۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة المدثر، آية ٤٥

التفسير يعرض الآيات ٣٢ إلى ٥٦

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

كـَلَّا وَٱلۡقَمَرِ ٣٢ وَٱلَّيۡلِ إِذۡ أَدۡبَرَ ٣٣ وَٱلصُّبۡحِ إِذَآ أَسۡفَرَ ٣٤ إِنَّهَا لَإِحۡدَى ٱلۡكُبَرِ ٣٥ نَذِيرٗا لِّلۡبَشَرِ ٣٦ لِمَن شَآءَ مِنكُمۡ أَن يَتَقَدَّمَ أَوۡ يَتَأَخَّرَ ٣٧ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡ رَهِينَةٌ ٣٨ إِلَّآ أَصۡحَٰبَ ٱلۡيَمِينِ ٣٩ فِي جَنَّٰتٖ يَتَسَآءَلُونَ ٤٠ عَنِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٤١ مَا سَلَكَكُمۡ فِي سَقَرَ ٤٢ قَالُواْ لَمۡ نَكُ مِنَ ٱلۡمُصَلِّينَ ٤٣ وَلَمۡ نَكُ نُطۡعِمُ ٱلۡمِسۡكِينَ ٤٤ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلۡخَآئِضِينَ ٤٥ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوۡمِ ٱلدِّينِ ٤٦ حَتَّىٰٓ أَتَىٰنَا ٱلۡيَقِينُ ٤٧ فَمَا تَنفَعُهُمۡ شَفَٰعَةُ ٱلشَّٰفِعِينَ ٤٨ فَمَا لَهُمۡ عَنِ ٱلتَّذۡكِرَةِ مُعۡرِضِينَ ٤٩ كَأَنَّهُمۡ حُمُرٞ مُّسۡتَنفِرَةٞ ٥٠ فَرَّتۡ مِن قَسۡوَرَةِۭ ٥١ بَلۡ يُرِيدُ كُلُّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُمۡ أَن يُؤۡتَىٰ صُحُفٗا مُّنَشَّرَةٗ ٥٢ كـَلَّاۖ بَل لَّا يَخَافُونَ ٱلۡأٓخِرَةَ ٥٣ كـَلَّآ إِنَّهُۥ تَذۡكِرَةٞ ٥٤ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُۥ ٥٥ وَمَا يَذۡكُرُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ هُوَ أَهۡلُ ٱلتَّقۡوَىٰ وَأَهۡلُ ٱلۡمَغۡفِرَةِ ٥٦

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

َكلا وَ الْقَمَرِ (32) وَ الّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33) وَ الصبْح إِذَا أَسفَرَ (34) إِنهَا لاحْدَى الْكُبرِ (35) نَذِيراً لِّلْبَشرِ (36) لِمَن شاءَ مِنكمْ أَن يَتَقَدّمَ أَوْ يَتَأَخّرَ (37) كلّ نَفْسِ بِمَا كَسبَت رَهِينَةٌ (38) إِلا أَصحَب الْيَمِينِ (39) فى جَنّتٍ يَتَساءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سلَككمْ فى سقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَك مِنَ الْمُصلِّينَ (43) وَ لَمْ نَك نُطعِمُ الْمِسكِينَ (44) وَ كنّا نخُوض مَعَ الخَْائضِينَ (45) وَ كُنّا نُكَذِّب بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتى أَتَانَا الْيَقِينُ (47) فَمَا تَنفَعُهُمْ شفَعَةُ الشفِعِينَ (48) فَمَا لهَُمْ عَنِ التّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) كَأَنّهُمْ حُمُرٌ مّستَنفِرَةٌ (50) فَرّت مِن قَسوَرَةِ (51) بَلْ يُرِيدُ كلّ امْرِىٍ مِّنهُمْ أَن يُؤْتى صحُفاً مّنَشرَةً (52) َكلا بَل لا يخَافُونَ الاَخِرَةَ (53) كلا إِنّهُ تَذْكِرَةٌ (54) فَمَن شاءَ ذَكرَهُ (55) وَ مَا يَذْكُرُونَ إِلا أَن يَشاءَ اللّهُ هُوَ أَهْلُ التّقْوَى وَ أَهْلُ المَْغْفِرَةِ (56)

القراءة

قرأ نافع و حمزة و يعقوب و خلف «إذ» بغير ألف «أدبر» بالألف و الباقون إذا بالألف دبر بغير الألف و قرأ أهل المدينة و ابن عامر مستنفرة بفتح الفاء و الباقون بكسر الفاء و في الشواذ قراءة بعضهم يرويه عن ابن كثير أنها لحد الكبر بلا همزة و قراءة سعيد بن جبير صحفا منشرة بسكون الحاء و النون.

