۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة نوح، آية ٦

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ١٤

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦٓ أَنۡ أَنذِرۡ قَوۡمَكَ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١ قَالَ يَٰقَوۡمِ إِنِّي لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٌ ٢ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ٣ يَغۡفِرۡ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُؤَخِّرۡكُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمًّىۚ إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لَا يُؤَخَّرُۚ لَوۡ كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٤ قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوۡتُ قَوۡمِي لَيۡلٗا وَنَهَارٗا ٥ فَلَمۡ يَزِدۡهُمۡ دُعَآءِيٓ إِلَّا فِرَارٗا ٦ وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوۡتُهُمۡ لِتَغۡفِرَ لَهُمۡ جَعَلُوٓاْ أَصَٰبِعَهُمۡ فِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَٱسۡتَغۡشَوۡاْ ثِيَابَهُمۡ وَأَصَرُّواْ وَٱسۡتَكۡبَرُواْ ٱسۡتِكۡبَارٗا ٧ ثُمَّ إِنِّي دَعَوۡتُهُمۡ جِهَارٗا ٨ ثُمَّ إِنِّيٓ أَعۡلَنتُ لَهُمۡ وَأَسۡرَرۡتُ لَهُمۡ إِسۡرَارٗا ٩ فَقُلۡتُ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارٗا ١٠ يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا ١١ وَيُمۡدِدۡكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ جَنَّٰتٖ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ أَنۡهَٰرٗا ١٢ مَّا لَكُمۡ لَا تَرۡجُونَ لِلَّهِ وَقَارٗا ١٣ وَقَدۡ خَلَقَكُمۡ أَطۡوَارًا ١٤

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ إِنّا أَرْسلْنَا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَك مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (1) قَالَ يَقَوْمِ إِنى لَكمْ نَذِيرٌ مّبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَ اتّقُوهُ وَ أَطِيعُونِ (3) يَغْفِرْ لَكم مِّن ذُنُوبِكمْ وَ يُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مّسمّى إِنّ أَجَلَ اللّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (4) قَالَ رَب إِنى دَعَوْت قَوْمِى لَيْلاً وَ نَهَاراً (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَاءِى إِلا فِرَاراً (6) وَ إِنى كلّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصبِعَهُمْ فى ءَاذَانهِمْ وَ استَغْشوْا ثِيَابهُمْ وَ أَصرّوا وَ استَكْبرُوا استِكْبَاراً (7) ثُمّ إِنى دَعَوْتهُمْ جِهَاراً (8) ثُمّ إِنى أَعْلَنت لهَُمْ وَ أَسرَرْت لهَُمْ إِسرَاراً (9) فَقُلْت استَغْفِرُوا رَبّكُمْ إِنّهُ كانَ غَفّاراً (10) يُرْسِلِ السمَاءَ عَلَيْكم مِّدْرَاراً (11) وَ يُمْدِدْكم بِأَمْوَلٍ وَ بَنِينَ وَ يجْعَل لّكمْ جَنّتٍ وَ يجْعَل لّكمْ أَنهَراً (12) مّا لَكمْ لا تَرْجُونَ للّهِ وَقَاراً (13) وَ قَدْ خَلَقَكمْ أَطوَاراً (14)

اللغة

الاستغشاء طلب التغشي و الإصرار الإقامة على الأمر بالعزيمة عليه و المدرار الكثير الدرور بالغيث و المطر و الأمداد إلحاق الثاني بالأول على النظام حالا بعد حال يقال أمده بكذا و مد النهر نهر آخر و الأموال جمع المال و هو عند العرب النعم و أصل الوقار الثبوت و ما به يكون الشيء عظيما من الحلم الذي يمتنع معه الخرق و الرجاء بمعنى الخوف قال أبو ذويب:

{إذا لسعته النحل لم يرج لسعها --- و خالفها في بيت نوب عواسل}

الأعراب

«أن أنذر قومك» في موضع نصب بأرسلنا لأن الأصل بأن أنذر قومك فلما سقطت الباء أفضى الفعل و قيل إن موضعه جر و إن سقطت الباء و قد تقدم بيانه و يجوز أن يكون أن هذه المفسرة بمعنى أي.

