۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الجن، آية ٥

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ١٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

قُلۡ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسۡتَمَعَ نَفَرٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَقَالُوٓاْ إِنَّا سَمِعۡنَا قُرۡءَانًا عَجَبٗا ١ يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلرُّشۡدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦۖ وَلَن نُّشۡرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدٗا ٢ وَأَنَّهُۥ تَعَٰلَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا ٱتَّخَذَ صَٰحِبَةٗ وَلَا وَلَدٗا ٣ وَأَنَّهُۥ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى ٱللَّهِ شَطَطٗا ٤ وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا ٥ وَأَنَّهُۥ كَانَ رِجَالٞ مِّنَ ٱلۡإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٖ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَزَادُوهُمۡ رَهَقٗا ٦ وَأَنَّهُمۡ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمۡ أَن لَّن يَبۡعَثَ ٱللَّهُ أَحَدٗا ٧ وَأَنَّا لَمَسۡنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدۡنَٰهَا مُلِئَتۡ حَرَسٗا شَدِيدٗا وَشُهُبٗا ٨ وَأَنَّا كُنَّا نَقۡعُدُ مِنۡهَا مَقَٰعِدَ لِلسَّمۡعِۖ فَمَن يَسۡتَمِعِ ٱلۡأٓنَ يَجِدۡ لَهُۥ شِهَابٗا رَّصَدٗا ٩ وَأَنَّا لَا نَدۡرِيٓ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ أَرَادَ بِهِمۡ رَبُّهُمۡ رَشَدٗا ١٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ قُلْ أُوحِىَ إِلىّ أَنّهُ استَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الجِْنِّ فَقَالُوا إِنّا سمِعْنَا قُرْءَاناً عجَباً (1) يهْدِى إِلى الرّشدِ فَئَامَنّا بِهِ وَ لَن نّشرِك بِرَبِّنَا أَحَداً (2) وَ أَنّهُ تَعَلى جَدّ رَبِّنَا مَا اتخَذَ صحِبَةً وَ لا وَلَداً (3) وَ أَنّهُ كانَ يَقُولُ سفِيهُنَا عَلى اللّهِ شططاً (4) وَ أَنّا ظنَنّا أَن لّن تَقُولَ الانس وَ الجِْنّ عَلى اللّهِ كَذِباً (5) وَ أَنّهُ كانَ رِجَالٌ مِّنَ الانسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجِْنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً (6) وَ أَنهُمْ ظنّوا كَمَا ظنَنتُمْ أَن لّن يَبْعَث اللّهُ أَحَداً (7) وَ أَنّا لَمَسنَا السمَاءَ فَوَجَدْنَهَا مُلِئَت حَرَساً شدِيداً وَ شهُباً (8) وَ أَنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنهَا مَقَعِدَ لِلسمْع فَمَن يَستَمِع الاَنَ يجِدْ لَهُ شهَاباً رّصداً (9) وَ أَنّا لا نَدْرِى أَ شرّ أُرِيدَ بِمَن فى الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بهِمْ رَبهُمْ رَشداً (10)

القراءة

قرأ أبو جعفر «قل أوحي إلي أنه استمع» بفتح الألف و لم يختلفوا فيه ثم قرأ في الآية الثالثة و «أنه تعالى» بالفتح و في الرابعة «و أنه كان يقول» بالفتح و في السادسة «و أنه كان رجال» بالفتح و يقرأ ما سواها بالكسر إلا قوله «و أن لو استقاموا» «و أن المساجد لله» «و أنه لما قام» فإنه يقرأ هذه الثلاثة بالفتح و قال الرواة عنه ما كان مردودا على الوحي فهو أنه بالفتح و ما كان من قول الجن فهو بالكسر و هذا قول غير مستقيم على قراءته و يمكن أن يكون قد وقع خلل في روايته و قرأ ابن عامر و أهل الكوفة غير أبي بكر بالفتح من قوله أنه تعالى إلى قوله و أنا منا المسلمون و قرأ الباقون كله بالكسر إلا قوله «و أن لو استقاموا» «و أن المساجد» فإنهما بالفتح لم يختلفوا فيه و قرأ نافع و عاصم برواية أبي بكر و إنه لما قام بالكسر و الباقون بالفتح و قرأ يعقوب أن لن تقول بتشديد الواو و فتحها و فتح القاف و روي ذلك عن الجحدري و الحسن و الباقون «أن لن تقول» بالتخفيف و في الشواذ قراءة جوية بن عابد قل أحي إلي على وزن فعل.