الحجة

أبو علي قال يونس دبر انقضى و أدبر تولى قال قتادة الليل إذ أدبر إذا ولى و يقال دبر و أدبر و قال و التخفيف في «لإحدى الكبر» أن يجعل فيها الهمزة بين بين نحو سيم فأما حذف الهمزة فليس بقياس و وجه ذلك أن الهمزة حذفت حذفا كما حذفت في قوله:

{و يلمها في هواء الجو طالبها --- و لا كهذا الذي في الأرض مطلوب}

و قد جاء ذلك في مواضع من الشعر قال أبو الأسود لزياد:

{يا با المغيرة رب أمر معضل --- فرجته بالنكر مني و الدهاء}

و قال آخر:

{إن لم أقاتل فألبسوني برقعا --- و فتخات في اليدين أربعا}

و أنشد أحمد بن يحيى:

{إن كان حزن لك با فقيمة --- باعك عبدا بأخس قيمة}

و قال الفرزدق:

{و عليك إثم عطية بن الخطفي --- و إثم التي زجرتك إن لم تجهد}

قال و الكسر في «مستنفرة» أولى لقوله «فرت من قسورة» فهذا يدل على أنها هي استنفرت و يقال نفر و استنفر مثل سخر و استسخر و عجب و استعجب و من قال مستنفرة فكان القسورة استنفرتها و الرامي قال أبو عبيدة مستنفرة مذعورة و أنشد الزجاج:

{أمسك حمارك إنه مستنفر --- في إثر أحمرة عمدن لغرب}

و رويت بالكسر أيضا قال ابن سلام سألت أبا سوار العرني و كان أعرابيا فصيحا قارئا للقرآن فقلت «كأنهم حمر» ما ذا قال حمر مستنفرة طردها قسورة قلت إنما هو فرت من قسورة فقال أ فرت قلت نعم فقال «مستنفرة» قال ابن جني أما سكون الحاء من صحف فلغة تميمية و أما منشرة بسكون النون فإن العرف في الاستعمال نشرت الثوب و غيره و أنشر الله الموتى فنشروا هم قال و قد جاء عنهم أيضا نشر الله الميت قال المتنبي:

{ردت صنائعه إليه حياته --- فكأنه من نشرها منشور}

و لم نعلمهم قالوا أنشرت الثوب و نحوه إلا أنه يجوز أن يشبه بشيء و كما جاز أن يشبه

الميت بالشيء المطوي حتى قال المتنبي منشور فكذلك يجوز أن يشبه المطوي بالميت فيقال صحف منشرة أي كأنها بطيها ميتة فلما نشرت قيل منشرة.

اللغة

اليقين العلم الذي يوجد برد الثقة به في الصدر و يقال وجد فلان برد اليقين و ثلج اليقين في صدره و لذلك لا يوصف سبحانه بأنه متيقن و القسورة الأسد و قيل هم الرماة من قسره يقسره قسرا إذا قهره و أصل الفرار الانكشاف عن الشيء و منه يقال فر الفرس يفر فرا إذا كشف عن سنة و الصحف جمع الصحيفة و هي الورقة التي من شأنها أن تقلب من جهة إلى جهة لما فيها من الكتابة و منه المصحف و جمعه مصاحف.

الإعراب

«نذيرا للبشر» اختلف في وجه انتصابه فقيل نصب على الحال و هو اسم فاعل بمعنى منذر و ذو الحال الضمير في إحدى الكبر العائد إلى الهاء في أنها و هي كناية عن النار فالمعنى أنها لكبيرة في حال الإنذار و أنا ذكره لأن معناه معنى العذاب و يجوز أن يكون التذكير على قولهم امرأة طالق أي ذات طلاق و كذلك نذير بمعنى ذات إنذار و قيل هو حال يتعلق بأول السورة فكأنه قال يا أيها المدثر قم نذيرا للبشر فأنذر و قيل إن النذير هنا بمعنى الإنذار و تقديره إنذارا للبشر فيكون نصبا على المصدر لأنه لما قال «إنها لإحدى الكبر» دل على أنه أنذرهم بها إنذارا و قوله «معرضين» منصوب على الحال مما في اللام من قوله «فما لهم» من معنى الفعل و التقدير أي شيء ثبت لهم معرضين عن التذكرة «و كأنهم حمر مستنفرة» جملة في موضع الحال من معرضين و هي حال من حال أو حال بعد حال أي مشابهين حمرا.