و جهارا مصدر وضع موضع الحال أي دعوتهم مجاهرا لهم بالدعاء إلى التوحيد و قوله «مدرارا» نصب على الحال.

لا ترجون لله وقارا» جملة في موضع الحال أيضا و العامل في الحال ما في لكم في معنى الفعل. وقارا منصوب بأنه مفعول ترجون.

المعنى

أخبر سبحانه عن نفسه فقال «إنا أرسلنا» أي بعثنا «نوحا» رسولا «إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم» معناه أرسلنا لينذرهم بالعذاب إن لم يؤمنوا قال الحسن أمره أن ينذرهم عذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة ثم حكى أن نوحا امتثل ما أمر الله سبحانه به بأن قال «قال يا قوم» أضافهم إلى نفسه فكأنه قال أنتم عشيرتي يسوؤني ما يسوؤكم «إني لكم نذير مبين» أي مخوف مبين وجوه الأدلة في الوعيد و بيان الدين و التوحيد «أن اعبدوا الله و اتقوه» أي اعبدوا الله وحده و لا تشركوا به شيئا و اتقوا معاصيه «و أطيعون» فيما أمركم به لأن طاعتي مقرونة بطاعة الله و طاعة الله واجبة عليكم لمكان نعمه السابقة التي لا توازيها نعمة منعم «يغفر لكم من ذنوبكم» أي فإنكم إن فعلتم ذلك يغفر لكم ذنوبكم و من مزيدة و قيل إن من هاهنا للتبعيض و المعنى يغفر لكم ذنوبكم السالفة و هي بعض الذنوب التي تضاف إليكم و لما كانت ذنوبهم التي يستأنفونها لا يجوز الوعد بغفرانها على الإطلاق لما يكون في ذلك من الإغراء بالقبيح قيد سبحانه هذا التقييد «و يؤخركم إلى أجل مسمى» و في هذا دلالة على ثبوت أجلين كأنه شرط في الوعد بالأجل المسمى عبادة الله و التقوى فلما لم يقع ذلك منهم اقتطعوا بعذاب الاستيصال قبل الأجل الأقصى بالأجل الأدنى ثم قال «إن أجل الله» يعني الأقصى «إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون» صحة ذلك و تؤمنون به قال الحسن يعني بأجل الله يوم القيامة جعله أجلا للبعث و يجوز أن يكون هذا حكاية عن قول نوح (عليه السلام) لقومه أن يكون إخبارا منه سبحانه عن نفسه «قال» نوح «رب إني دعوت قومي ليلا و نهارا» إلى عبادتك و خلع الأنداد من دونك و إلى الإقرار بنبوتي «فلم يزدهم دعائي إلا فرارا» أي لم يزدادوا بدعائي إياهم إلا فرارا من قبوله و نفارا منه و إدبارا عنه و إنما سمي كفرهم عند دعائه زيادة في الكفر لأنهم كانوا على كفر و ضلال فلما دعاهم نوح (عليه السلام) إلى الإقلاع عن ذلك و الإقرار به و لم يقبلوه فكفروا بذلك كان ذلك زيادة في الكفر لأن الزيادة هي إضافة الشيء إلى مقدار قد كان حاصلا و لو حصلا جميعا في وقت واحد لم يكن لأحدهما زيادة على الآخر «و إني كلما دعوتهم» إلى إخلاص عبادتك «لتغفر لهم» سيئاتهم «جعلوا أصابعهم في آذانهم» لئلا يسمعوا كلامي و دعائي «و استغشوا ثيابهم» أي غطوا بها وجوههم لئلا يروني «و أصروا» أي داموا على كفرهم «و استكبروا استكبارا» أي تكبروا و أنفوا عن قبول الحق و الإصرار الإقامة على الأمر بالعزيمة عليه فلما كانوا عازمين على الكفر كانوا مصرين و قيل إن الرجل منهم كان يذهب بابنه إلى نوح فيقول له احذر هذا لا يغوينك فإن أبي قد ذهب بي إليه و أنا مثلك فحذرني مثل ما حذرتك عن قتادة «ثم إني دعوتهم جهارا» أي بأعلى صوتي عن ابن عباس و قيل مجاهرة

