۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة المرسلات، آية ٣١

التفسير يعرض الآيات ٢٩ إلى ٤٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

ٱنطَلِقُوٓاْ إِلَىٰ مَا كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ٢٩ ٱنطَلِقُوٓاْ إِلَىٰ ظِلّٖ ذِي ثَلَٰثِ شُعَبٖ ٣٠ لَّا ظَلِيلٖ وَلَا يُغۡنِي مِنَ ٱللَّهَبِ ٣١ إِنَّهَا تَرۡمِي بِشَرَرٖ كَٱلۡقَصۡرِ ٣٢ كَأَنَّهُۥ جِمَٰلَتٞ صُفۡرٞ ٣٣ وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ٣٤ هَٰذَا يَوۡمُ لَا يَنطِقُونَ ٣٥ وَلَا يُؤۡذَنُ لَهُمۡ فَيَعۡتَذِرُونَ ٣٦ وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ٣٧ هَٰذَا يَوۡمُ ٱلۡفَصۡلِۖ جَمَعۡنَٰكُمۡ وَٱلۡأَوَّلِينَ ٣٨ فَإِن كَانَ لَكُمۡ كَيۡدٞ فَكِيدُونِ ٣٩ وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ٤٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

انطلِقُوا إِلى مَا كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ (29) انطلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِى ثَلَثِ شعَبٍ (30) لا ظلِيلٍ وَ لا يُغْنى مِنَ اللّهَبِ (31) إِنهَا تَرْمِى بِشرَرٍ كالْقَصرِ (32) كَأَنّهُ جِمَلَتٌ صفْرٌ (33) وَيْلٌ يَوْمَئذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (34) هَذَا يَوْمُ لا يَنطِقُونَ (35) وَ لا يُؤْذَنُ لهَُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (36) وَيْلٌ يَوْمَئذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (37) هَذَا يَوْمُ الْفَصلِ جَمَعْنَكمْ وَ الأَوّلِينَ (38) فَإِن كانَ لَكمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (39) وَيْلٌ يَوْمَئذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (40)

القراءة

قرأ رويس عن يعقوب انطلقوا الثانية بفتح اللام و الباقون من القراء على كسر اللام فيهما و قرأ أهل الكوفة غير أبي بكر جمالة بغير ألف و يعقوب «جمالات صفر» بالألف و ضم الجيم و روي ذلك عن ابن عباس و سعيد بن جبير و غيرهما و قرأ الباقون جمالات بالألف

و كسر الجيم و في الشواذ قراءة ابن عباس و سعيد بن جبير بخلاف كالقصر بفتح القاف و الصاد.

الحجة

من قرأ انطلقوا الثانية بالفتح فإنه حمل الأول على الأمر و الثاني على الخبر و جمالات جمع جمال و جمع بالألف و التاء على تصحيح البناء كما جمع على تكسيره في قولهم جمائل قال ذو الرمة:

{و قربن بالزرق الجمائل بعد ما --- تقوب عن غربان أوراكها الخطر}

و أما جمالة فإن التاء لحقت جمالا لتأنيث الجمع كما لحقت في فحل و فحالة و ذكر و ذكارة و من قرأ جمالات بالضم فهي جمع جمالة و هو القلس من قلوس سفن البحر و يقال من قلوس الجسر قال الزجاج و يجوز أن يكون جمع جمل جمال و جمالات كما قيل رخال جمع رخل و من قرأ كالقصر بفتح الصاد فهو جمع قصرة أي كأنها أعناق الإبل و قيل القصر أصول الشجر واحدتها قصرة و كذا قرأها مجاهد قال و هي خرم الشجر قال الحسن قصرة و قصر مثل جمرة و جمر و هي أصول الشجر قال و العامة يجعلونها على القصور قال ابن جني و حدثنا أبو على أن القصر هنا بمعنى القصور و قال هي بيوت من أدم كان يضربون بها إذا نزلوا على الماء.

