۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة المرسلات، آية ١٤

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ١٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَٱلۡمُرۡسَلَٰتِ عُرۡفٗا ١ فَٱلۡعَٰصِفَٰتِ عَصۡفٗا ٢ وَٱلنَّٰشِرَٰتِ نَشۡرٗا ٣ فَٱلۡفَٰرِقَٰتِ فَرۡقٗا ٤ فَٱلۡمُلۡقِيَٰتِ ذِكۡرًا ٥ عُذۡرًا أَوۡ نُذۡرًا ٦ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٞ ٧ فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتۡ ٨ وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتۡ ٩ وَإِذَا ٱلۡجِبَالُ نُسِفَتۡ ١٠ وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتۡ ١١ لِأَيِّ يَوۡمٍ أُجِّلَتۡ ١٢ لِيَوۡمِ ٱلۡفَصۡلِ ١٣ وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا يَوۡمُ ٱلۡفَصۡلِ ١٤ وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ١٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ وَ الْمُرْسلَتِ عُرْفاً (1) فَالْعَصِفَتِ عَصفاً (2) وَ النّشِرَاتِ نَشراً (3) فَالْفَرِقَتِ فَرْقاً (4) فَالْمُلْقِيَتِ ذِكْراً (5) عُذْراً أَوْ نُذْراً (6) إِنّمَا تُوعَدُونَ لَوَقِعٌ (7) فَإِذَا النّجُومُ طمِست (8) وَ إِذَا السمَاءُ فُرِجَت (9) وَ إِذَا الجِْبَالُ نُسِفَت (10) وَ إِذَا الرّسلُ أُقِّتَت (11) لأَى يَوْمٍ أُجِّلَت (12) لِيَوْمِ الْفَصلِ (13) وَ مَا أَدْرَاك مَا يَوْمُ الْفَصلِ (14) وَيْلٌ يَوْمَئذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (15)

القراءة

قرأ أهل الحجاز و الشام و أبو بكر و يعقوب و سهل «عذرا» ساكنة الذال أو نذرا

بضمها و روى محمد بن الحبيب عن الأعشى و البرجمي عن أبي بكر بضم الذال فيهما و محمد بن خالد عن الأعشى عذرا بسكون الذال أو نذرا بضمها مثل رواية حماد و يحيى عن أبي بكر و قرأ الباقون بسكون الذال فيهما و قرأ أبو جعفر وقتت بالواو و التخفيف و قرأ أهل البصرة غير رويس بالواو و التشديد و قرأ الباقون «أقتت» بالألف و تشديد القاف.

الحجة

قال أبو علي النذر بالتثقيل و النذير مثل النكر و النكير و هما جميعا مصدران و يجوز في النذير ضربان ( أحدهما ) أن يكون مصدرا كالنكير و عذير الحي ( و الآخر ) أن يكون فعيلا يراد به المنذر كما أن الأليم بمعنى المؤلم و يجوز تخفيف النذر على حد التخفيف في العنق و العنق و الأذن و الأذن قال أبو الحسن «عذرا أو نذرا» أي إعذارا أو إنذارا و قد خففتا جميعا و هما لغتان فأما انتصاب عذرا فعلى ثلاثة أضرب ( أحدها ) أن يكون بدلا من الذكر في قوله «فالملقيات ذكرا» ( و الآخر ) أن يكون مفعول ذكرا أي فالملقيات أن يذكر عذرا أو نذرا ( و الثالث ) أن يكون منصوبا على أنه مفعول له و يجوز في قول من ضم عذرا أو نذرا ( و الثالث ) أن يكون منصوبا على أنه مفعول له و يجوز في قول من ضم عذرا أو نذرا أن يكون عذرا جمع عاذر أو عذور و النذر جمع نذير قال حاتم:

{أ ماوي قد طال التجنب و الهجر --- و قد عذرتني في طلابكم العذر}

فيكون عذرا أو نذرا على هذا حالا من الإلقاء كأنهم يلقون الذكر في حال العذر و الإنذار و من قرأ وقتت بالواو فلان الكلمة أصلها من الوقت و من أبدل منها الهمزة فلانضمام الواو و الواو إذا انضمت أولا في نحو وجوه و وعود و ثالثة في نحو أدؤر فإنها تبدل على الاطراد همزة لكراهتهم الضمة على الواو.

