد بن جبير و قال مسروق هي الملائكة تنزع نفوس بني آدم و قيل هو الموت ينزع النفوس عن مجاهد و روي ذلك عن الصادق (عليه السلام) ( و ثانيها ) أنها النجوم تنزع من أفق إلى أفق أي تطلع و تغيب عن الحسن و قتادة و أبي عبيدة و الأخفش و الجبائي قال أبو عبيدة تنزع من مطالعها و تغرق في مغاربها

( و ثالثها ) النازعات القسي تنزع بالسهم و الناشطات الأزهاق عن عطاء و عكرمة و على هذا فالقسم بفاعلها و هم الغزاة المجاهدون في سبيل الله «و الناشطات نشطا» في معناها أقوال ( أحدها ) ما ذكرناه ( و ثانيها ) أنها الملائكة تنشط أرواح الكفار بين الجلد و الأظفار حتى تخرجها من أجوافهم بالكرب و الغم عن علي (عليه السلام) و النشط الجذب يقال نشطت الدلو نشطا نزعته ( و ثالثها ) أنها الملائكة تنشط أنفس المؤمنين فتقبضها كما تنشط العقال من يد البعير إذا حل عنها عن ابن عباس و حكى الفراء هذا القول ثم قال و الذي سمعت من العرب أن يقولوا كأنما أنشط من عقال و نشطت الحبل ربطته و أنشطته حللته ( و رابعها ) أنها أنفس المؤمنين عند الموت تنشط للخروج و ذلك أنه ما من مؤمن يحضره الموت إلا عرضت عليه الجنة قبل أن يموت فيرى موضعه فيها و أزواجه من الحور العين فنفسه تنشط أن تخرج عن ابن عباس أيضا ( و خامسها ) أنها النجوم تنشط من أفق إلى أفق أي تذهب يقال حمار ناشط عن قتادة و الأخفش و الجبائي «و السابحات سبحا» فيها أقوال ( أحدها ) أنها الملائكة يقبضون أرواح المؤمنين يسلونها سلا رفيقا ثم يدعونها حتى تستريح كالسابح بالشيء في الماء يرمي به عن علي (عليه السلام) و الكلبي ( و ثانيها ) أنها الملائكة ينزلون من السماء مسرعين و هذا كما يقال للفرس الجواد سابح إذا أسرع في جريه عن مجاهد و أبي صالح ( و ثالثها ) أنها النجوم تسبح في فلكها عن قتادة و الجبائي و قيل هي خيل الغزاة تسبح في عدوها كقوله و العاديات ضبحا عن أبي مسلم و قيل هي السفن تسبح في الماء عن عطاء «فالسابقات سبقا» فيها أقوال أيضا ( أحدها ) أنها الملائكة لأنها سبقت ابن آدم بالخير و الإيمان و العمل الصالح عن مجاهد و قيل إنها تسبق الشياطين بالوحي إلى الأنبياء و قيل إنها تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة عن علي (عليه السلام) و مقاتل ( و ثانيها ) أنها أنفس المؤمنين تسبق إلى الملائكة الذين يقبضونها و قد عاينت السرور شوقا إلى رحمة الله و لقاء ثوابه و كرامته عن ابن مسعود ( و ثالثها ) أنها النجوم يسبق بعضها بعضا في السير عن قتادة و الجبائي ( و رابعها ) أنها الخيل يسبق بعضها بعضا في الحرب عن عطاء و أبي مسلم «فالمدبرات أمرا» فيها أقوال أيضا ( أحدها ) أنها الملائكة تدبر أمر العباد من السنة إلى السنة عن علي (عليه السلام) ( و ثانيها ) أن المراد بذلك جبرائيل و ميكائيل و ملك الموت و إسرافيل (عليه السلام) يدبرون أمور الدنيا فأما جبريل فموكل بالرياح و الجنود و أما ميكائيل فموكل بالقطر و النبات و أما ملك الموت فموكل بقبض الأنفس و أما إسرافيل فهو ينزل بالأمر عليهم عن عبد الرحمن بن سابط ( و ثالثها ) أنها الأفلاك يقع فيها أمر الله تعالى فيجري بها القضاء في الدنيا رواه علي بن إبراهيم أقسم الله تعالى بهذه الأشياء التي عددها و قيل تقديره و رب النازعات و ما ذكر بعدها و هذا ترك للظاهر بغير دليل.