الحجة

قال أبو علي أما قوله «أن لو استقاموا» فإنه يجوز فيه أمران ( أحدهما ) أن تكون أن المخففة من الثقيلة فيكون محمولا على الوحي كأنه أوحي إلي أن لو استقاموا و فصل لو بينها و بين الفعل كفصل السين و لا في قوله «أ فلا يرون أن لا يرجع» و علم أن سيكون ( و الآخر ) أن يكون أن قبل لو بمنزلة اللام في قوله «لئن لم ينته المنافقون» إلى قوله «لنغرينك بهم» و قوله «لئن لم يرحمنا ربنا و يغفر لنا لنكونن من الخاسرين» فتلحق مرة و تسقط أخرى لأن لو بمنزلة فعل الشرط فكما لحقت اللام زائدة قبل أن الداخلة على الشرط كذلك لحقت أن هذه قبل لو و معنى أن لو استقاموا على الطريقة قد قيل فيه قولان ( أحدهما ) لو استقاموا على طريقة الهدى ( و الآخر ) لو استقاموا على الطريقة الكفر

و يستدل على القول الأول بقوله تعالى «و لو أنهم أقاموا التوراة و الإنجيل و ما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم» و قوله «و لو أن أهل القرى آمنوا و اتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء و الأرض» و يستدل على الآخر بقوله تعالى «و لو لا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة» و أما قوله «و إن المساجد لله» فزعم سيبويه أن المفسرين حملوه على أوحي كأنه و أوحي إلي أن المساجد لله و مذهب الخليل أنه على قوله و لأن المساجد لله فلا تدعوا كما أن قوله «و إن هذه أمتكم» على قوله و لأن هذه أمتكم أمة واحدة و أنا ربكم فاعبدون أي لهذا فاعبدون و مثله في قول الخليل لإيلاف قريش كأنه قال لهذا فليعبدوا قال سيبويه و لو قرأ و إن المساجد بالكسر لكان جيدا فأما قوله «و أنه لما قام عبد الله» فإنه على «أوحي إلي» و يكون أن يقطع من قوله «أوحي» و يستأنف به كما جوز سيبويه القطع من أوحي في قوله و إن المساجد لله و على هذا يحمل قراءة من كسر إن من قوله «و أنه لما قام عبد الله» و من قرأ كل ذلك بالفتح فإنه للحمل على أوحي و يجوز أن يكون على غيره كما حمل المفسرون و أن المساجد لله على الوحي و حمله الخليل على ما ذكرناه عنه فأما ما جاء من ذلك بعد قول فحكاية كما حكى قوله «قال الله إني منزلها عليكم» و كذلك ما بعد فاء الجزاء لأن ما بعد فاء الجزاء موضع ابتداء و لذلك حمل سيبويه و من عاد فينتقم الله منه و من كفر فأمتعه فمن يؤمن بربه فلا يخاف على أن الابتداء فيها مضمر و مثل ذلك في هذه السورة و من يعص الله و رسوله فإن له نار جهنم و من قرأ لن تقول فيكون قوله «كذبا» منصوبا على المصدر من غير حذف موصوف و ذلك أن لن تقول في معنى تكذب فجرى مجرى تبسمت و ميض البرق فإنه منصوب بفعل مضمر دل عليه تبسمت أي أو مضت فكأنه قال إن لن تكذب الإنس و الجن على الله كذبا قال ابن جني و من رأى أن ينتصب وميض البرق بنفس تبسمت لأنه في معنى أومضت أيضا كذبا بنفس تقول لأنه بمعنى كذب و من قرأ «أن لن تقول» على وزن تقوم فإن كذبا وصف مصدر محذوف أي قولا كذبا فكذبا هاهنا وصف لا مصدر كما في قوله «و جاءوا على قميصه بدم كذب» أي كاذب فإن جعلته هاهنا مصدرا نصبته نصب المفعول به أي لن تقول كذبا كقولك قلت حقا و قلت شعرا و لا يحسن أن تجعله مع تقول وصفا أي تقول تقولا كذبا لأن التقول لا يكون إلا كذبا فلا فائدة فيه و من قرأ أحي فهو من وحيت إليه بمعنى أوحيت و أصله وحي فلما انضمت الواو ضما لازما همزت و نحوه و إذا الرسل أقتت أي وقتت قال العجاج

وحي لها القرار فاستقرت.

