۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الملك، آية ٢٥

التفسير يعرض الآيات ٢٢ إلى ٣٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

أَفَمَن يَمۡشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجۡهِهِۦٓ أَهۡدَىٰٓ أَمَّن يَمۡشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٢٢ قُلۡ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَكُمۡ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَۚ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ ٢٣ قُلۡ هُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَإِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٢٤ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٥ قُلۡ إِنَّمَا ٱلۡعِلۡمُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٢٦ فَلَمَّا رَأَوۡهُ زُلۡفَةٗ سِيٓـَٔتۡ وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقِيلَ هَٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تَدَّعُونَ ٢٧ قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِنۡ أَهۡلَكَنِيَ ٱللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوۡ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ ٱلۡكَٰفِرِينَ مِنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ ٢٨ قُلۡ هُوَ ٱلرَّحۡمَٰنُ ءَامَنَّا بِهِۦ وَعَلَيۡهِ تَوَكَّلۡنَاۖ فَسَتَعۡلَمُونَ مَنۡ هُوَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٢٩ قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِنۡ أَصۡبَحَ مَآؤُكُمۡ غَوۡرٗا فَمَن يَأۡتِيكُم بِمَآءٖ مَّعِينِۭ ٣٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

أَ فَمَن يَمْشى مُكِباّ عَلى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمّن يَمْشى سوِياّ عَلى صِرَطٍ مّستَقِيمٍ (22) قُلْ هُوَ الّذِى أَنشأَكمْ وَ جَعَلَ لَكمُ السمْعَ وَ الأَبْصرَ وَ الأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مّا تَشكُرُونَ (23) قُلْ هُوَ الّذِى ذَرَأَكُمْ فى الأَرْضِ وَ إِلَيْهِ تحْشرُونَ (24) وَ يَقُولُونَ مَتى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صدِقِينَ (25) قُلْ إِنّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللّهِ وَ إِنّمَا أَنَا نَذِيرٌ مّبِينٌ (26) فَلَمّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَت وُجُوهُ الّذِينَ كَفَرُوا وَ قِيلَ هَذَا الّذِى كُنتُم بِهِ تَدّعُونَ (27) قُلْ أَ رَءَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنىَ اللّهُ وَ مَن مّعِىَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يجِيرُ الْكَفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (28) قُلْ هُوَ الرّحْمَنُ ءَامَنّا بِهِ وَ عَلَيْهِ تَوَكلْنَا فَستَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فى ضلَلٍ مّبِينٍ (29) قُلْ أَ رَءَيْتُمْ إِنْ أَصبَحَ مَاؤُكمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكم بِمَاءٍ مّعِينِ (30)

القراءة

قرأ يعقوب تدعون ساكنة الدال خفيفة و هو قراءة الحسن و الضحاك و قتادة و الباقون «تدعون» بالتشديد و قرأ الكسائي فسيعلمون بالياء و الباقون بالتاء.

الحجة

أما قوله تدعون فالمعنى هذا الذي كنتم به تدعون الله كقوله تعالى «سأل سائل بعذاب واقع» و أما «تدعون» بالتشديد فمعناه تتداعون بوقوعه قال ابن جني

يعني كان الدعوة بوقوعه فاشية بينكم كقوله تعالى في معنى العموم «و لا تنابزوا بالألقاب» أي لا يفش هذا فيكم و ليس معنى تدعون هنا من ادعاء الحقوق و إنما بمعنى تتداعون من الدعاء لا من الدعوى كما في قول الشاعر

{فما برحت خيل تثوب و تدعي}

يعني تتداعى بينهما يا لفلان.

اللغة

يقال كببته فأكب و هو نادر مثل قشعت الريح السحاب فاقشعت و نزفت البئر فأنزفت أي ذهب ماؤها و نسلت ريش الطائر فأنسل و الزلفة القربة و هو مصدر يستوي فيه الواحد و الجمع و منه المزدلفة لقربه من مكة و قد تجمع الزلفة زلفا قال العجاج:

{ناج طواه الأين مما وجفا --- طي الليالي زلفا فزلفا}

و ساءه الأمر يسوؤه سوءا أي غمه و حزنه و منه أساء يسيء إذا فعل ما يؤدي إلى الغم و ماء غور أي غائر وصف بالمصدر مبالغة كما يقال هؤلاء زور فلان و ضيفه و المعين قيل أنه مفعول مأخوذ من العين فعلى هذا يكون مثل مبيع من البيع و قيل أنه من الإمعان في الجري فعلى هذا يكون على وزن فعيل فكأنه قيل ممعن في الإسراع و الظهور.

الإعراب

قليلا صفة مصدر محذوف أي تشكرون شكرا قليلا و ما مزيدة «فستعلمون من هو في ضلال مبين» يحتمل أن يكون من استفهاما فيكون اسما موصولا قال أبو علي دخلت الفاء في قوله «فمن يجير» و قوله «فمن يأتيكم» لأن أ رأيتم بمعنى انتبهوا أي انتبهوا فمن يجير و انتبهوا فمن يأتيكم كما تقول قم فزيد قائم قال و لا يكون الفاء جواب الشرط و إنما يكون جواب الشرط مدلول «أ رأيتم» قال و إن شئت كان الفاء زائدة مثلها في قوله «فلا تحسبنهم» و يكون الاستفهام سادا مسدة مفعولي أ رأيتم كقولهم أ رأيت زيدا ما فعل و هذا من دقائقه.

