۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الإنسان، آية ١٥

التفسير يعرض الآيات ١١ إلى ٢٢

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

فَوَقَىٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمِ وَلَقَّىٰهُمۡ نَضۡرَةٗ وَسُرُورٗا ١١ وَجَزَىٰهُم بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةٗ وَحَرِيرٗا ١٢ مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِۖ لَا يَرَوۡنَ فِيهَا شَمۡسٗا وَلَا زَمۡهَرِيرٗا ١٣ وَدَانِيَةً عَلَيۡهِمۡ ظِلَٰلُهَا وَذُلِّلَتۡ قُطُوفُهَا تَذۡلِيلٗا ١٤ وَيُطَافُ عَلَيۡهِم بِـَٔانِيَةٖ مِّن فِضَّةٖ وَأَكۡوَابٖ كَانَتۡ قَوَارِيرَا۠ ١٥ قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٖ قَدَّرُوهَا تَقۡدِيرٗا ١٦ وَيُسۡقَوۡنَ فِيهَا كَأۡسٗا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا ١٧ عَيۡنٗا فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلۡسَبِيلٗا ١٨ ۞ وَيَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ وِلۡدَٰنٞ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيۡتَهُمۡ حَسِبۡتَهُمۡ لُؤۡلُؤٗا مَّنثُورٗا ١٩ وَإِذَا رَأَيۡتَ ثَمَّ رَأَيۡتَ نَعِيمٗا وَمُلۡكٗا كَبِيرًا ٢٠ عَٰلِيَهُمۡ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضۡرٞ وَإِسۡتَبۡرَقٞۖ وَحُلُّوٓاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٖ وَسَقَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ شَرَابٗا طَهُورًا ٢١ إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمۡ جَزَآءٗ وَكَانَ سَعۡيُكُم مَّشۡكُورًا ٢٢

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

فَوَقَاهُمُ اللّهُ شرّ ذَلِك الْيَوْمِ وَ لَقّاهُمْ نَضرَةً وَ سرُوراً (11) وَ جَزَاهُم بِمَا صبرُوا جَنّةً وَ حَرِيراً (12) مّتّكِئِينَ فِيهَا عَلى الأَرَائكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شمْساً وَ لا زَمْهَرِيراً (13) وَ دَانِيَةً عَلَيهِمْ ظِلَلُهَا وَ ذُلِّلَت قُطوفُهَا تَذْلِيلاً (14) وَ يُطاف عَلَيهِم بِئَانِيَةٍ مِّن فِضةٍ وَ أَكْوَابٍ كانَت قَوَارِيرَا (15) قَوَارِيرَا مِن فِضةٍ قَدّرُوهَا تَقْدِيراً (16) وَ يُسقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً (17) عَيْناً فِيهَا تُسمّى سلْسبِيلاً (18) وَ يَطوف عَلَيهِمْ وِلْدَنٌ مخَلّدُونَ إِذَا رَأَيْتهُمْ حَسِبْتهُمْ لُؤْلُؤاً مّنثُوراً (19) وَ إِذَا رَأَيْت ثمّ رَأَيْت نَعِيماً وَ مُلْكاً كَبِيراً (20) عَلِيهُمْ ثِيَاب سندُسٍ خُضرٌ وَ إِستَبرَقٌ وَ حُلّوا أَساوِرَ مِن فِضةٍ وَ سقَاهُمْ رَبهُمْ شرَاباً طهُوراً (21) إِنّ هَذَا كانَ لَكمْ جَزَاءً وَ كانَ سعْيُكم مّشكُوراً (22)

القراءة

قرأ الشعبي و عبيد بن عمير قدروها بضم القاف و القراءة المشهورة «قدروها» بفتح القاف و قرأ أهل المدينة و حمزة عاليهم ساكنة الياء و الباقون «عاليهم» بفتح الياء و قرأ أهل البصرة و أبو جعفر و ابن عامر خضر بالرفع و استبرق بالجر و قرأ ابن كثير و أبو بكر خضر بالجر و استبرق بالرفع و قرأ نافع و حسن بالرفع فيهما و قرأ حمزة و الكسائي و خلف بالجر فيهما.