اللغة

الجد أصله القطع و منه الجد العظمة لانقطاع كل عظمة عنها لعلوها عليه و منه الجد أبو الأب لانقطاعه بعلو أبوته و كل من فوقه لهذا الولد أجداد و الجد الحظ لانقطاعه بعلو شأنه و الجد خلاف الهزل لانقطاعه عن السخف و منه الجديد لأنه حديث عهد بالقطع في غالب الأمر و الرهق لحاق الإثم و أصله اللحوق و منه راهق الغلام إذا لحق حال الرجال قال الأعشى:

{لا شيء ينفعني من دون رؤيتها --- هل يشتفي وامق ما لم يصب رهقا}

أي لم يغش إثما.

الإعراب

حرسا منصوب على التمييز و هو جمع حارس و يجوز أن يكون جمع حرسي فيكون مثل عربي و عرب و شديدا مذكر محمول على اللفظ و يمكن أن يكون على النسبة أي ذات شدة و مقاعد نصب لأنه ظرف مكان.

«أ شر أريد» مبتدأ و خبر و إنما جاز أن تكون النكرة مبتدأ من غير تخصيص لأجل همزة الاستفهام كما يجوز ذلك بعد حرف النفي لأن كليهما يفيد معنى العموم.

المعنى

أمر سبحانه نبيه محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يخبر قومه بما لم يكن لهم به علم فقال «قل» يا محمد «أوحي إلي» إنما ذكره على لفظ ما لم يسم فاعله تفخيما و تعظيما و الله سبحانه أوحى إليه و أنزل الملك عليه «أنه استمع نفر من الجن» أي استمع القرآن طائفة من الجن و هم جيل رقاق الأجسام خفيفة على صورة مخصوصة بخلاف صورة الإنسان و الملائكة فإن الملك مخلوق من النور و الإنس من الطين و الجن من النار «فقالوا» أي قالت الجن بعضها لبعض «إنا سمعنا قرآنا عجبا» و العجب ما يدعو إلى التعجب منه لخفاء سببه و خروجه عن العادة في مثله فلما كان القرآن قد خرج بتأليفه المخصوص عن العادة في الكلام و خفي سببه عن الأنام كان عجبا لا محالة و أيضا فإنه مباين لكلام الخلق في