###

و قد قال الباقر و الصادق (عليهما السلام) إن لله تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه و ليس لخلقه أن يقسموا إلا به و الوجه في ذلك أنه سبحانه يقسم بخلقه للتنبيه على موضع العبرة فيه لأن القسم يدل على عظم شأن المقسم به و جواب القسم محذوف فكأنه سبحانه أقسم فقال و هذه الأشياء لتبعثن و لتحاسبن «يوم ترجف الراجفة» يعني النفخة الأولى التي يموت فيها جميع الخلائق و الراجفة صيحة عظيمة فيها تردد و اضطراب كالرعد إذا تمخض «تتبعها الرادفة» يعني النفخة الثانية تعقب النفخة الأولى و هي التي يبعث معها الخلق و هو كقوله «و نفخ في الصور فصعق من في السماوات و من في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون» و يوم منصوب على معنى «قلوب يومئذ واجفة» يوم ترجف الراجفة و معنى الواجفة الشديدة الاضطراب أيضا و هذا معنى قول الحسن و قتادة و غيرهما و قيل معناه يوم تضطرب الأرض اضطرابا شديدا و تحرك تحركا عظيما يعني يوم القيامة تتبعها الرادفة أي اضطرابة أخرى كائنة بعد الأولى في موضع الردف من الراكب فلا تزال تضطرب حتى تفنى كلها و قال ابن عباس معنى الواجفة خائفة و المراد بذلك أصحاب القلوب يعني أنها قلقة غير هادئة و لا ساكنة لما عاينت من أهوال يوم القيامة «أبصارها خاشعة» أي ذليلة من هول ذلك اليوم قال عطاء يريد أبصار من مات على غير الإسلام «يقولون أ إنا لمردودون في الحافرة» أي يقول هؤلاء المنكرون للبعث من مشركي قريش و غيرهم في الدنيا إذا قيل لهم إنكم مبعوثون من بعد الموت أ نرد إلى أول حالنا و ابتداء أمرنا فنصير أحياء كما كنا و الحافرة عند العرب اسم لأول الشيء و ابتداء الأمر قال ابن عباس و السدي الحافرة الحياة الثانية و قيل الحافرة الأرض المحفورة و المعنى أ نرد من عبورنا بعد موتنا أحياء «أ إذا كنا عظاما نخرة» أي بالية مفتتة و المعنى أنهم أنكروا البعث فقالوا أ نرد أحياء إذا متنا و تفتت عظامنا يقال نخر العظم ينخر فهو ناخر و نخر «قالوا تلك إذا كرة خاسرة» أي قال الكفار تلك الكرة الكائنة بعد الموت كرة خسران و معناه أن أهلها خاسرون لأنهم نقلوا من نعيم الدنيا إلى عذاب النار و الخاسر الذاهب رأس ماله و إنما قالوا كرة خاسرة على معنى أنه لا يجيء منها شيء كالخسران الذي لا يجيء منه فائدة فكأنهم قالوا هي كالخسران بذهاب رأس المال لا تجيء به تجارة فكذلك لا تجيء بتلك الكرة حياة و قيل معناه إن كان الأمر على ما يقوله محمد من أنا نبعث و نعاقب فتلك كرة ذات خسران علينا ثم أعلم سبحانه سهولة البعث عليه فقال «فإنما هي» يعني النفخة الأخيرة «زجرة واحدة» أي صيحة واحدة من إسرافيل يسمعونها و هم أموات في بطون الأرض فيحيون و هو قوله «فإذا هم بالساهرة» و هي وجه الأرض و ظهرها عن الحسن و قتادة و مجاهد و غيرهم و قيل إنما سميت الأرض ساهرة لأن عملها في

النبت في الليل و النهار دائب و لذلك قيل خير المال عين خرارة في أرض خوارة تسهر إذا نمت و تشهد إذا غبت ثم صارت اسما لكل أرض و قيل المراد بذلك عرصة القيامة لأنها أول مواقف الجزاء و هم في سهر لا نوم فيه.