۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة المعارج، آية ٢١

التفسير يعرض الآيات ١١ إلى ٣٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

يُبَصَّرُونَهُمۡۚ يَوَدُّ ٱلۡمُجۡرِمُ لَوۡ يَفۡتَدِي مِنۡ عَذَابِ يَوۡمِئِذِۭ بِبَنِيهِ ١١ وَصَٰحِبَتِهِۦ وَأَخِيهِ ١٢ وَفَصِيلَتِهِ ٱلَّتِي تُـٔۡوِيهِ ١٣ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا ثُمَّ يُنجِيهِ ١٤ كـَلَّآۖ إِنَّهَا لَظَىٰ ١٥ نَزَّاعَةٗ لِّلشَّوَىٰ ١٦ تَدۡعُواْ مَنۡ أَدۡبَرَ وَتَوَلَّىٰ ١٧ وَجَمَعَ فَأَوۡعَىٰٓ ١٨ ۞ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ خُلِقَ هَلُوعًا ١٩ إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعٗا ٢٠ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلۡخَيۡرُ مَنُوعًا ٢١ إِلَّا ٱلۡمُصَلِّينَ ٢٢ ٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَاتِهِمۡ دَآئِمُونَ ٢٣ وَٱلَّذِينَ فِيٓ أَمۡوَٰلِهِمۡ حَقّٞ مَّعۡلُومٞ ٢٤ لِّلسَّآئِلِ وَٱلۡمَحۡرُومِ ٢٥ وَٱلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوۡمِ ٱلدِّينِ ٢٦ وَٱلَّذِينَ هُم مِّنۡ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشۡفِقُونَ ٢٧ إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمۡ غَيۡرُ مَأۡمُونٖ ٢٨ وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِفُرُوجِهِمۡ حَٰفِظُونَ ٢٩ إِلَّا عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَإِنَّهُمۡ غَيۡرُ مَلُومِينَ ٣٠ فَمَنِ ٱبۡتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡعَادُونَ ٣١ وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَٰعُونَ ٣٢ وَٱلَّذِينَ هُم بِشَهَٰدَٰتِهِمۡ قَآئِمُونَ ٣٣ وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَاتِهِمۡ يُحَافِظُونَ ٣٤ أُوْلَٰٓئِكَ فِي جَنَّٰتٖ مُّكۡرَمُونَ ٣٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

يُبَصرُونهُمْ يَوَدّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِى مِنْ عَذَابِ يَوْمِئذِ بِبَنِيهِ (11) وَ صحِبَتِهِ وَ أَخِيهِ (12) وَ فَصِيلَتِهِ الّتى تُئْوِيهِ (13) وَ مَن فى الأَرْضِ جَمِيعاً ثمّ يُنجِيهِ (14) َكلا إِنهَا لَظى (15) نَزّاعَةً لِّلشوَى (16) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَ تَوَلى (17) وَ جَمَعَ فَأَوْعَى (18) إِنّ الانسنَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسهُ الشرّ جَزُوعاً (20) وَ إِذَا مَسهُ الخَْيرُ مَنُوعاً (21) إِلا الْمُصلِّينَ (22) الّذِينَ هُمْ عَلى صلاتهِمْ دَائمُونَ (23) وَ الّذِينَ فى أَمْوَلهِِمْ حَقّ مّعْلُومٌ (24) لِّلسائلِ وَ الْمَحْرُومِ (25) وَ الّذِينَ يُصدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26) وَ الّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبهِم مّشفِقُونَ (27) إِنّ عَذَاب رَبهِمْ غَيرُ مَأْمُونٍ (28) وَ الّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظونَ (29) إِلا عَلى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَت أَيْمَنهُمْ فَإِنهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِك فَأُولَئك هُمُ الْعَادُونَ (31) وَ الّذِينَ هُمْ لأَمَنَتهِمْ وَ عَهْدِهِمْ رَعُونَ (32) وَ الّذِينَ هُم بِشهَدَتهِمْ قَائمُونَ (33) وَ الّذِينَ هُمْ عَلى صلاتهِمْ يحَافِظونَ (34) أُولَئك فى جَنّتٍ مّكْرَمُونَ (35)