###

المعنى و الفصاحة و النظام لا يقدر أحد على الإتيان بمثله و قد تضمن أخبار الأولين و الآخرين و ما كان و ما يكون أجراه الله على يد رجل أمي من قوم أميين فاستعظموه و سموه عجبا «يهدي إلى الرشد» أي يدل على الهدى و يدعو إليه و الرشد ضد الضلال «فآمنا به» أي صدقنا بأنه من عند الله «و لن نشرك» فيما بعد «بربنا أحدا» فنوجه العبادة إليه بل نخلص العبادة لله تعالى و المعنى أنا قد بدأنا بأنفسنا فقبلنا الرشد و الحق و تركنا الشرك و اعتقدنا التوحيد و في هذا دلالة على أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان مبعوثا إلى الجن و الإنس و على أن الجن عقلاء مخاطبون و بلغات العرب عارفون و على أنهم يميزون بين المعجز و غير المعجز و أنهم دعوا قومهم إلى الإسلام و أخبروهم بإعجاز القرآن و أنه كلام الله تعالى لأن كلام العباد لا يتعجب منه و روى الواحدي بإسناده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال ما قرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على الجن و ما رآهم انطلق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ و قد حيل بين الشياطين و بين خبر السماء فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا ما لكم قالوا حيل بيننا و بين خبر السماء و أرسلت علينا الشهب قالوا ما ذاك إلا من شيء حدث فاضربوا مشارق الأرض و مغاربها فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و هو بنخل عامدين إلى سوق عكاظ و هو يصلي بأصحابه صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن استمعوا له و قالوا هذا الذي حال بيننا و بين خبر السماء فرجعوا إلى قومهم و قالوا «إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به و لن نشرك بربنا أحدا» فأوحى الله تعالى إلى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) «قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن» و رواه البخاري و مسلم أيضا في الصحيح و عن علقمة بن قيس قال قلت لعبد الله بن مسعود من كان منكم مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليلة الجن فقال ما كان منا معه أحد فقدناه ذات ليلة و نحن بمكة فقلنا اغتيل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أو استطير فانطلقنا نطلبه من الشعاب فلقيناه مقبلا من نحو حراء فقلنا يا رسول الله أين كنت لقد أشفقنا عليك و قلنا له بتنا الليلة بشر ليلة بات بها قوم حين فقدناك فقال لنا أنه أتاني داعي الجن فذهبت أقرئهم القرآن فذهب بنا فأرانا آثارهم و آثار نيرانهم فأما أن يكون صحبه منا أحد فلم يصحبه و عن أبي روق قال هم تسعة نفر من الجن قال أبو حمزة الثمالي و بلغنا أنهم من بني الشيصبان هم أكثر الجن عددا و هم عامة جنود إبليس و قيل كانوا سبعة نفر من جن نصيبين رآهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فآمنوا به و أرسلهم إلى سائر الجن «و أنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة و لا ولدا» الاختيار كسر إن لأنه من قول الجن لقومهم و هو معطوف على قوله «قالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا» أي و قالوا تعالى جد ربنا و قال الفراء من فتح فتقديره فآمنا به و آمنا بأنه تعالى جد ربنا و كذلك كل ما كان بعده ففتح أن بوقوع الإيمان عليه و المعنى تعالى جلال ربنا و عظمته عن اتخاذ الصحابة و الولد عن الحسن

و مجاهد و قيل معناه تعالت صفات الله التي هي له خصوصا و هي الصفات العالية التي ليست للمخلوقين عن أبي مسلم و قيل معناه جل ربنا في صفاته فلا تجوز عليه صفات الأجسام و الأعراض عن الجبائي و قيل تعالى قدرة ربنا عن ابن عباس و قيل تعالى ذكره عن مجاهد و قيل فعله و أمره عن الضحاك و قيل علا ملك ربنا عن الأخفش و قيل تعالى آلاؤه و نعمه على الخلق عن القرظي و الجميع يرجع إلى معنى واحد و هو العظمة و الجلال على ما تقدم ذكرهما و منه قول أنس بن مالك كان الرجل إذا قرأ سورة البقرة جد في أعيننا أي عظم و قال الربيع بن أنس أنه قال ليس لله تعالى جد و إنما قالته الجن بجهالة فحكاه سبحانه كما قالت و روي ذلك عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) و أبي عبد الله (عليه السلام) «و أنه كان يقول سفيهنا» أي جاهلنا «على الله شططا» أرادوا بسفيههم إبليس عن مجاهد و قتادة و الشطط السرف في ظلم النفس و الخروج عن الحق فاعترفوا بأن إبليس كان يخرج عن الحد في إغواء الخلق و دعائهم إلى الضلال و قيل شططا أي قولا بعيدا من الحق و هو الكذب في التوحيد و العدل «و أنا ظننا أن لن تقول الإنس و الجن على الله كذبا» اعترفوا بأنهم ظنوا أن لن يقول أحد من الإنس و الجن كذبا على الله في اتخاذ الشريك معه و الصاحبة و الولد أي حسبنا أن ما يقولونه من ذلك صدق و أنا على حق حتى سمعنا القرآن و تبينا الحق به و في هذا دلالة على أنهم كانوا مقلدة حتى سمعوا الحجة و انكشف لهم الحق فرجعوا عما كانوا عليه و في إشارة إلى بطلان التقليد و وجوب اتباع الدليل «و أنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن» أي يعتصمون و يستجيرون و كان الرجل من العرب إذا نزل الوادي في سفره ليلا قال أعوذ بعزيز هذا الوادي من شر سفهاء قومه عن الحسن و مجاهد و قتادة و كان هذا منهم على حسب اعتقادهم أن الجن تحفظهم قال مقاتل و أول من تعوذ بالجن قوم من اليمن ثم بنو حنيفة ثم فشا في العرب و قيل معناه و أنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من أجل الجن و من معرة الجن عن البلخي قال لأن الرجال لا تكون إلا في الناس و قال الأولون في الجن رجال مثل ما في الناس «فزادوهم رهقا» أي فزاد الجن الإنس إثما على إثمهم الذي كانوا عليه من الكفر و المعاصي عن ابن عباس و قتادة و قيل رهقا أي طغيانا عن مجاهد و قيل فرقا و خوفا عن الربيع و ابن زيد و قيل شرا عن الحسن و قيل زادوهم ذلة و ضعفا قال الزجاج يجوز أن يكون الإنس الذين كانوا يستعيذون بالجن زادوا الجن رهقا و ذلك أن الجن كانوا يزدادون طغيانا في قومهم بهذا التعوذ فيقولون سدنا الإنس و الجن و يجوز أن يكون الجن زاد الإنس رهقا «و أنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا» قيل معناه قال مؤمنوا الجن لكفارهم