المعنى

ثم بين سبحانه ما يقال لهم جزاء على تكذيبهم فقال «انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون» أي تقول لهم الخزنة اذهبوا و سيروا إلى النار التي كنتم تجحدونها و تكذبون بها و لا تعترفون بصحتها في الدنيا و الانطلاق الانتقال من مكان إلى مكان من غير مكث ثم ذكر الموضع الذي أمرهم بالانطلاق إليه فقال «انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب» أي نار لها ثلاث شعب سماها ظلا لسواد نار جهنم و قيل هو دخان جهنم له ثلاث شعب تحيط بالكافر شعبة تكون فوقه و شعبة عن يمينه و شعبة عن شماله و سمي الدخان ظلا كما قال أحاط بهم سرادقها أي من الدخان الآخر بالأنفاث عن مجاهد و قتادة و قيل يخرج من النار لسان فيحيط بالكافر كالسرادق فيتشعب ثلاث شعب فيكون فيها حتى يفرغ من الحساب ثم وصف سبحانه ذلك الظل فقال «لا ظليل» أي غير مانع من الأذى بستره عنه و مثله الكنين فالظليل من

الظلة و هي السترة و الكنين من الكن فظل هذا الدخان لا يغني الكفار شيئا من حر النار و هو قوله «و لا يغني من اللهب» و اللهب ما يعلو على النار إذا اضطرمت من أحمر و أصفر و أخضر يعني أنهم إذا استظلوا بذلك الظل لم يدفع عنهم حر اللهب ثم وصف سبحانه النار فقال «إنها ترمي بشرر» و هو ما يتطاير من النار في الجهات «كالقصر» أي مثله في عظمه و تخويفه تتطاير على الكافرين من كل جهة نعوذ بالله منه و هو واحد القصور من البنيان عن ابن عباس و مجاهد و العرب تشبه الإبل بالقصور قال الأخطل:

{كأنه برج رومي يشيده --- لز بجص و آجر و أحجار}

قال عنترة:

{فوقفت فيها ناقتي و كأنها --- فدن لأقضي حاجة المتلوم}

و الفدن القصر و قيل كالقصر أي كأصول الشجر العظام عن قتادة و الضحاك و سعيد بن جبير ثم شبهه في لونه بالجمالات الصفر فقال «كأنه جمالت صفر» أي كأنها أينق سود لما يعتري سوادها من الصفرة عن الحسن و قتادة قال الفراء لا ترى أسود من الإبل إلا و هو مشرب صفرة و لذلك سمت العرب سود الإبل صفراء و قيل هو من الصفرة لأن النار تكون صفراء عن الجبائي «ويل يومئذ للمكذبين» بنار هذه صفتها «هذا يوم لا ينطقون و لا يؤذن لهم فيعتذرون» قيل في معناه قولان ( أحدهما ) أنهم لا ينطقون بنطق ينتفعون به فكأنهم لم ينطقوا ( و الثاني ) أن في القيامة مواقف ففي بعضها يختصمون و يتكلمون و في بعضها يختم على أفواههم و لا يتكلمون و عن قتادة قال جاء رجل إلى عكرمة قال أ رأيت قول الله تعالى «هذا يوم لا ينطقون» و قوله ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون فقال إنها مواقف فأما موقف منها فتكلموا و اختصموا ثم ختم على أفواههم و تكلمت أيديهم و أرجلهم فحينئذ لا ينطقون و أجاز النحويون «هذا يوم لا ينطقون» بالنصب على أنه يشير إلى الجزاء و لا يشير إلى اليوم و قوله «فيعتذرون» رفع عطفا على قوله «و لا يؤذن لهم» تقديره فلا يعتذرون و لو قيل فلا يعتذروا فنصب لكان المعنى أن الإذن سبب لعذرهم و لكن المعنى لا يؤذن لهم في الاعتذار فهم لا يعتذرون «ويل يومئذ للمكذبين» بهذا الخبر «هذا يوم الفصل» بين أهل الجنة و النار و قيل هذا يوم الحكم و القضاء بين الخلق

و الانتصاف للمظلوم من الظالم و فصل القضاء يكون في الآخرة على ظاهر الأمر و باطنه بخلاف الدنيا لأن القاضي يحكم على ظاهر الأمر في الدنيا و لا يعرف البواطن «جمعناكم و الأولين» يعني مكذبي هذه الأمة مع مكذبي الأمم قبلها يجمع الله سبحانه الخلائق في يوم واحد و في صعيد واحد «فإن كان لكم كيد فكيدون» أي إن كانت لكم حيلة فاحتالوا لأنفسكم و قيل إن هذا توبيخ من الله تعالى للكفار و تقريع لهم و إظهار لعجزهم عن الدفع عن أنفسكم فضلا عن أن يكيدوا غيرهم و إنما هو على أنكم كنتم تعملون في دار الدنيا ما يغضبني فالآن عجزتم عن ذلك و حصلتم على وبال ما عملتم «ويل يومئذ للمكذبين» بهذا.