المعنى

ثم أقسم سبحانه على عظيم ما ذكره من الوعيد فقال «كلا» أي حقا و قيل معناه ليس الأمر على ما يتوهمونه من أنهم يمكنهم دفع خزنة النار و غلبتهم «و القمر» أقسم بالظهر لما فيه من الآيات العجيبة في طلوعه و غروبه و مسيره و زيادته و نقصانه «و الليل إذ أدبر» و أقسم بالليل إذا ولى و ذهب عن قتادة و قيل أدبر إذا جاء بعد غيره و أدبر إذا ولى مدبرا فعلى هذا يكون المعنى في إذ أدبر إذا جاء الليل في أثر النهار و في إذا أدبر إذا ولى الليل فجاء الصبح عقيبة و على القول الأول فهما لغتان معناهما ولى و انقضى «و الصبح إذا أسفر» أي إذا أضاء و أنار عن قتادة و هم قسم آخر و قيل معناه إذا كشف الظلام و أضاء الأشخاص و قال قوم التقدير في هذه الأقسام و رب هذه الأشياء لأن اليمين لا يكون إلا بالله تعالى «إنها لإحدى الكبر» هذا جواب القسم يعني أن سقر التي هي النار لإحدى العظائم و الكبر جمع الكبرى و هي العظمى عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و قيل معناه أن آيات القرآن لإحدى الكبر في الوعيد «نذيرا للبشر» أي منذرا و مخوفا معلما مواضع المخافة

و النذير الحكيم بالتحذير عما ينبغي أن يحذر منه فكل نبي نذير لأنه حكيم بتحذيره عقاب الله تعالى على معاصيه و اختلف فيه فقيل إنه من صفة النار عن الحسن و قيل من صفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فكأنه قال قم نذيرا عن ابن زيد و قيل من صفة الله تعالى عن ابن رزين و على هذا يكون حالا من فعل القسم المحذوف «لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر» أي يتقدم في طاعة الله أو يتأخر عنها بالمعصية عن قتادة و المشيئة هي الإرادة فيكون المعنى أن هذا الإنذار متوجه إلى من يمكنه أن يتقي عذاب النار بأن يتجنب المعاصي و يفعل الطاعات فيقدر على التقدم و التأخر في أمره بخلاف قول أهل الجبر القائلين ما لا يطاق و قيل إنه سبحانه عبر عن الإيمان و الطاعة بالتقدم لأن صاحبه متقدم في العقول و الدرجات و عن الكفر و المعصية بالتاخير لأنه متأخر في العقول و الدرجات و روى محمد بن الفضيل عن أبي الفضل عن أبي الحسن (عليه السلام) أنه قال كل من تقدم إلى ولايتنا تأخر عن سقر و كل من تأخر عن ولايتنا تقدم إلى سقر «كل نفس بما كسبت رهينة» أي مرهونة بعملها محبوسة به مطالبة بما كسبته من طاعة أو من معصية فالرهن أخذ الشيء بأمر على أن لا يرد إلا بالخروج منه قال زهير:

{و فارقتك برهن لا فكاك له --- يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا}

فكذلك هؤلاء الضلال قد أخذوا برهن لا فكاك له و الكسب هو كل ما يجتلب به نفع أو يدفع به ضرر و يدخل فيه الفعل و أن لا يفعل ثم استثنى سبحانه أصحاب اليمين فقال «إلا أصحاب اليمين» و هم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم و قيل هم الذين يسلك بهم ذات اليمين قال قتادة غلق الناس كلهم إلا أصحاب اليمين و هم الذين لا ذنب لهم فهم ميامين على أنفسهم و قيل هم المؤمنون المستحقون للثواب عن الحسن و قيل هم الملائكة عن ابن عباس و قال الباقر (عليه السلام) نحن و شيعتنا أصحاب اليمين «في جنات يتساءلون» أي يسأل بعضهم بعضا و قيل يسائلون «عن المجرمين» أي عن حالهم و عن ذنوبهم التي استحقوا بها النار «ما سلككم في سقر» هذا سؤال توبيخ أي تطلع أهل الجنة على أهل النار فيقولون لهم ما أوقعكم في النار «قالوا لم نك من المصلين» أي كنا لا نصلي الصلاة المكتوبة على ما قررها الشرع و في هذا دلالة على أن الإخلال بالجواب يستحق به الذم و العقاب لأنهم علقوا استحقاقهم العقاب بالإخلال في الصلاة و فيه دلالة أيضا على أن الكفار مخاطبون بالعبادات الشرعية لأنه حكاية عن الكفار بدلالة قوله «و كنا نكذب بيوم الدين» و قوله «و لم نك

