۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الحاقة، آية ٢٠

التفسير يعرض الآيات ١١ إلى ٢٤

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلۡمَآءُ حَمَلۡنَٰكُمۡ فِي ٱلۡجَارِيَةِ ١١ لِنَجۡعَلَهَا لَكُمۡ تَذۡكِرَةٗ وَتَعِيَهَآ أُذُنٞ وَٰعِيَةٞ ١٢ فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفۡخَةٞ وَٰحِدَةٞ ١٣ وَحُمِلَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَٱلۡجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةٗ وَٰحِدَةٗ ١٤ فَيَوۡمَئِذٖ وَقَعَتِ ٱلۡوَاقِعَةُ ١٥ وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوۡمَئِذٖ وَاهِيَةٞ ١٦ وَٱلۡمَلَكُ عَلَىٰٓ أَرۡجَآئِهَاۚ وَيَحۡمِلُ عَرۡشَ رَبِّكَ فَوۡقَهُمۡ يَوۡمَئِذٖ ثَمَٰنِيَةٞ ١٧ يَوۡمَئِذٖ تُعۡرَضُونَ لَا تَخۡفَىٰ مِنكُمۡ خَافِيَةٞ ١٨ فَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقۡرَءُواْ كِتَٰبِيَهۡ ١٩ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَٰقٍ حِسَابِيَهۡ ٢٠ فَهُوَ فِي عِيشَةٖ رَّاضِيَةٖ ٢١ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٖ ٢٢ قُطُوفُهَا دَانِيَةٞ ٢٣ كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ هَنِيٓـَٔۢا بِمَآ أَسۡلَفۡتُمۡ فِي ٱلۡأَيَّامِ ٱلۡخَالِيَةِ ٢٤

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

إِنّا لَمّا طغَا الْمَاءُ حَمَلْنَكمْ فى الجَْارِيَةِ (11) لِنَجْعَلَهَا لَكمْ تَذْكِرَةً وَ تَعِيهَا أُذُنٌ وَعِيَةٌ (12) فَإِذَا نُفِخَ فى الصورِ نَفْخَةٌ وَحِدَةٌ (13) وَ حُمِلَتِ الأَرْض وَ الجِْبَالُ فَدُكّتَا دَكّةً وَحِدَةً (14) فَيَوْمَئذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (15) وَ انشقّتِ السمَاءُ فَهِىَ يَوْمَئذٍ وَاهِيَةٌ (16) وَ الْمَلَك عَلى أَرْجَائهَا وَ يحْمِلُ عَرْش رَبِّك فَوْقَهُمْ يَوْمَئذٍ ثمَنِيَةٌ (17) يَوْمَئذٍ تُعْرَضونَ لا تخْفَى مِنكمْ خَافِيَةٌ (18) فَأَمّا مَنْ أُوتىَ كِتَبَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَبِيَهْ (19) إِنى ظنَنت أَنى مُلَقٍ حِسابِيَهْ (20) فَهُوَ فى عِيشةٍ رّاضِيَةٍ (21) فى جَنّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كلُوا وَ اشرَبُوا هَنِيئَا بِمَا أَسلَفْتُمْ فى الأَيّامِ الخَْالِيَةِ (24)

القراءة

قرأ ابن كثير في رواية القواس و تعيها بسكون العين مختلسا و هو بين الكسر و السكون و الباقون بكسر العين و قرأ حمزة و الكسائي لا يخفى بالياء و الباقون بالتاء.

الحجة

الوجه في سكون العين من تعيها إنه جعل حرف المضارعة مع ما بعده بمنزلة فخذ فأسكن لأن حرف المضارعة لا تنفصل من الفعل فصار كقولك فهو و فهي و الياء و التاء في قوله لا يخفى حسن.

