۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة القلم، آية ٢١

التفسير يعرض الآيات ١٧ إلى ٣٣

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

إِنَّا بَلَوۡنَٰهُمۡ كَمَا بَلَوۡنَآ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ إِذۡ أَقۡسَمُواْ لَيَصۡرِمُنَّهَا مُصۡبِحِينَ ١٧ وَلَا يَسۡتَثۡنُونَ ١٨ فَطَافَ عَلَيۡهَا طَآئِفٞ مِّن رَّبِّكَ وَهُمۡ نَآئِمُونَ ١٩ فَأَصۡبَحَتۡ كَٱلصَّرِيمِ ٢٠ فَتَنَادَوۡاْ مُصۡبِحِينَ ٢١ أَنِ ٱغۡدُواْ عَلَىٰ حَرۡثِكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰرِمِينَ ٢٢ فَٱنطَلَقُواْ وَهُمۡ يَتَخَٰفَتُونَ ٢٣ أَن لَّا يَدۡخُلَنَّهَا ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكُم مِّسۡكِينٞ ٢٤ وَغَدَوۡاْ عَلَىٰ حَرۡدٖ قَٰدِرِينَ ٢٥ فَلَمَّا رَأَوۡهَا قَالُوٓاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ ٢٦ بَلۡ نَحۡنُ مَحۡرُومُونَ ٢٧ قَالَ أَوۡسَطُهُمۡ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ لَوۡلَا تُسَبِّحُونَ ٢٨ قَالُواْ سُبۡحَٰنَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ٢٩ فَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَلَٰوَمُونَ ٣٠ قَالُواْ يَٰوَيۡلَنَآ إِنَّا كُنَّا طَٰغِينَ ٣١ عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبۡدِلَنَا خَيۡرٗا مِّنۡهَآ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَٰغِبُونَ ٣٢ كَذَٰلِكَ ٱلۡعَذَابُۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٣٣

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

إِنّا بَلَوْنَهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصحَب الجَْنّةِ إِذْ أَقْسمُوا لَيَصرِمُنهَا مُصبِحِينَ (17) وَ لا يَستَثْنُونَ (18) فَطاف عَلَيهَا طائفٌ مِّن رّبِّك وَ هُمْ نَائمُونَ (19) فَأَصبَحَت كالصرِيمِ (20) فَتَنَادَوْا مُصبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكمْ إِن كُنتُمْ صرِمِينَ (22) فَانطلَقُوا وَ هُمْ يَتَخَفَتُونَ (23) أَن لا يَدْخُلَنهَا الْيَوْمَ عَلَيْكم مِّسكِينٌ (24) وَ غَدَوْا عَلى حَرْدٍ قَدِرِينَ (25) فَلَمّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنّا لَضالّونَ (26) بَلْ نحْنُ محْرُومُونَ (27) قَالَ أَوْسطهُمْ أَ لَمْ أَقُل لّكمْ لَوْ لا تُسبِّحُونَ (28) قَالُوا سبْحَنَ رَبِّنَا إِنّا كُنّا ظلِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلَوَمُونَ (30) قَالُوا يَوَيْلَنَا إِنّا كُنّا طغِينَ (31) عَسى رَبّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيراً مِّنهَا إِنّا إِلى رَبِّنَا رَغِبُونَ (32) كَذَلِك الْعَذَاب وَ لَعَذَاب الاَخِرَةِ أَكْبرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (33)

القراءة

قرأ أهل المدينة و أبو عمرو أن يبدلنا بالتشديد و الباقون بالتخفيف و قد مر ذكره في سورة الكهف.