الحجة

من قرأ «قدروها» بالفتح فالمعنى قدروها في أنفسهم فجاءت كما قدروها و من قرأ بالضم أراد أن ذلك قدر لهم أي قدره الله لهم كذلك قال أبو علي الضمير في «قدروها» للخزان أو الملائكة أي قدروها على ربهم لا ينقص من ذلك و لا يزيد عليه و من قرأ قدروها فهو على هذا المعنى يريد كان اللفظ قدروا عليها فحذف الجار كما حذف من قوله:

{كأنه واضح الأقراب في لقح --- أسمى بهن و عزته الأناصيل}

فلما حذف الحرف وصل الفعل فكذلك قوله قدروها إلا أن المعنى قدرت عليهم أي على ربهم فقلب كما قال:

{لا تحسبن دراهما سرقتها --- تمحو مخازيك التي بعمان}

و على هذا يتأول قوله «ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة» و مثل هذا ما حكاه أبو زيد إذا طلعت الجوزاء أوفى السود في الجرباء قال و من نصب «عاليهم» فإن النصب يحتمل أمرين

( أحدهما ) أن يكون حالا ( و الآخر ) أن يكون ظرفا فأما الحال فيحتمل أن يكون العامل فيها أحد شيئين ( أحدهما ) لقاهم ( و الآخر ) جزاهم و مثله في كونه حالا «متكئين فيها على الأرائك» فإن قلت لم لا يكون متكئين صفة جنة و فيها ذكر لها قيل لا يجوز ذلك أ لا ترى أنه لو كان كذلك للزمك أن تبرز الضمير الذي في اسم الفاعل من حيث كان صفة للجنة و ليس الفعل لها فإذا لم يجز ذلك كان حالا و كذلك قوله «و دانية عليهم ظلالها» إلا أنه يجوز في قوله «و دانية عليهم ظلالها» أمران ( أحدهما ) الحال ( و الآخر ) أن ينتصب على أنه مفعول به و يكون المعنى و جزاهم جنة و حريرا أي لبس حرير و دخول جنة و دانية عليهم ظلالها فيكون على هذا التقدير كقوله و لمن خاف مقام ربه جنتان فإن لم تحمله على هذا و قلت إنه يعرض فيه إقامة الصفة مقام الموصوف و إن ذلك ليس بالمطرح في كلامهم و إذا حملته على الحال يكون مثل ما عطفته عليه من قوله «متكئين» «و دانية عليهم» و كذلك يكون «عاليهم ثياب سندس» معطوفا على ما انتصب على الحال في السورة فيكون ثياب سندس مرتفعة باسم الفاعل و الضمير عائد إلى ذي الحال من قوله «عاليهم» و في الشواذ عاليتهم قراءة الأعمش و يكون بمنزلة قوله خاشعا أبصارهم و خاشعة أبصارهم و من جعله ظرفا فإنه لما كان عالي بمعنى فوق أجري مجراه في هذا و من قرأ عاليهم بسكون الياء جعله مبتدأ و ثياب سندس خبره و يكون عاليهم المبتدأ في موضع الجماعة كما أن الخبر جماعة و قد جاء اسم الفاعل في موضع جماعة قال:

{ألا إن جيراني العشية رائح --- دعتهم دواع من هوى و منادح}

و في التنزيل مستكبرين به سامرا تهجرون فقطع دابر القوم الذين ظلموا فكأنه أفرد من حيث جعل بمعنى المصدر من نحو قوله و لا خارجا من في زور كلام و قد قالوا الجامل و الباقر يراد بهما الكثرة و أخذ عليه البصير النحوي الملقب بجامع العلوم هذا الكلام و نسبه فيه إلى سوء التأمل و قال عاليهم بسكون الياء صفة الولدان أي يطوف عليهم ولدان عاليهم ثياب سندس فيرتفع ثياب سندس باسم الفاعل الجاري صفة على الموصوف و أقول و بالله التوفيق إني لأرى أن نظر هذا الفاضل قد اختل كما أن بصره قد اعتل فرمى أبا علي بدائه و أنسل أ لم ينظر في خاتمة هذه الآية إلى قوله سبحانه «و سقاهم ربهم شرابا طهورا» ثم قوله عقيب ذلك «إن هذا كان لكم جزاء» فيعرف أن الضمير في عاليهم هو بعينه في و سقاهم و هو ضمير المخاطبين في لكم و هذا الضمير لا يمكن أن يعود إلا إلى الأبرار