إن كفار الإنس الذين يعوذون برجال من الجن في الجاهلية حسبوا كما حسبتم يا معشر الجن أن لن يبعث الله رسولا بعد موسى أو عيسى و وراء هذا أن الجن مع تمردهم و عتوهم لما سمعوا القرآن آمنوا و اهتدوا به فأنتم معاشر العرب أولى بالتفكر و التدبر لتؤمنوا و تهتدوا مع أن الرسول من جنسكم و لسانه لسانكم و قيل إن هذه الآية مع ما قبلها اعتراض من إخبار الله تعالى يقول إن الجن ظنوا كما ظننتم معاشر الإنس أن الله لا يحشر أحدا يوم القيامة و لا يحاسبه عن الحسن و قيل يعني لن يبعث الله أحدا رسولا عن قتادة ثم حكى عن الجن قولهم «و أنا لمسنا السماء» أي مسسناها و قيل معناه طلبنا الصعود إلى السماء فعبر عن ذلك باللمس مجازا عن الجبائي و قيل التمسنا قرب السماء لاستراق السمع عن أبي مسلم «فوجدناها ملئت حرسا شديدا» أي حفظة من الملائكة شدادا «و شهبا» و التقدير ملئت السماء من الحرس و الشهب و هو جمع شهاب و هو نور يمتد من السماء كالنار «و أنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع» أي لاستراق السمع أي كان يتهيأ لنا فيما قبل القعود في مواضع الاستماع فنسمع منها صوت الملائكة و كلامهم «فمن يستمع» منا «الآن» ذلك «يجد له شهابا رصدا» يرمى به و يرصد له و شهبا مفعول به و رصدا صفته قال معمر قلت للزهري أ كان يرمى بالنجوم في الجاهلية قال نعم قلت أ فرأيت قوله «إنا كنا نقعد منها» الآية قال غلظ و شدد أمرها حين بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال البلخي إن الشهب كانت لا محالة فيما مضى من الزمان غير أنه لم يكن يمنع بها الجن عن صعود السماء فلما بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) منع بها الجن من الصعود «و أنا لا ندري أ شر أريد بمن في الأرض» أي بحدوث الرجم بالشهب و حراسة السماء جوزوا هجوم انقطاع التكليف أو تغيير الأمر بتصديق نبي من الأنبياء و ذلك قوله «أم أراد بهم ربهم رشدا» أي صلاحا و قيل معناه إن هذا المنع لا يدري العذاب سينزل بأهل الأرض أم لنبي يبعث و يهدي إلى الرشد فإن مثل هذا لا يكون إلا لأحد هذين الأمرين و سمي العذاب شرا لأنه مضرة و سمي بعثة الرسول رشدا لأنه منفعة.