القراءة

قرأ حفص «نزاعة» بالنصب و الباقون بالرفع و قرأ ابن كثير لأمانتهم بغير ألف بعد النون و الباقون «لأماناتهم» بالجمع و قرأ حفص و يعقوب و سهل «بشهاداتهم» على الجمع و الباقون بشهادتهم و كلهم قرءوا «على صلاتهم» على التوحيد.

الحجة

قال أبو علي من قرأ إنها لظى نزاعة للشوى فرفع نزاعة جاز في رفعه ما جاز في قولك هذا زيد منطلق و هذا بعلي شيخ و من نصب فعلى وجهين ( أحدهما ) أن يكون حالا ( و الآخر ) أن يحمل على فعل فحمله على الحال يبعد لأنه ليس في الكلام ما يعمل في الحال فإن قلت فإن في قوله «لظى» معنى التلظي و التلهب فإن ذلك لا يستقيم لأن لظى معرفة

لا ينتصب عنها الأحوال أ لا ترى أن ما استعمل استعمال الأسماء من اسم فاعل أو مصدر لم يعمل هذا النحو من حيث جرى مجرى الأسماء فبأن يعمل الاسم المعرفة عمله أولى و يدلك على تعريف هذا الاسم و كونه علما أن التنوين لم يلحقه فإذا كان كذلك لم ينتصب الحال عنه فإن جعلتها مع تعريفها قد صارت معروفة بشدة التلظي جاز أن تنصبه بهذا المعنى الحادث في العلم و على هذا قوله تعالى و هو الله في السماوات و في الأرض علقت الظرف بما دل عليه الاسم من التدبير و الألطاف فإن علقت الحال بالمعنى الحادث في العلم كما علقت الظرف بما دل عليه الاسم من التدبير و الألطاف لم يمتنع لأن الحال كالظرف في تعلقها بالمعنى كتعلق الظرف به و كان وجها و إن علقت نزاعة بفعل مضمر نحو أعينها نزاعة للشوى لم يمتنع أيضا و أما قوله لأمانتهم على الإفراد و إن كان مضافا إلى جماعة و لكل واحد منهم أمانة فلأنه مصدر يقع على جميع الجنس و يتناوله و من جمع فلاختلاف الأمانات و كثرة ضروبها فأشبهت بذلك الأسماء التي ليست للجنس و القول في الشهادة و الشهادات مثل القول في الأمانة و الأمانات.

اللغة

المودة مشتركة بين التمني و بين المحبة يقال وددت الشيء أي تمنيته و وددته أي أحببته أود فيهما جميعا و الافتداء افتداء الضرر عن الشيء ببدل منه و الفصيلة الجماعة المنقطعة عن جملة القبيلة برجوعها إلى أبوة خاصة عن أبوة عامة و لظى اسم من أسماء جهنم مأخوذة من التوقد و النزاعة الكثيرة النزع و هو اقتلاع عن شدة ضم و الاقتلاع أخذ بشدة اعتماد و الشوى جلدة الرأس واحدتها شواة قال الأعشى:

{قالت قتيلة ما له --- قد جللت شيبا شواته}

و الشوى الأكارع و الأطراف و الشوى ما عدا المقاتل من كل حيوان يقال رماه فأشواه أي أصاب غير مقتله و رمى فأصمى أي أصاب المقتل و الشوى أيضا الخسيس من المال و الهلوع الشديد الحرص الشديد الجزع و الإشفاق رقة القلب عن تحمل ما يخاف من الأمور فإذا قسا قلب الإنسان بطل الإشفاق و العادي الخارج عن الحق يقال عدا فلان إذا اعتدى و عدا في مشيه إذا أسرع و هو الأصل و العادي الظالم بالإسراع إلى الظلم.

