۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الحاقة، آية ٤٧

التفسير يعرض الآيات ٣٨ إلى ٥٢

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

فَلَآ أُقۡسِمُ بِمَا تُبۡصِرُونَ ٣٨ وَمَا لَا تُبۡصِرُونَ ٣٩ إِنَّهُۥ لَقَوۡلُ رَسُولٖ كَرِيمٖ ٤٠ وَمَا هُوَ بِقَوۡلِ شَاعِرٖۚ قَلِيلٗا مَّا تُؤۡمِنُونَ ٤١ وَلَا بِقَوۡلِ كَاهِنٖۚ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ ٤٢ تَنزِيلٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٣ وَلَوۡ تَقَوَّلَ عَلَيۡنَا بَعۡضَ ٱلۡأَقَاوِيلِ ٤٤ لَأَخَذۡنَا مِنۡهُ بِٱلۡيَمِينِ ٤٥ ثُمَّ لَقَطَعۡنَا مِنۡهُ ٱلۡوَتِينَ ٤٦ فَمَا مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ عَنۡهُ حَٰجِزِينَ ٤٧ وَإِنَّهُۥ لَتَذۡكِرَةٞ لِّلۡمُتَّقِينَ ٤٨ وَإِنَّا لَنَعۡلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ ٤٩ وَإِنَّهُۥ لَحَسۡرَةٌ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٥٠ وَإِنَّهُۥ لَحَقُّ ٱلۡيَقِينِ ٥١ فَسَبِّحۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلۡعَظِيمِ ٥٢

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَ مَا لا تُبْصِرُونَ (39) إِنّهُ لَقَوْلُ رَسولٍ كَرِيمٍ (40) وَ مَا هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً مّا تُؤْمِنُونَ (41) وَ لا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً مّا تَذَكّرُونَ (42) تَنزِيلٌ مِّن رّب الْعَلَمِينَ (43) وَ لَوْ تَقَوّلَ عَلَيْنَا بَعْض الأَقَاوِيلِ (44) لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثمّ لَقَطعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنكم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَجِزِينَ (47) وَ إِنّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتّقِينَ (48) وَ إِنّا لَنَعْلَمُ أَنّ مِنكم مّكَذِّبِينَ (49) وَ إِنّهُ لَحَسرَةٌ عَلى الْكَفِرِينَ (50) وَ إِنّهُ لَحَقّ الْيَقِينِ (51) فَسبِّحْ بِاسمِ رَبِّك الْعَظِيمِ (52)

القراءة

قرأ ابن كثير و ابن عامر و يعقوب و سهل يؤمنون و يذكرون بالياء كناية عن الكفار و الباقون بالتاء خطابا لهم و كلاهما حسن.

اللغة

الوتين نياط القلب و إذا انقطع مات الإنسان قال الشماخ بن ضرار:

{إذا بلغتني و حملت رحلي --- عرابة فاسرقي بدم الوتين}

الإعراب

قليلا في الموضعين صفة مصدر محذوف و ما مزيدة و تقديره إيمانا قليلا تؤمنون و تذكرا قليلا تذكرون و يجوز أن يكون صفة لظرف محذوف أي وقتا قليلا تؤمنون و وقتا قليلا تذكرون و يجوز أن تكون ما مصدرية و يكون التقدير قليلا إيمانكم و قليلا تذكركم يكون ما في موضع رفع بقليل و قوله «من أحد» في موضع رفع لأنه اسم ما و من مزيدة لتأكيد النفي تقديره فما منكم أحد و الأصل فما أحد منكم فمنكم في موضع رفع بكونه صفة على الموضع أو في موضع جر على اللفظ فلما تقدم الموصوف صار في موضع النصب على الحال حاجزين منصوب بأنه خبر ما و لم يبطل قوله «منكم» عمل ما و إن فصل بينهما لأنه ظرف و الفصل بالظرف في هذا الباب كلا فصل قال أبو علي إن جعلت منكم مستقرا كان حاجزين صفة أحد و إن جعلت منكم غير مستقر كان حاجزين خبر ما و على الوجهين فقوله «حاجزين»

محمول على المعنى و أقول في بيانه أنه إن كان في منكم ضمير لأحد و يكون خبرا له متقدما عليه فيكون حاجزين صفة لأحد و تقديره ما منكم قوم حاجزون عنه و يكون ما غير عاملة هنا على غير لغة تميم أيضا و يكون حاجزين مجرورا حملا على اللفظ و كونه غير مستقر هو أن يكون على ما ذكرناه قبل.