يرى بعضهم بعضا أي ظاهرا غير خفي «ثم إني أعلنت لهم و أسررت لهم إسرارا» أي دعوتهم في العلانية و في السر و قيل معناه إني أعلنت جماعة بالدعوة و أسررت جماعة ثم أعلنت للذين أسررت و أسررت للذين أعلنت لهم و معناه إني سلكت معهم في الدعوة كل مذهب و تلطفت لهم في ذلك غاية التلطف فلم يجيبوا «فقلت استغفروا ربكم» أي اطلبوا منه المغفرة على كفركم و معاصيكم «إنه كان غفارا» لكل من طلب منه المغفرة فمتى رجعتم عن كفركم و أطعتموه «يرسل السماء عليكم مدرارا» أي كثيرة الدرور بالغيث و قيل إنهم كانوا قد قحطوا و أسنتوا و هلكت أموالهم و أولادهم فلذلك رغبهم في رد ذلك بالاستغفار مع الإيمان و الرجوع إلى الله قال الشعبي قحط المطر على عهد عمر بن الخطاب فصعد المنبر ليستسقي فلم يذكر إلا الاستغفار حتى نزل فلما نزل قيل له ما سمعناك استسقيت قال لقد طلبت الغيث بمجاديح السماء التي بها يستنزل القطر ثم قرأ هذه الآية «و يمددكم بأموال و بنين» أي يكثر أموالكم و أولادكم الذكور عن عطا «و يجعل لكم جنات» أي بساتين في الدنيا «و يجعل لكم أنهارا» تسقون بها جناتكم قال قتادة علم نبي الله نوح أنهم كانوا أهل حرص على الدنيا فقال هلموا إلى طاعة الله فإن فيها درك الدنيا و الآخرة و روى الربيع بن صبيح أن رجلا أتى الحسن فشكا إليه الجدوبة فقال له الحسن استغفر الله و أتاه آخر فشكا إليه الفقر فقال له استغفر الله و أتاه آخر فقال ادع الله أن يرزقني ابنا فقال له استغفر الله فقلنا أتاك رجال يشكون أبوابا و يسألون أنواعا فأمرتهم كلهم بالاستغفار فقال ما قلت ذلك من ذات نفسي إنما اعتبرت فيه قول الله تعالى حكاية عن نبيه نوح إنه قال لقومه «استغفروا ربكم إنه كان غفارا» إلى آخره و روى علي بن مهزيار عن حماد بن عيسى عن محمد بن يوسف عن أبيه قال سأل رجل أبا جعفر (عليه السلام) و أنا عنده فقال له جعلت فداك إني كثير المال و ليس يولد لي ولد فهل من حيلة قال نعم استغفر ربك سنة في آخر الليل مائة مرة فإن ضيعت ذلك بالليل فاقضه بالنهار فإن الله يقول «استغفروا ربكم» إلى آخره ثم قال نوح (عليه السلام) لهم على وجه التبكيت «ما لكم» معاشر الكفار «لا ترجون لله وقارا» أي لا تخافون لله عظمة فالوقار العظمة اسم من التوقير و هو التعظيم و الرجاء الخوف هنا و المعنى لا تعظمون الله حق عظمته فتوحدوه و تطيعوه عن ابن عباس و مجاهد و قيل معناه ما لكم لا ترجون لله

عاقبة عن قتادة أي لا تطمعون في عاقبة لعظمة الله تعالى و قيل معناه ما لكم لا تخافون الله عذابا و لا ترجون منه ثوابا في رواية أخرى عن ابن عباس و قيل معناه ما لكم لا ترجون لله عاقبة الإيمان و توحدون الله عن الزجاج و قيل معناه ما لكم لا تعتقدون لله إثباتا عن أبي مسلم «و قد خلقكم أطوارا» أي خلقكم طورا نطفة ثم طورا علقة ثم مضغة ثم عظاما ثم كسا العظام لحما ثم أنشأه خلقا آخر نبت له الشعر و كمل له الصورة عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و قيل أطوارا أحوالا حالا بعد حال و قيل معناه صبيانا ثم شبانا ثم شيوخا و قيل خلقكم مختلفين في الصفات أغنياء و فقراء و زمناء و أصحاء و طوالا و قصارا و الآية محتملة للجميع.