۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الجن، آية ٢١

التفسير يعرض الآيات ٢١ إلى ٢٨

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

قُلۡ إِنِّي لَآ أَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا رَشَدٗا ٢١ قُلۡ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٞ وَلَنۡ أَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلۡتَحَدًا ٢٢ إِلَّا بَلَٰغٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَٰلَٰتِهِۦۚ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ٢٣ حَتَّىٰٓ إِذَا رَأَوۡاْ مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعۡلَمُونَ مَنۡ أَضۡعَفُ نَاصِرٗا وَأَقَلُّ عَدَدٗا ٢٤ قُلۡ إِنۡ أَدۡرِيٓ أَقَرِيبٞ مَّا تُوعَدُونَ أَمۡ يَجۡعَلُ لَهُۥ رَبِّيٓ أَمَدًا ٢٥ عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ فَلَا يُظۡهِرُ عَلَىٰ غَيۡبِهِۦٓ أَحَدًا ٢٦ إِلَّا مَنِ ٱرۡتَضَىٰ مِن رَّسُولٖ فَإِنَّهُۥ يَسۡلُكُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ رَصَدٗا ٢٧ لِّيَعۡلَمَ أَن قَدۡ أَبۡلَغُواْ رِسَٰلَٰتِ رَبِّهِمۡ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيۡهِمۡ وَأَحۡصَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ عَدَدَۢا ٢٨

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

قُلْ إِنى لا أَمْلِك لَكمْ ضرّا وَ لا رَشداً (21) قُلْ إِنى لَن يجِيرَنى مِنَ اللّهِ أَحَدٌ وَ لَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً (22) إِلا بَلَغاً مِّنَ اللّهِ وَ رِسلَتِهِ وَ مَن يَعْصِ اللّهَ وَ رَسولَهُ فَإِنّ لَهُ نَارَ جَهَنّمَ خَلِدِينَ فِيهَا أَبَداً (23) حَتى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسيَعْلَمُونَ مَنْ أَضعَف نَاصِراً وَ أَقَلّ عَدَداً (24) قُلْ إِنْ أَدْرِى أَ قَرِيبٌ مّا تُوعَدُونَ أَمْ يجْعَلُ لَهُ رَبى أَمَداً (25) عَلِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً (26) إِلا مَنِ ارْتَضى مِن رّسولٍ فَإِنّهُ يَسلُك مِن بَينِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصداً (27) لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسلَتِ رَبهِمْ وَ أَحَاط بِمَا لَدَيهِمْ وَ أَحْصى كلّ شىْءٍ عَدَدَا (28)

القراءة

قرأ يعقوب ليعلم بضم الياء و الباقون «ليعلم» بفتح الياء و المعنيان متقاربان.

اللغة

الملتحد الملتجأ بالميل إلى جهة و الرصد جمع راصد و هو الحافظ.

الإعراب

بلاغا منصوب لأنه بدل من ملتحد أي لن أجد ملجأ إلا أن أبلغ عن الله ما أرسلني به فهو ملجإي و رسالاته منصوبة بالعطف على محذوف و التقدير إلا بلاغا من الله و آياته و رسالاته قوله «من أضعف ناصرا» جملة من مبتدإ و خبر هي تعليق و ناصرا نصب على التمييز و كذلك قوله «عددا» و قوله «أ قريب ما توعدون» الاستفهام مع ما في حيزه تعليق «إلا من ارتضى» يجوز أن يكون من مبتدأ و قوله «فإنه يسلك» خبره و يجوز أن يكون استثناء منقطعا و عددا انتصابه على ضربين ( أحدهما ) على معنى و أحصى كل شيء في حال العدد فلم يخف عليه سقوط ورقة و لا حبة و لا رطب و لا يابس ( و الآخر ) أن يكون في موضع المصدر لأن معناه و عد كل شيء عددا عن الزجاج.

المعنى

ثم خاطب سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال «قل» يا محمد للمكلفين «إني لا أملك لكم ضرا و لا رشدا» أي لا أقدر على دفع الضرر عنكم و لا إيصال الخير إليكم و إنما القادر على ذلك هو الله تعالى و لكني رسول ليس علي إلا البلاغ و الدعاء إلى الدين و الهداية إلى الرشاد و هذا اعتراف بالعبودية و إضافة الحول و القوة إليه تعالى ثم قال «قل» لهم يا محمد «إني لن يجيرني من الله أحد» أي لا يمنعني أحد مما قدره الله علي «و لن أجد من دونه» أي من دون الله «ملتحدا» أي ملتجأ إليه أطلب به السلامة «إلا بلاغا من الله» أي تبليغا من الله آياته «و رسالاته» فإنه ملجإي و منجاي و ملتحدي و لي فيه الأمن و النجاة عن الحسن و الجبائي و قيل معناه لا أملك لكم ضرا و لا رشدا فما علي إلا البلاغ عن الله فكأنه قال لا أملك شيئا سوى تبليغ وحي الله بتوفيقه و عونه عن قتادة و قيل أن قوله «إلا بلاغا» يحتمل معنيين ( أحدهما ) إلا ما بلغني من الله أي لا يجيرني شيء إلا ما أتاني من الله فلا فرق بين أن يقول بلغني كتابه و أن يقول أتاني كتابه ( و الثاني ) إلا تبليغ ما أنزل إلي فأما القبول و الإيمان فليس إلي و إنما ذلك إليكم عن أبي مسلم و قيل أنه عطف رسالاته على البلاغ فوجب أن يكون غيره فالأولى أن يكون أراد بالبلاغ ما بلغه من توحيد الله و عدله و ما يجوز عليه و ما لا يجوز و أراد بالرسالة ما أرسل لأجله من بيان الشرائع و لما بين سبحانه أنه لا ملجأ من عذابه إلا طاعته