اللغة

الجارية السفينة التي من شأنها أن تجري على الماء و الجارية المرأة الشابة لأنه يجري فيها ماء الشباب يقال وعيت العلم أعيه وعيا و أوعيت المتاع جعلته في الوعاء قال:

{إذا لم تكن حافظا واعيا --- فجمعك للكتب لا ينفع}

و الدك البسط و منه الدكان و اندك سنام البعير إذا انفرش على ظهره و الأرجاء النواحي واحدها رجا مقصور و التثنية رجوان و هاؤم أمر للجماعة بمنزلة هاكم تقول للواحد هاء يا رجل و للاثنين هاؤما يا رجلان و للجماعة هاؤم يا رجال و للمرأة هاء يا امرأة بكسر الهمزة و ليس بعدها ياء و للمرأتين هاؤما و للنساء هاؤن هذه لغة أهل الحجاز و تميم و قيس يقولون هاء يا رجل مثل قول أهل الحجاز و للاثنين هاء و للجماعة هاؤا و للمرأة هائي و للنساء هان و بعض

العرب يجعل مكان الهمزة كافأ فيقول هاك هاكما هاكم هاك هاكما هاكن و معناه خذ و تناول و يؤمر بها و لا ينهى و وقف الكسائي على هاؤم و ابتدأ «اقرأوا كتابيه» إعلاما منه أنه لا يذهب إلى إعمال الفعل الأول و إنما العمل للثاني و الراضية المرضية فاعلة بمعنى مفعول لأنها في معنى ذات رضى كما قيل لابن و تأمر أي ذو لبن و ذو تمر قال النابغة:

{كليني لهم يا أميمة ناصب --- و ليل أقاسيه بطيء الكواكب}

يعني ذو نصب فكان العيشة أعطيت حتى رضيت لأنها بمنزلة الطالبة كما أن الشهوة بمنزلة الطالبة للمشتهي و قيل هو مثل ليل نائم و سر كاتم و ماء دافق على وجه المبالغة في الصفة من غير التباس في المعنى و القطوف جمع قطف و هو ما يقطف من الثمر و القطف بالفتح المصدر.

الإعراب

كتابي مفعول اقرأوا لأنه يليه «قطوفها دانية» جملة مجرورة الموضع لأنها صفة جنة.

المعنى

ثم بين سبحانه قصة نوح (عليه السلام) فقال «إنا لما طغى الماء» أي جاوز الحد المعروف حتى غرقت الأرض بمن عليها إلا من شاء الله نجاته «حملناكم في الجارية» أي حملنا آباءكم في السفينة عن ابن عباس و ابن زيد «لنجعلها لكم تذكرة» أي لنجعل تلك الفعلة التي فعلناها من إغراق قوم نوح و نجاة من حملناه عبرة لكم و موعظة تتذكرون بها نعم الله تعالى و تشكرونه عليها و تتفكرون فيها فتعرفون كمال قدرته و حكمته «و تعيها أذن واعية» أي و تحفظها أذن حافظة لما جاء من عند الله عن ابن عباس و قيل سامعة قائلة لما سمعت عن قتادة و قال الفراء لتحفظها كل أذن فتكون عظة لمن يأتي بعد و روى الطبري بإسناده عن مكحول أنه لما نزلت هذه الآية قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اللهم اجعلها أذن علي ثم قال علي (عليه السلام) فما سمعت شيئا من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فنسيته و روى بإسناده عن عكرمة عن بريدة الأسلمي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعلي (عليه السلام) يا علي إن الله تعالى أمرني أن أدنيك و لا أقصيك و أن أعلمك و تعي و حق على الله أن تعي فنزل «و تعيها أذن واعية» أخبرني فيما كتب بخطه إلي المفيد أبو الوفاء عبد الجبار عبد الله بن علي الرازي قال حدثني الشيخ السعيد أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي و الرئيس أبو الجوائز الحسن بن علي بن محمد الكاتب و الشيخ أبو عبد الله حسن بن أحمد بن حبيب الفارسي قالوا حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد المفيد