اللغة

الصرم و الجداد في النخل بمنزلة الحصاد و القطاف في الزرع و الكرم يقال صرمت النخلة و جددتها و أصرم النخل و أجدت حان ذلك منها و الصريم الليل الأسود و أنشد أبو عمرو:

{ألا بكرت و عاذلتي تلوم --- تجهلني و ما انكشف الصريم}

و قال الآخر:

{تطاول ليلك الجون البهيم --- فما ينجاب عن صبح صريم} {إذا ما قلت أقشع أو تناهى --- جرت من كل ناحية غيوم}

و يسمى النهار أيضا صريما فهو من الأضداد لأن الليل ينصرم عند مجيء النهار و النهار ينصرم عند مجيء الليل و الصريم أيضا المصروم أي صرم جميع ثمارها و قيل الصريم منقطع الرمل الذي لا نبات فيه قال امرؤ القيس:

{و ظل لصيران الصريم غماغم --- تدعسها بالسمهري المغلب}

و الطائف الطارق بالليل و إذا قيل طاف به صلح في الليل و النهار و أنشد الفراء:

{أطفت بها نهارا غير ليل --- و ألهى ربها طلب الرخال}

و الرخال الإناث من أولاد الضأن واحدتها رخل و الحرد المنع من قولهم حاردت السنة إذا منعت قطرها و حاردت الناقة إذا منعت لبنها قال الكميت:

{و حاردت المكد الجلاد و لم يكن --- بعقبة قدر المستعيرين معقب}

و يروى النكد و هي النوق الغزيرات الألبان و قيل إن أصل الحرد القصد قال:

{أقبل سيل جاء من عند الله --- يحرد حرد الجنة المغلة}

أي يقصد و حرد يحرد حردا و قيل الحرد الغضب و الحنق قال الأشهب بن رميلة:

{أسود شرى لاقت أسود خفية --- تساقوا على حرد دماء الأساود}

المعنى

ثم قال سبحانه «إنا بلوناهم» يعني أهل مكة أي اختبرناهم بالجوع و القحط «كما بلونا أصحاب الجنة» أي البستان الذي فيه الشجر قال سعيد بن جبير و هذه الجنة حديقة كانت باليمن في قرية يقال لها صروان بينها و بين صنعاء اثنا عشر ميلا كانت لشيخ و كان يمسك منها قدر كفايته و كفاية أهله و يتصدق بالباقي فلما مات قال بنوه نحن أحق بها لكثرة عيالنا و لا يسعنا أن نفعل كما فعل أبونا و عزموا على حرمان المساكين فصارت عاقبتهم إلى ما قص الله تعالى في كتابه و هو قوله «إذ أقسموا» أي حلفوا فيما بينهم «ليصرمنها مصبحين» أي ليقطعن ثمرتها إذا دخلوا في وقت الصباح «و لا يستثنون» أي غير مستثنين في أيمانهم فلم يقولوا إن شاء الله فإن قول القائل لأفعلن كذا إلا أن يشاء الله استثناء و معناه إلا أن يشاء الله منعي أو تمكين مانعي «فطاف عليها طائف من ربك» أي أحاطت بها النار فاحترقت عن ابن عباس و قيل معناه طرقها طارق من أمر الله عن قتادة «و هم نائمون» أي في حال نومهم قال مقاتل بعث الله نارا بالليل على جنتهم فأحرقتها حتى صارت مسودة فذلك قوله «فأصبحت كالصريم» أي كالليل المظلم و الصريمان الليل و النهار