الإعراب

يجوز أن يكون العامل في الظرف من قوله يوم تكون السماء كالمهل قوله «يبصرونهم» و قوله «يود المجرم» يجوز أن يكون استئناف كلام و يجوز أن يكون في محل الجر بدلا من تكون السماء كالمهل.

هلوعا و منوعا و جزوعا منصوبة على الحال و التقدير خلق هلوعا، جزوعا إذا مسه الشر، منوعا إذا مسه الخير و المصلين منصوب على الاستثناء و قوله «إلا على أزواجهم» قيل أن على هذه محمولة على المعنى و التقدير فإنهم يلامون على غير أزواجهم و يدل عليه قوله «فإنهم غير ملومين» عن الزجاج و قيل تقديره إلا من أزواجهم فيكون على بمعنى من.

###

المعنى

لما وصف سبحانه القيامة و أخبر أن الحميم فيه لا يسأل حميمه لشغله بنفسه قال «يبصرونهم» أي يعرف الكفار بعضهم بعضا ساعة ثم لا يتعارفون و يفر بعضهم من بعض عن ابن عباس و قتادة و قيل يعرفهم المؤمنون عن مجاهد أي يبصر المؤمن أعداءه على حالهم من العذاب فيشمت بهم و يسر و قيل يعرف أتباع الضلالة رؤساءهم و قيل إن الضمير يعود إلى الملائكة و قد تقدم ذكرهم أي يعرفهم الملائكة و يجعلون بصراء بهم فيسوقون فريقا إلى الجنة و فريقا إلى النار «يود المجرم» أي يتمنى العاصي «لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه» يتمنى سلامته من العذاب النازل به بإسلام كل كريم عليه من أولاده الذين هم أعز الناس عليه «و صاحبته» أي زوجته التي كانت سكنا له و ربما آثرها على أبويه «و أخيه» الذي كان ناصرا له و معينا «و فصيلته» أي و عشيرته «التي تؤويه» في الشدائد و تضمه و يأوي إليها في النسب «و من في الأرض جميعا» أي و بجميع الخلائق يقول يود لو يفتدي بجميع هذه الأشياء «ثم ينجيه» ذلك الفداء «كلا» لا ينجيه ذلك قال الزجاج كلا ردع و تنبيه أي لا يرجع أحد من هؤلاء فارتدعوا «إنها لظى» يعني أن نار جهنم أو القصة لظى نزاعة للشوى و سميت لظى لأنها تتلظى أي تشتعل و تلتهب على أهلها و قيل لظى اسم من أسماء جهنم و قيل هي الدركة الثانية منها و هي «نزاعة للشوى» تنزع الأطراف فلا تترك لحما و لا جلدا إلا أحرقته عن مقاتل و قيل تنزع الجلد و أم الرأس عن ابن عباس و قيل تنزع الجلد و اللحم عن العظم عن الضحاك و قال الكلبي يعني تأكل الدماغ كله ثم يعود كما كان و قال أبو صالح الشوى لحم الساق و قال سعيد بن جبير العصب و العقب و قال أبو العالية محاسن الوجه «تدعو من أدبر و تولى» يعني النار تدعو إلى نفسها من أدبر عن الإيمان و تولى عن طاعة الله و رسوله عن قتادة و المعنى أنه لا يفوت هذه النار كافر فكأنها تدعوه فيجيبها كرها و قيل إن الله تعالى ينطق النار حتى تدعوهم إليها و قيل معناه تدعو زبانية النار من أدبر و تولى عن الحق فجعل ذلك سبحانه دعاء من النار عن الجبائي و قيل تدعو أي تعذب رواه المبرد عن الخليل قال يقال دعاك الله أي عذبك «و جمع» المال «فأوعى» أي أمسكه في الوعاء فلم ينفقه في طاعة الله فلم يؤد زكاة و لم يصل رحما و قيل جمعه من باطل و منعه عن الحق