عقبه بوعيد من قارف معصيته فقال «و من يعص الله و رسوله» أي خالف أمره في التوحيد و ارتكب الكفر و المعاصي «فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا» جزاء على ذلك «حتى إذا رأوا» في الآخرة «ما يوعدون» به من العقاب في الدنيا و قيل هو عذاب الاستئصال «فسيعلمون» عند ذلك «من أضعف ناصرا و أقل عددا» المشركون أم المؤمنون و قيل أ جند الله أم الذي عبده المشركون و إنما قال «من أضعف ناصرا» و لا ناصر لهم في الآخرة لأنه جاء على جواب من توهم أنه إن كانت الآخرة فناصرهم أقوى و عددهم أكثر و في هذا دلالة على أن المراد بقوله «و من يعص الله و رسوله» الكفار و كانوا يفتخرون على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بكثرة جموعهم و يصفونه بقلة العدد فبين سبحانه أن الأمر سينعكس عليهم «قل» يا محمد «إن أدري» أي لست أعلم «أ قريب ما توعدون» به من العذاب «أم يجعل له ربي أمدا» أي مهلة و غاية ينتهي إليها قال عطاء أراد أنه لا يعرف يوم القيامة إلا الله وحده «عالم الغيب» أي هو عالم الغيب يعلم متى تكون القيامة «فلا يظهر على غيبه أحدا» أي لا يطلع على الغيب أحدا من عباده ثم استثنى فقال «إلا من ارتضى من رسول» يعني الرسل فإنه يستدل على نبوتهم بأن يخيروا بالغيب لتكون آية معجزة لهم و معناه أن من ارتضاه و اختاره للنبوة و الرسالة فإنه يطلعه على ما شاء من غيبه على حسب ما يراه من المصلحة و هو قوله «فإنه يسلك من بين يديه و من خلفه رصدا» و الرصد الطريق أي يجعل له إلى علم ما كان قبله من الأنبياء و السلف و علم ما يكون بعده طريقا و قيل معناه أنه يحفظ الذي يطلع عليه الرسول فيجعل من بين يديه و من خلفه رصدا من الملائكة يحفظون الوحي من أن تسترقه الشياطين فتلقيه إلى الكهنة و قيل رصدا من بين يدي الرسول و من خلفه و هم الحفظة من الملائكة يحرسونه عن شر الأعداء و كيدهم فلا يصل إليه شرهم و قيل المراد به جبرائيل (عليه السلام) أي يجعل من بين يديه و من خلفه رصدا كالحجاب تعظيما لما يتحمله من الرسالة كما جرت عادة الملوك بأن يضموا إلى الرسول جماعة من خواصهم تشريفا له و هذا كما روي أن سورة الأنعام نزلت و معها سبعون ألف ملك «ليعلم» الرسول «أن قد أبلغوا» يعني الملائكة قال سعيد بن جبير ما نزل جبرائيل بشيء من الوحي إلا و معه أربعة من الملائكة حفظة فيعلم الرسول أنه قد أبلغ الرسالة على الوجه الذي قد أمر به و قيل ليعلم من كذب الرسل أن الرسل قد أبلغوا رسالات الله عن مجاهد و قيل ليعلم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أن الرسل قبله قد أبلغ جميعهم «رسالات ربهم» كما أبلغ هو إذ كانوا محروسين محفوظين بحفظ الله عن قتادة و قيل ليعلم الله أن قد أبلغوا عن الزجاج و قيل معناه ليظهر المعلوم على ما كان سبحانه عالما و يعلمه واقعا كما كان يعلم أنه سيقع و قيل أراد

ليبلغوا فجعل بدل ذلك قوله «ليعلم» إبلاغهم توسعا عن الجبائي و هذا كما يقول الإنسان ما علم الله ذلك مني أي ما كان ذلك أصلا لأنه لو كان لعلم الله ذلك فوضع العلم موضع الكون «و أحاط بما لديهم» أي أحاط الله علما بما لدى الأنبياء و الخلائق و هم لا يحيطون إلا بما يطلعهم الله عليه مما هو عند الله «و أحصى كل شيء عددا» أي أحصى ما خلق و عرف عدد ما خلق لم يفته علم شيء حتى مثاقيل الذر و الخردل عن ابن عباس و قيل معناه عد جميع المعلومات المعدومة و الموجودة عدا فعلم صغيرها و كبيرها و قليلها و كثيرها و ما يكون و ما لا يكون و ما كان و ما لم يكن و لو كان كيف كان و قيل معناه لا شيء يعلمه عالم أو يذكره ذاكر إلا و هو تعالى عالم به و محص إياه عن الجبائي قال الإحصاء فعل و ليس هو بمنزلة العلم فلا يجوز أن يقال أحصى ما لا يتناهى كما يجوز أن يقال علم ما لا يتناهى فإن حمل على العلم تناول جميع المعلومات و إن حمل على العد تناول الموجودات.