لانصرام إحداهما من الآخر عن ابن عباس و أبي عمرو بن العلاء و قيل الصريم المصروم ثماره أي المقطوع و المعنى أنها صارت كأن جميع ثمارها قطعت عن الجبائي و قيل الصريم الذي صرم عنه الخير فليس فيه شيء منه عن الحسن و قيل كالصريم أي كالرملة انصرمت عن معظم الرمل عن مؤرج و قيل كالرماد الأسود بلغة خزيمة «فتنادوا مصبحين» أي نادى بعضهم بعضا وقت الصباح و أصل التنادي من الندى بالقصر لأن النداء الدعاء بندى الصوت الذي يمتد على طريقة يا فلان لأن الصوت إنما يمتد للإنسان بندى حلقه «أن اغدوا على حرثكم» أي تنادوا بأن غدوا معناه قال بعضهم لبعض اغدوا على حرثكم و الحرث الزروع و الأعناب «إن كنتم صارمين» أي قاطعين النخل «فانطلقوا» أي فمضوا إليها «و هم يتخافتون» أي يتسارون بينهم و أصله من خفت فلان يخفت إذا أخفى نفسه «أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين» هذا ما كانوا يتخافتون به «و غدوا على حرد» أي على قصد منع الفقراء «قادرين» عند أنفسهم و في اعتقادهم على منعهم و إحراز ما في جنتهم و قيل على حرد أي على جد و جهد من أمرهم عن مجاهد و قتادة و أبي العالية و قيل على جد في المنع عن أبي عبيدة و قيل على حنق و غضب من الفقراء عن سفيان و قيل قادرين مقدرين موافاتهم في الجنة في الوقت الذي قدروا إصرامها فيه و هو وقت الصبح و التقدير قصدوا الجنة للوقت الذي قدروا إصرامها فيه عن أبي مسلم «فلما رأوها» أي رأوا الجنة على تلك الصفة «قالوا إنا الضالون» ضللنا عن الطريق فليس هذا بستاننا عن قتادة و قيل معناه إنا لضالون عن الحق في أمرنا فلذلك عوقبنا بذهاب ثمر جنتنا ثم استدركوا فقالوا «بل نحن محرومون» و المعنى أن هذه جنتنا و لكن حرمنا نفعها و خيرها لمنعنا حقوق المساكين و تركنا الاستثناء «قال أوسطهم» أي أعدلهم قولا عن ابن عباس و الحسن و مجاهد و قيل معناه أفضلهم و أعقلهم و قيل أوسطهم في السن «أ لم أقل لكم لو لا تسبحون» كأنه كان حذرهم سوء فعالهم قال لو لا تستثنون عن مجاهد لأن في الاستثناء التوكل على الله و التعظيم لله و الإقرار بأنه لا يقدر أحد على فعل شيء إلا بمشيئة الله فلذلك سماه تسبيحا و قيل معناه هلا تعظمون الله بعبادته و اتباع أمره و قيل معناه هلا تذكرون نعم الله عليكم فتؤدوا شكرها بأن تخرجوا حق الفقراء من أموالكم و قيل معناه هلا نزهتم الله تعالى عن الظلم و اعترفتم بأنه لا يظلم و لا يرضى منكم بالظلم و قيل معناه لم لا تصلون ثم حكى عنهم أنهم «قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين» في عزمنا على حرمان المساكين من حصتهم عند الصرام فحرمنا قطعها و بالانتفاع بها و المعنى أنه سبحانه منزه عن الظلم فلم يفعل بنا ما فعله ظلما و إنما الظلم وقع منا حيث منعنا الحق «فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون» أي يلوم بعضهم بعضا على ما فرط منهم «قالوا يا ويلنا إنا

كنا طاغين» قد غلونا في الظلم و تجاوزنا الحد فيه و الويل غلظ المكروه الشاق على النفس و الويس دونه و الويح بينهما قال عمرو بن عبيد يجوز أن يكون ذلك منهم توبة و يجوز أن يكون على حد ما يقول الكافر إذا وقع في الشدة «عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها» أي لما تابوا و رجعوا إلى الله قالوا لعل الله يخلف علينا و يولينا خيرا من الجنة التي هلكت «إنا إلى ربنا راغبون» أي نرغب إلى الله و نسأله ذلك و نتوب إليه مما فعلناه و قرىء يبدلنا بالتشديد و التخفيف و معناهما واحد «كذلك العذاب» في الدنيا للعاصين «و لعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون» و الأكبر هو الذي يصغر مقدار غيره بالإضافة إليه و روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال بلغني أن القوم أخلصوا و عرف الله تعالى منهم الصدق فأبدلهم بها جنة يقال لها الحيوان فيها عنب يحمل البغل منها عنقودا و قال أبو خالد اليمامي رأيت تلك الجنة و رأيت كل عنقود منها كالرجل الأسود القائم.