المثابين المجازين دون الولدان المخلدين الذين هم من جملة ثوابهم و جزائهم اللهم لك الحمد على تأييدك و تسديدك رجعنا إلى كلام أبي علي قال و يجوز على قياس قول أبي الحسن في قائم أخواك و إعمال اسم الفاعل عمل الفعل و إن لم يعتمد على شيء أن يكون ثياب سندس مرتفعة بعاليهم و أفردت عاليا لأنه فعل متقدم قال أبو علي و الأوجه قراءة من قال خضر بالرفع و استبرق بالجر لأن خضرا صفة مجموعة لموصوف مجموع و هو ثياب و أما استبرق فجر من حيث كان جنسا أضيفت إليه الثياب كما أضيفت إلى سندس كما يقال ثياب خز و كتان و يدل على ذلك قوله «و يلبسون ثيابا خضرا من سندس» و استبرق و من قرأ «خضر و استبرق» فإنه أجرى الخضر و هو جمع على السندس لما كان المعنى أن الثياب من هذا الجنس و أجاز أبو الحسن وصف هذه الأجناس بالجمع فقال تقول أهلك الناس الدينار الصفر و الدرهم البيض على استقباح له و من رفع استبرق فإنما أراد عطف الاستبراق على الثياب كأنه ثياب سندس و ثياب استبرق فحذف المضاف الذي هو ثياب و أقام استبرق مقامه كما إنك إذا قلت عليه خز بمعنى عليه ثوب خز و ليس المعنى أن عليه الدابة التي هي الخز و على هذا قوله:

{كان خزا تحته و قزا --- و فرشا محشوة أوزا}

اللغة

الوقاية الحفظ و المنع من الأذى وقاه يقيه وقاية و وقاه توقية قال رؤبة

أن الموقي مثل ما وقيت و منه اتقاه و توقاه و أصل الشر الظهور فهو ظهور الضرر و منه شررت الثوب إذا ظهرته للشمس أو الريح قال

و حتى أشرت بالأكف المصاحف أي أظهرت و منه شرر النار لظهوره بتطايره و النضرة حسن الألوان و نبت ناضر و نضير و نضر و السرور اعتقاد وصول المنافع إليه في المستقبل و قال قوم هو لذة في القلب فحسب متعلقة بما فيه النفع و كل سرور فلا بد له من متعلق كالسرور بالمال و الولد و السرور بالإكرام و الإجلال و السرور بالحمد و الشكر و السرور بالثواب و الأرائك الحجال فيها الأسرة واحدتها أريكة قال الزجاج الأريكة كل ما يتكأ عليه من مسورة أو غيرها و الزمهرير أشد ما يكون من البرد و الزنجبيل ضرب من القرفة طيب الطعم يحذو اللسان و يربى بالعسل و يستدفع به المضار و إذا مزج به الشراب فاق في الإلذاذ و العرب تستطيب الزنجبيل جدا قال الشاعر:

{كان القرنفل و الزنجبيل --- باتا بفيها واريا مشورا}

و السلسبيل الشراب السهل اللذيذ يقال شراب سلسل و سلسال و سلسبيل و الولدان الغلمان جمع وليد و السندس الديباج الرقيق الفاخر الحسن و الإستبرق الديباج الغليظ الذي له بريق.

الإعراب

«و إذا رأيت ثم» قال الزجاج العامل في ثم معنى رأيت و المعنى و إذا رأيت ببصرك ثم قال الفراء المعنى و إذا رأيت ما ثم و غلطه الزجاج في ذلك و قال إن ما تكون موصولة بقوله ثم على هذا التفسير و لا يجوز إسقاط الموصول و ترك الصلة و لكن رأيت يتعدى في المعنى إلى ثم و أقول يجوز أن يكون مفعول رأيت محذوفا و يكون ثم ظرفا و التقدير و إذا رأيت ما ذكرناه ثم.