المعنى

ثم ضرب سبحانه مثلا للكافر و المؤمن فقال «أ فمن يمشي مكبا على وجهه» أي منكسا رأسه إلى الأرض فهو لا يبصر الطريق و لا من يستقبله ينظر أمامه و لا يمينه و لا شماله و هو الكافر المقلد لا يدري أ محق هو أم مبطل هذا «أهدى أم من يمشي سويا» أي مستويا قائما يبصر الطريق و جميع جهاته كلها فيضع قدمه حيث لا يعثر و هو المؤمن الذي سلك طريق الحق و عرفه و استقام عليه و أمكنه دفع المضار عن نفسه و جلب المنافع إليها «على صراط مستقيم» أي على طريق واضح قيم و هذا معنى قول ابن عباس و مجاهد و قيل

أن هذا في الآخرة يحشر الله الكافر مكبا على وجهه يوم القيامة كما قال و نحشرهم يوم القيامة على وجوههم عن قتادة «قل» يا محمد لهؤلاء الكفار «هو الذي أنشأكم» بأن أخرجكم من العدم إلى الوجود «و جعل لكم السمع» تسمعون به المسموعات «و الأبصار» تبصرون بها المبصرات «و الأفئدة» يعني القلوب تعقلون بها و تتدبرون فأعطاكم آلات التفكر و التمييز و الوصول إلى العلم «قليلا ما تشكرون» أي تشكرون قليلا و قيل معناه قليلا شكركم فتكون ما مصدرية «قل» لهم يا محمد «هو» الله تعالى «الذي ذرأكم» أي خلقكم «في الأرض و إليه تحشرون» منها أي تبعثون إليه يوم القيامة فيجازيكم على أعمالكم ثم حكى سبحانه ما كان يقوله الكفار مستبطئين عذاب الله مستهزئين بذلك فقال «و يقولون متى هذا الوعد» من الخسف و الحاصب أو البعث و الجزاء «إن كنتم صادقين» في أن ذلك يكون «قل» يا محمد «إنما العلم عند الله» يعني علم الساعة «و إنما أنا نذير» مخوف لكم به «مبين» أي مبين لكم ما أنزل الله إلى من الوعد و الوعيد و الأحكام ثم ذكر سبحانه حالهم عند نزول العذاب و معاينته فقال «فلما رأوه زلفة» أي فلما رأوا العذاب قريبا يعني يوم بدر عن مجاهد و قيل معاينة عن الحسن و قيل أن اللفظ ماض و المراد به المستقبل و المعنى إذا بعثوا و رأوا القيامة قد قامت و رأوا ما أعد لهم من العذاب و هذا قول أكثر المفسرين «سيئت وجوه الذين كفروا» أي اسودت وجوههم و علتها الكآبة يعني قبحت وجوههم بالسواد و قيل معناه ظهرت على وجوههم آثار الغم و الحسرة و نالهم السوء و الخزي «و قيل» لهؤلاء الكفار إذا شاهدوا العذاب «هذا الذي كنتم به تدعون» قال الفراء تدعون و تدعون واحد مثل تدخرون و تدخرون و المعنى كنتم به تستعجلون و تدعون الله بتعجيله و هو قولهم إن كان هذا هو الحق من عندك الآية عن ابن زيد و قيل هو تدعون من الدعوى أي تدعون أن لا جنة و لا نار عن الحسن و روى الحاكم أبو القاسم الحسكاني بالأسانيد الصحيحة عن الأعمش قال لما رأوا لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) عند الله من الزلفى سيئت وجوه الذين كفروا و عن أبي جعفر (عليه السلام) فلما رأوا مكان علي (عليه السلام) من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سيئت وجوه الذين كفروا يعني الذين كذبوا بفضله «قل» لهؤلاء الكفار «أ رأيتم إن أهلكني الله و من معي» بأن يميتنا «أو رحمنا» بتأخير آجالنا «فمن يجير الكافرين من عذاب أليم» استحقوه بكفرهم و ما الذي ينفعهم في دفع العذاب عنهم و قيل أن الكفار كانوا يتمنون موت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و موت أصحابه فقيل له قل لهم إن أهلكني الله و من معي ذلك بأن يميتني و يميت أصحابي فمن الذي ينفعكم و يؤمنكم من العذاب فإنه واقع بكم لا محالة و قيل معناه أ رأيتم أن عذبني الله و من معي أو رحمنا أي غفر لنا فمن يجيركم أي نحن مع إيماننا

بين الخوف و الرجاء فمن يجيركم مع كفركم من العذاب و لا رجاء لكم كما للمؤمنين عن ابن عباس و ابن كيسان ثم قال «قل» لهؤلاء الكفار على وجه التوبيخ لهم «هو الرحمن» أي إن الذي أدعوكم إليه هو الرحمن الذي عمت نعمته جميع الخلائق «آمنا به و عليه توكلنا» أي عليه اعتمدنا و جميع أمورنا إليه فوضنا «فستعلمون» معاشر الكفار يوم القيامة «من هو في ضلال مبين» اليوم أ نحن أم أنتم و من قرأ بالياء فمعناه فسيعلم الكفار ذلك «قل أ رأيتم أن أصبح ماؤكم غورا» أي غائرا ناضبا في الآبار و العيون «فمن يأتيكم بماء معين» أي ظاهر للعيون عن أبي مسلم و الجبائي و قيل بماء جار عن ابن عباس و قتادة أراد سبحانه أنه المنعم بالأرزاق فاشكروه و اعبدوه و لا تشركوا به شيئا و ذكر مقاتل أنه أراد بقوله «ماؤكم» بئر زمزم و بئر ميمون و هي بئر عادية قديمة و كان ماؤهم من هاتين البئرين و المعين الذي تناله الدلاء و تراه العيون.