«إن الإنسان خلق هلوعا» أي ضجورا شحيحا جزوعا من الهلع و هو شدة الحرص و قال أهل البيان تفسيره فيما بعده «إذا مسه الشر جزوعا و إذا مسه الخير منوعا» يعني إذا أصابه الفقر لا يحتسب لا يصبر و إذا أصابه الغنى منعه من البر ثم استثنى سبحانه الموحدين المطيعين فقال «إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون» مستمرون على أدائها لا يخلون بها و لا يتركونها و روي عن أبي جعفر (عليه السلام) أن هذا في النوافل و قوله «و الذين هم على صلاتهم يحافظون» في الفرائض و الواجبات و قيل هم الذين لا يزيلون وجوههم عن سمت القبلة عن عقبة عن عامر و الزجاج «و الذين في أموالهم حق معلوم للسائل و المحروم» يعني الزكاة المفروضة و السائل الذي يسأل و المحروم الفقير الذي يتعفف و لا يسأل و قد سبق تفسيرها و روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال الحق المعلوم ليس من الزكاة و هو الشيء الذي تخرجه من مالك إن شئت كل جمعة و إن شئت كل يوم و لكل ذي فضل فضله و روي عنه أيضا أنه قال هو أن تصل القرابة و تعطي من حرمك و تصدق على من عاداك «و الذين يصدقون بيوم الدين» أي يؤمنون بأن يوم الجزاء و الحساب حق لا يشكون في ذلك «و الذين هم من عذاب ربهم مشفقون» أي خائفون «إن عذاب ربهم غير مأمون» أي لا يؤمن حلوله بمستحقيه و هم العصاة و قيل معناه يخافون أن لا تقبل حسناتهم و يؤخذون بسيئاتهم و قيل غير مأمون لأن المكلف لا يدري هل أدى الواجب كما أمر به و هل انتهى عن المحظور على ما نهي عنه و لو قدرنا أن إنسانا يعلم ذلك من نفسه لكان آمنا «و الذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم» يعني الذين يحفظون فروجهم عن المناكح على كل وجه و سبب إلا على الأزواج أو ملك الأيمان من الإماء «فإنهم غير ملومين» على ترك حفظ الفروج عنهم «فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون» فمن طلب وراء ما أباحه الله له من الفروج فأولئك هم الذين تعدوا حدود الله و خرجوا عما أباحه لهم و معنى وراء ذلك ما خرج عن حده من أي جهة كان «و الذين هم لأماناتهم و عهدهم راعون» أي حافظون و الأمانة ما يؤتمن المرء عليه مثل الوصايا و الودائع و الحكومات و نحوها و قيل الأمانة الإيمان و ما أخذ الله عباده من التصديق بما أوجبه عليهم و العمل بما يجب عليهم العمل به «و الذين هم بشهاداتهم قائمون» أي يقيمون الشهادات التي تلزمهم إقامتها و الشهادة الإخبار بالشيء أنه على ما شاهدوه ذلك أنه قد يكون عن مشاهدة للمخبر به و قد يكون عن مشاهدة ما يدعو إليه «و الذين هم على صلاتهم يحافظون» أي يحفظون أوقاتها و أركانها فيؤدونها بتمامها و لا يضيعون شيئا منها و روى محمد بن الفضيل عن أبي الحسن (عليه السلام) أنه قال أولئك أصحاب الخمسين صلاة من شيعتنا و روى زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)

قال هذه الفريضة من صلاها لوقتها عارفا بحقها لا يؤثر عليها غيرها كتب الله له بها براءة لا يعذبه و من صلاها لغير وقتها مؤثرا عليها غيرها فإن ذلك إليه إن شاء غفر له و إنإن شاء عذبه و «أولئك» من وصفوا بهذه الصفات «في جنات» أي بساتين يجنها الشجر «مكرمون» معظمون مبجلون بما يفعل بهم من الثواب.