الجرجاني قال سمعت أبا عمرو عثمان بن خطاب المعمر المعروف بأبي الدنيا الأشج قال سمعت علي بن أبي طالب (عليه السلام) يقول لما نزلت «و تعيها أذن واعية» قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سألت الله عز و جل أن يجعلها أذنك يا علي «فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة» و هي النفخة الأولى عن عطا و النفخة الأخيرة عن مقاتل و الكلبي «و حملت الأرض و الجبال» أي رفعت من أماكنها «فدكتا دكة واحدة» أي كسرتا كسرة واحدة لا تثنى حتى يستوي ما عليها من شيء مثل الأديم الممدود و قيل ضرب بعضها ببعض حتى تفتت الجبال و سفتها الرياح و بقيت الأرض شيئا واحدا لا جبل فيها و لا رابية بل تكون قطعة مستوية و إنما قال دكتا لأنه جعل الأرض جملة واحدة و الجبال دكة واحدة «فيومئذ وقعت الواقعة» أي قامت القيامة «و انشقت السماء» أي انفرج بعضها من بعض «فهي يومئذ واهية» أي شديدة الضعف بانتقاض بنيتها و قيل هو أن السماء تنشق بعد صلابتها فتصير بمنزلة الصوف في الوهي و الضعف «و الملك على أرجائها» أي على أطرافها و نواحيها عن الحسن و قتادة و الملك اسم يقع على الواحد و الجمع و السماء مكان الملائكة فإذا وهت صارت في نواحيها و قيل إن الملائكة يومئذ على جوانب السماء تنتظر ما يؤمر به في أهل النار من السوق إليها و في أهل الجنة من التحية و التكرمة فيها «و يحمل عرش ربك فوقهم» يعني فوق الخلائق «يومئذ» يعني يوم القيامة «ثمانية» من الملائكة عن ابن زيد و روي ذلك عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنهم اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أيدهم بأربعة آخرين فيكونون ثمانية و قيل ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عددهم إلا الله تعالى عن ابن عباس «يومئذ تعرضون» يعني يوم القيامة تعرضون معاشر المكلفين «لا تخفى منكم خافية» أي نفس خافية أو فعلة خافية و قيل الخافية مصدر أي خافية أحد و روي في الخبر عن ابن مسعود و قتادة أن الخلق يعرضون ثلاث عرضات ثنتان فيها معاذير و جدال و الثالثة تطير الصحف في الأيدي فأخذ بيمينه و آخذ بشماله و ليس يعرض الله الخلق ليعلم من حالهم ما لم يعلمه فإنه عز اسمه العالم لذاته يعلم جميع ما كان منهم و لكن ليظهر ذلك لخلقه ثم قسم سبحانه حال المكلفين في ذلك اليوم فقال «فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول» لأهل القيامة «هاؤم» أي تعالوا «اقرأوا كتابيه» و إنما يقوله سرورا به لعلمه بأنه ليس فيه إلا الطاعات فلا يستحيي أن ينظر فيه غيره و أهل اللغة يقولون إن معنى هاؤم خذوا «إني ظننت» أي علمت و أيقنت في الدنيا «إني ملاق حسابيه» و الهاء لنظم رءوس الآي و هي هاء الاستراحة و المعنى إني كنت مستيقنا في دار الدنيا بأني ألقى حسابي يوم القيامة عالما بأني أجازي على الطاعة بالثواب و على المعصية بالعقاب فكنت أعمل بما أصل به إلى هذه المثوبة «فهو في عيشة راضية» أي في حالة من العيش راضية يرضاها بأن لقي الثواب

و آمن العقاب «في جنة عالية» أي رفيعة القدر و المكان «قطوفها دانية» أي ثمارها قريبة ممن يتناولها قال البراء بن عازب يتناول الرجل من الثمرة و هو نائم و قد ورد في الخبر عن عطاء بن يسار عن سلمان قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يدخل الجنة أحدكم إلا بجواز بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله لفلان بن فلان أدخلوه جنة عالية قطوفها دانية و قيل معناه لا يرد أيديهم عن ثمرها بعد و لا شوك عن قتادة «كلوا و اشربوا» أي يقال لهم كلوا و اشربوا في الجنة «هنيئا بما أسلفتم» أي قدمتم من أعمالكم الصالحة «في الأيام الخالية» الماضية يعني أيام الدنيا و يعني بقوله «هنيئا» إنه ليس فيه ما يؤذي فلا يحتاج فيه إلى إخراج فصل بغائط أو بول.