المعنى

ثم أخبر سبحانه بما أعد للأبرار الموصوفين في الآيات الأولى من الجزاء فقال «فوقيهم الله شر ذلك اليوم» أي كفاهم الله و منع منهم أهوال يوم القيامة و شدائده «و لقيهم نضرة و سرورا» أي استقبلهم بذلك «و جزيهم» أي و كافأهم «بما صبروا» أي بصبرهم على طاعته و اجتناب معاصيه و تحمل محن الدنيا و شدائدها «جنة» يسكنونها «و حريرا» من لباس الجنة يلبسونه و يفرشونه «متكئين» أي جالسين جلوس الملوك «فيها» أي في الجنة «على الأرائك» أي الأسرة في الحجال عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و قيل كلما يتكأ عليه فهو أريكة عن الزجاج و قيل الأرائك الفرش فوق الأسرة عن أبي مسلم «لا يرون فيها» أي في تلك الجنة «شمسا» يتأذون بحرها «و لا زمهريرا» يتأذون ببرده «و دانية عليهم ظلالها» يعني أن أفياء أشجار تلك الجنة قريبة منهم و قيل إن ظلال الجنة لا تنسخها الشمس كما تنسخ ظلال الدنيا «و ذللت قطوفها تذليلا» أي و سخرت و سهل أخذ ثمارها تسخيرا إن قام ارتفعت بقدره و إن قعد نزلت عليه حتى ينالها و إن اضطجع تدلت حتى تنالها يده عن مجاهد و قيل معناه لا يرد أيديهم عنها بعد و لا شوك «و يطاف عليهم» أي على هؤلاء الأبرار الموصوفين قبل «بانية من فضة و أكواب» جمع كوب و هو إناء للشرب من غير عروة و قيل الأكواب الأقداح عن مجاهد «كانت» تلك الأكواب «قواريرا» أي زجاجات «من فضة» قال الصادق (عليه السلام) ينفذ البصر في فضة الجنة كما ينفذ في الزجاج و المعنى أن أصلها من فضة فاجتمع لها بياض الفضة و صفاء

###

القوارير فيرى من خارجها ما في داخلها قال أبو علي إن سئل فقيل كيف تكون القوارير من فضة و إنما القوارير من الرمل دونها فالقول في ذلك أن الشيء إذا قاربه شيء و اشتدت ملابسته له قيل أنه من كذا و إن لم يكن منه في الحقيقة كقول البعيث:

{ألا أصبحت خنساء خارمة الوصل --- و ضنت علينا و الضنين من البخل} {و صدت فأعدانا بهجر صدودها --- و هن من الأخلاف قبلك و المطل}

و قال:

{ألا في سبيل الله تغيير لمتي --- و وجهك مما في القوارير أصفر}

فعلى هذا يجوز قوارير من فضة أي هي في صفاء الفضة و نقائها و يجوز تقدير حذف المضاف أي من صفاء الفضة و قوارير الثانية بدل من الأولى و ليست بتكرار و قيل أن قوارير كل أرض من تربتها و أرض الجنة فضة فلذلك كانت قواريرها مثل الفضة عن ابن عباس «قدروها تقديرا» أي قدروا الكأس على قدر ربهم لا يزيد و لا ينقص من الري و الضمير في قدروها للسقاة و الخدم الذين يسقون فإنهم يقدرونها ثم يسقون و قيل قدروها على قدر ملء الكف أي كانت الأكواب على قدر ما اشتهوا لم تعظم و لم يثقل الكف عن حملها عن الربيع و القرظي و قيل قدروها في أنفسهم قبل مجيئها على صفة فجاءت على ما قدروا و الضمير في قدروا للشاربين «و يسقون فيها» أي في الجنة «كأسا كان مزاجها زنجبيلا» قال مقاتل لا يشبه زنجبيل الدنيا و قال ابن عباس كل ما ذكره الله في القرآن مما في الجنة و سماه ليس له مثل في الدنيا و لكن سماه الله بالاسم الذي يعرف و الزنجبيل مما كانت العرب تستطيبه فلذلك ذكره في القرآن و وعدهم أنهم يسقون في الجنة الكأس الممزوجة بزنجبيل الجنة «عينا فيها تسمى سلسبيلا» أي تمزج الخمر بالزنجبيل و الزنجبيل من عين تسمى تلك العين سلسبيلا قال ابن الأعرابي لم أسمع السلسبيل إلا في القرآن و قال الزجاج هو صفة لما كان في غاية السلاسة يعني أنها سلسلة تتسلسل في الحلق و قيل سمي سلسبيلا لأنها تسيل عليهم في الطرق و في منازلهم تنبع من أصل العرش من جنة عدن إلى أهل الجنان عن أبي العالية و مقاتل و قيل سميت بذلك لأنها ينقاد ماؤها لهم يصرفونها حيث شاءوا عن قتادة «و يطوف عليهم ولدان مخلدون» مر تفسيره «إذا رأيتهم» يعني إذا رأيت أولئك الولدان «حسبتهم لؤلؤا منثورا» من الصفاء و حسن المنظر و الكثرة فذكر لونهم و كثرتهم و قيل إنما