###

نطعم المسكين» معناه لم نك نخرج الزكوات التي كانت واجبة علينا و الكفارات التي وجب دفعها إلى المساكين و هم الفقراء «و كنا نخوض مع الخائضين» أي كلما غوى غاو بالدخول في الباطل غوينا معه عن قتادة و المعنى كنا نلوث أنفسنا بالمرور في الباطل كتلويث الرجل بالخوض فلما كان هؤلاء يجرون مع من يكذب بالحق مشيعين لهم في القول كانوا خائضين معهم «و كنا نكذب بيوم الدين» مع ذلك أي نجحد يوم الجزاء و هو يوم القيامة و الجزاء هو الإيصال إلى كل من له شيء أم عليه شيء ما يستحقه فيوم الدين هو يوم أخذ المستحق بالعدل «حتى أتينا اليقين» أي أتانا الموت على هذه الحالة و قيل حتى جاءنا العلم اليقين من ذلك بأن عايناه «فما تنفعهم شفاعة الشافعين» أي شفاعة الملائكة و النبيين كما نفعت الموحدين عن ابن عباس في رواية عطاء و قال الحسن لم تنفعهم شفاعة ملك و لا شهيد و لا مؤمن و يعضد هذا الإجماع على أن عقاب الكفر لا يسقط بالشفاعة و قد صحت الرواية عن عبد الله بن مسعود قال يشفع نبيكم (صلى الله عليه وآله وسلم) رابع أربعة جبريل ثم إبراهيم ثم موسى أو عيسى ثم نبيكم (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يشفع أحد أكثر مما يشفع فيه نبيكم (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم النبيون ثم الصديقون ثم الشهداء و يبقى قوم في جهنم فيقال لهم «ما سلككم في سقر» إلى قوله «فما تنفعهم شفاعة الشافعين» قال ابن مسعود فهؤلاء الذين يبقون في جهنم و عن الحسن عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال يقول الرجل من أهل الجنة يوم القيامة أي رب عبدك فلان سقاني شربة من ماء في الدنيا فشفعني فيه فيقول اذهب فأخرجه من النار فيذهب فيتجسس في النار حتى يخرجه منها و قال (صلى الله عليه وآله وسلم) إن من أمتي من سيدخل الله الجنة بشفاعته أكثر من مضر «فما لهم عن التذكرة معرضين» أي أي شيء لهم و لم أعرضوا و تولوا عن القرآن فلم يؤمنوا به و التذكرة التذكير بمواعظ القرآن و المعنى لا شيء لهم في الآخرة إذا أعرضوا عن القرآن و نفروا عنه «كأنهم حمر مستنفرة» أي كأنهم حمر وحشية نافرة «فرت من قسورة» يعني الأسد عن عطاء و الكلبي قال ابن عباس الحمر الوحشية إذا عاينت الأسد هربت منه كذلك هؤلاء الكفار إذا سمعوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقرأ القرآن هربوا منه و قيل القسورة الرماة و رجال القنص عن ابن عباس بخلاف و الضحاك و مقاتل و مجاهد و قال سعيد بن جبير هم القناص «بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفا منشرة» أي كتبا من السماء تنزل إليهم بأسمائهم أن آمنوا بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الحسن و قتادة و ابن زيد و قيل معناه أنهم يريدون صحفا من الله تعالى بالبراءة من العقوبة و إسباغ النعمة حتى يؤمنوا و إلا قاموا على كفرهم و قيل يريد كل واحد منهم أن يكون رسولا يوحى إليه متبوعا و أنف من

أن يكون تابعا و قيل هو تفسيرها ما ذكره الله تعالى في قوله و لن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه فقال سبحانه «كلا» أي حقا ليس الأمر على ما قالوا و لا يكون كذلك «بل لا يخافون الآخرة» بجحدهم صحتها و لو خافوا عذاب الآخرة لما اقترحوا الآيات بعد قيام الدلالات و المعجزات «كلا» أي حقا «إنه تذكرة» أي إن القرآن تذكير و موعظة «فمن شاء ذكره» أي اتعظ به لأنه قادر عليه «و ما يذكرون إلا أن يشاء الله» هذه المشيئة غير الأولى إذ لو كانت واحدة لتناقض فالأولى مشيئة اختيار و الثانية مشيئة إكراه و إجبار و المعنى أن هؤلاء الكفار لا يذكرون إلا أن يجبرهم الله تعالى على ذلك و قيل معناه إلا أن يشاء الله من حيث أمر به و نهى عن تركه و وعد الثواب على فعله و أوعد بالعقاب إن لم تفعله فكانت مشيئته سابقة أي لا تشاءون إلا و الله قد شاء ذلك «هو أهل التقوى و أهل المغفرة» أي هو أهل أن يتقي محارمه و أهل أن يغفر الذنوب عن قتادة و روي مرفوعا عن أنس قال إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تلا هذه الآية فقال قال الله سبحانه أنا أهل أن أتقى فلا يجعل معي إليه فمن اتقى أن يجعل معي إلها فأنا أهل أن أغفر له و قيل معناه و هو أهل أن يتقى عقابه و أهل أن يعمل له بما يؤدي إلى مغفرته.