المعنى

«و المرسلات عرفا» يعني الرياح أرسلت متتابعة كعرف الفرس عن ابن مسعود و ابن عباس و مجاهد و قتادة و أبي صالح فعلى هذا يكون عرفا نصبا على الحال من قولهم جاءوا إليه عرفا واحدا أي متتابعين و قيل إنها الملائكة أرسلت بالمعروف من أمر الله و نهيه و في رواية أخرى عن ابن مسعود و عن أبي حمزة الثمالي عن أصحاب علي عنه (عليه السلام) و على هذا يكون مفعولا له و قيل المراد بها الأنبياء جاءت بالمعروف و الإرسال نقيض الإمساك «فالعاصفات عصفا» يعني الرياح الشديدات الهبوب و العصوف مرور الريح بشدة

«و الناشرات نشرا» و هي الرياح التي تأتي بالمطر تنشر السحاب نشرا للغيث كما تلحقه للمطر و قيل أنها الملائكة تنشر الكتب عن الله تعالى عن أبي حمزة الثمالي و أبي صالح و قيل أنها الأمطار تنشر النبات عن أبي صالح في رواية أخرى و قيل الرياح ينشرها الله تعالى نشرا بين يدي رحمته عن الحسن و قيل الرياح تنشر السحاب في الهواء عن الجبائي «فالفارقات فرقا» يعني الملائكة تأتي بما يفرق به بين الحق و الباطل و الحلال و الحرام عن ابن عباس و أبي صالح و قيل هي آيات القرآن تفرق بين الحق و الباطل و الهدى و الضلال عن الحسن و أبي حمزة و قتادة و قيل أنها الرياح التي تفرق بين السحاب فتبدده عن مجاهد «فالملقيات ذكرا» يعني الملائكة تلقي الذكر إلى الأنبياء و تلقيه الأنبياء إلى الأمم عن ابن عباس و قتادة كأنها الحاملات للذكر الطارحات له ليأخذه من خوطب به و الإلقاء طرح الشيء على غيره «عذرا أو نذرا» أي للإعذار و الإنذار و معناه إعذارا من الله و إنذارا إلى خلقه و قيل عذرا يعتذر الله به إلى عباده في العقاب أنه لم يكن إلا على وجه الحكمة و نذرا أي إعلاما بموضوع المخافة عن الحسن و هذه أقسام ذكرها الله تعالى و قيل أقسم الله سبحانه برب هذه الأشياء عن الجبائي قال لا يجوز القسم إلا بالله سبحانه و قال غيره بل أقسم بهذه الأشياء تنبيها على عظم موقعها «إنما توعدون لواقع» هذا جواب القسم و المعنى أن الذي وعدكم الله به من البعث و النشور و الثواب و العقاب لكائن لا محالة و قيل إن الفرق بين الواقع و الكائن أن الواقع لا يكون إلا حادثا تشبيها بالحائط الواقع لأنه من أبين الأشياء في الحدوث و الكائن أعم منه لأنه بمنزلة الموجود الثابت يكون حادثا و غير حادث ثم بين سبحانه وقت وقوعه فقال «فإذا النجوم طمست» أي محيت آثارها و أذهب نورها و أزيل ضوءها «و إذا السماء فرجت» أي شقت و صدعت فصار فيها فروج «و إذا الجبال نسفت» أي قلعت من مكانها كقوله سبحانه ينسفها ربي نسفا و قيل نسفت أذهبت بسرعة حتى لا يبقى لها أثر في الأرض «و إذا الرسل أقتت» أي جمعت لوقتها و هو يوم القيامة لتشهد على الأمم و هو قوله «لأي يوم أجلت» أي أخرت و ضرب لهم الأجل لجمعهم تعجب العباد من ذلك اليوم عن إبراهيم و مجاهد و ابن زيد و قيل أقتت معناه عرفت وقت الحساب و الجزاء لأنهم في الدنيا لا يعرفون متى تكون الساعة و قيل عرفت ثوابها في ذلك اليوم و قال الصادق (عليه السلام) أقتت أي بعثت في أوقات مختلفة ثم بين سبحانه ذلك اليوم فقال «ليوم الفصل» أي يوم يفصل الرحمن بين الخلائق ثم عظم ذلك اليوم فقال «و ما أدراك ما يوم الفصل» ثم أخبر سبحانه حال من كذب به فقال «ويل يومئذ للمكذبين» هذا تهديد و وعيد إنما خص الوعيد بمن جحدوا يوم القيامة و كذب به لأن التكذيب بذلك يتبعه خصال المعاصي كلها و إن لم يذكر معه و العامل

في الظرف محذوف يدل عليه قوله «إنما توعدون لواقع» و التقدير فإذا طمست النجوم و فرجت السماء و نسفت الجبال و أقتت الرسل وقعت القيامة.