شبههم بالمنثور لانتثارهم في الخدمة فلو كانوا صفا لشبهوا بالمنظوم «و إذا رأيت ثم» أي إذا رميت ببصرك ثم يعني الجنة و قيل أن تقديره و إذا رأيت الأشياء ثم «رأيت نعيما» خطيرا «و ملكا كبيرا» لا يزول و لا يفنى عن الصادق (عليه السلام) و قيل كبيرا أي واسعا يعني أن نعيم الجنة لا يوصف كثرة و إنما يوصف بعضها و قيل الملك الكبير استئذان الملائكة عليهم و تحيتهم بالسلام و قيل هو أنهم لا يريدون شيئا إلا قدروا عليه و قيل هو أن أدناهم منزلة ينظر في ملكه من مسيرة ألف عام يرى أقصاه كما يرى أدناه و قيل هو الملك الدائم الأبدي في نفاذ الأمر و حصول الأماني «عاليهم ثياب سندس» من جعله ظرفا فهو بمنزلة قولك فوقهم ثياب سندس و من جعله حالا فهو بمنزلة قولك يعلوهم ثياب سندس و هو ما رق من الثياب فيلبسونها و روي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال في معناه تعلوهم الثياب فيلبسونها «خضر و استبرق» و هو ما غلظ منها و لا يراد به الغلظ في السلك إنما يراد به الثخانة في النسج قال ابن عباس أ ما رأيت الرجل عليه ثياب و الذي يعلوها أفضلها «و حلوا أساور من فضة» الفضة الشفافة و هي التي يرى ما وراءها كما يرى من البلورة و هو أفضل من الدر و الياقوت و هما أفضل من الذهب و الفضة فتلك الفضة أفضل من الذهب و الفضة في الدنيا و هما أثمان الأشياء و قيل أنهم يحلون بالذهب تارة و بالفضة أخرى ليجمعوا محاسن الحلية كما قال الله تعالى يحلون فيها من أساور من ذهب و الفضة و إن كانت دنية الثمن في الدنيا فهي في غاية الحسن خاصة إذا كانت بالصفة التي ذكرناها و الغرض في الآخرة ما يكثر الاستلذاذ و السرور به لا ما يكثر ثمنه لأنه ليست هناك أثمان «و سقاهم ربهم شرابا طهورا» أي طاهرا من الأقذار و الأقذاء لم تدنسها الأيدي و لم تدسها الأرجل كخمر الدنيا و قيل طهورا لا يصير بولا نجسا و لكن يصير رشحا في أبدانهم كريح المسك و إن الرجل من أهل الجنة يقسم له شهوة مائة رجل من أهل الدنيا و أكلهم و نهمتهم فإذا أكل ما شاء سقي شرابا طهورا فيطهر بطنه و يصير ما أكل رشحا يخرج من جلده أطيب ريحا من المسك الأذفر و يضمر بطنه و تعود شهوته عن إبراهيم التميمي و أبي قلابة و قيل يطهرهم عن كل شيء سوى الله إذ لا طاهر من تدنس بشيء من الأكوان إلا الله رووه عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) «إن هذا» يعني ما وصف من النعيم و أنواع الملاذ «كان لكم جزاء» أي مكافاة على أعمالكم الحسنة و طاعتكم المبرورة «و كان سعيكم» في مرضاة الله و قيامكم بما أمركم الله به «مشكورا» أي مقبولا مرضيا جوزيتم عليه فكأنه شكر لكم فعلكم.