المعنى

ثم أكد سبحانه ما تقدم فقال «فلا أقسم بما تبصرون و ما لا تبصرون» قيل فيه وجوه ( أحدها ) أن يكون قوله «لا» ردا لكلام المشركين فكأنه قال ليس الأمر كما يقول المشركون أقسم بالأشياء كلها ما يبصر منها و ما لا يبصر و يدخل فيها جميع المكونات «إنه لقول رسول كريم» يعني محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الفراء و قتادة و ( ثانيها ) أن لا مزيدة مؤكدة و التقدير فأقسم بما ترون و ما لا ترون ( و ثالثها ) أنه نفي للقسم و معناه لا يحتاج إلى القسم لوضوح الأمر في أنه رسول كريم فإنه أظهر من أن يحتاج في إثباته إلى قسم عن أبي مسلم و ( رابعها ) أنه كقول القائل لا و الله لا أفعل ذلك و لا و الله لأفعلن ذلك و قال الجبائي إنما أراد أنه لا يقسم بالأشياء المخلوقات ما يرى و ما لا يرى و إنما أقسم بربها لأن القسم لا يجوز إلا بالله «إنه لقول رسول كريم» قال إنه قول الله على الحقيقة و إنما الملك و جبرائيل و الرسول يحكون ذلك و إنما أسنده إليهم من حيث إن ما يسمع منهم كلامهم فلما كان حكاية كلام الله قيل هو كلام الله على الحقيقة في العرف قال الجبائي و الرسول الكريم جبرائيل و الكريم الجامع لخصال الخير «و ما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون و لا بقول كاهن قليلا ما تذكرون» قول الشاعر ما ألفه بوزن و جعله مقفى و له معنى و قول الكاهن السجع و هو كلام متكلف يضم إلى معنى يشاكله طهره الله سبحانه من الشعر و الكهانة و عصمه عنهما و إنما منعه سبحانه من الشعر و نزهه عنه لأن الغالب من حال الشعر أن يدعو إلى الهوى و يبعث على الشهوة و النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إنما يأتي بالحكم التي يدعو إليها العقل للحاجة إلى العمل عليها و الاهتداء بها و أيضا فإنه سبحانه منعه من قول الشعر دلالة على أن القرآن ليس بصفة الكلام المعتاد بين الناس و أنه ليس بشعر بل هو صنف من الكلام خارج عن الأنواع المعتادة و إذا بعد عما جرت به العادة في تأليف الكلام فذلك أدل على إعجازه و قوله «قليلا ما تؤمنون» معناه لا تصدقون بأن القرآن من عند الله تعالى يريد بالقليل نفي إيمانهم أصلا كما تقول لمن لا يزورك قل ما تأتينا و أنت تريد لا تأتينا أصلا فالمعنى لا تؤمنون به و لا تتذكرون و لا تتفكرون فتعلموا المعجز و تفصلوا بينه و بين الشعر و الكهانة «تنزيل من رب العالمين» بين أنه منزل من عنده على لسان جبرائيل حتى لا يتوهم أنه كلام جبرائيل «و لو تقول علينا» محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) «بعض الأقاويل» معناه و لو

كذب علينا و اختلق ما لم نقله أي لو تكلف القول و أتى به من عند نفسه «لأخذنا منه باليمين» أي لأخذنا بيده التي هي اليمين على وجه الإذلال كما يقول السلطان يا غلام خذ بيده فأخذها إهانة عن ابن جرير و قيل معناه لقطعنا يده اليمني عن الحسن و أبي مسلم فعلى هذا تكون الباء مزيدة أي لأخذنا منه اليمين و قيل معناه لأخذنا منه بالقوة و القدرة أي لأخذناه و نحن قادرون عليه مالكون له عن الفراء و المبرد و الزجاج و إنما أقام اليمين مقام القوة و القدرة لأن قوة كل شيء في ميامنه عن ابن قتيبة «ثم لقطعنا منه الوتين» أي و لكنا نقطع منه وتينه و نهلكه قال مجاهد و قتادة هو عرق في القلب متصل بالظهر و قيل هو حبل القلب «فما منكم من أحد عنه حاجزين» أي فما منكم أحد يحجزنا عنه و المعنى أنه لا يتكلف الكذب لأجلكم مع علمه أنه لو تكلف ذلك لعاتبناه ثم لم تقدروا أنتم على دفع عقوبتنا عنه ثم ذكر سبحانه أن القرآن ما هو فقال «و إنه لتذكرة للمتقين» أي و إنه لعظة لمن اتقى عقاب الله بطاعته «و إنا لنعلم أن منكم مكذبين» بالقرآن أي علمنا أن بعضكم يكذبه أشار سبحانه إلى أن منهم من يصدق و منهم من يكذب «و إنه لحسرة على الكافرين» أي إن هذا القرآن حسرة عليهم يوم القيامة حيث لم يعملوا به في الدنيا «و إنه لحق اليقين» معناه و إن القرآن للمتقين لحق اليقين و الحق هو اليقين و إنما إضافة إلى نفسه كما يقال مسجد الجامع و دار الآخرة و بارحة الأولى و يوم الخميس و ما أشبه ذلك فيضاف الشيء إلى نفسه إذا اختلف لفظه و قيل إن الحق هو الذي معتقده على ما اعتقد و اليقين هو الذي لا شبهة فيه «فسبح باسم ربك العظيم» الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و المراد به جميع المكلفين و معناه نزه الله سبحانه عما لا يجوز عليه من الصفات و العظيم هو الجليل الذي يصغر شأن غيره في شأنه و يتضاءل كل شيء لعظمته و سلطانه.