۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الطور، آية ١٤

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ١٦

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَٱلطُّورِ ١ وَكِتَٰبٖ مَّسۡطُورٖ ٢ فِي رَقّٖ مَّنشُورٖ ٣ وَٱلۡبَيۡتِ ٱلۡمَعۡمُورِ ٤ وَٱلسَّقۡفِ ٱلۡمَرۡفُوعِ ٥ وَٱلۡبَحۡرِ ٱلۡمَسۡجُورِ ٦ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَٰقِعٞ ٧ مَّا لَهُۥ مِن دَافِعٖ ٨ يَوۡمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوۡرٗا ٩ وَتَسِيرُ ٱلۡجِبَالُ سَيۡرٗا ١٠ فَوَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ١١ ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي خَوۡضٖ يَلۡعَبُونَ ١٢ يَوۡمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ١٣ هَٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ١٤ أَفَسِحۡرٌ هَٰذَآ أَمۡ أَنتُمۡ لَا تُبۡصِرُونَ ١٥ ٱصۡلَوۡهَا فَٱصۡبِرُوٓاْ أَوۡ لَا تَصۡبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡكُمۡۖ إِنَّمَا تُجۡزَوۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٦

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ وَ الطورِ (1) وَ كِتَبٍ مّسطورٍ (2) فى رَقٍّ مّنشورٍ (3) وَ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4) وَ السقْفِ الْمَرْفُوع (5) وَ الْبَحْرِ المَْسجُورِ (6) إِنّ عَذَاب رَبِّك لَوَقِعٌ (7) مّا لَهُ مِن دَافِعٍ (8) يَوْمَ تَمُورُ السمَاءُ مَوْراً (9) وَ تَسِيرُ الْجِبَالُ سيراً (10) فَوَيْلٌ يَوْمَئذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (11) الّذِينَ هُمْ فى خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (12) يَوْمَ يُدَعّونَ إِلى نَارِ جَهَنّمَ دَعاّ (13) هَذِهِ النّارُ الّتى كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ (14) أَ فَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنتُمْ لا تُبْصِرُونَ (15) اصلَوْهَا فَاصبرُوا أَوْ لا تَصبرُوا سوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنّمَا تجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (16)

اللغة

قال المبرد يقال لكل جبل طور فإذا دخلت الألف و اللام للمعرفة فهو لشيء بعينه و الرق جلد يكتب فيه و أصله من اللمعان يقال ترقرق الشيء إذا لمع و الرقراق ترقرق السراب و المسجور المملوء يقال سجرت التنور أي ملأتها نارا و عين سجراء ممتلئة فيها حمرة كأنها احمرت مما هو حولها كالسجار للتنور قال لبيد:

{فتوسطا عرض السري فصدعا --- مسجورة متجاورا قلامها}

والمور تردد الشيء بالذهاب و المجيء كما يتردد الدخان ثم يضمحل مار يمور مورا فهو مائر و روى بيت الأعشى:

{كان مشيتها من بيت جارتها ---مور السحابة لا ريث و لا عجل}

وقيل مر السحابة و الخوض الدخول في الماء بالقدم و شبه به الدخول في القول و الدع الدفع يقال دعه يدعه دعا و صكه يصكه صكا مثله.

الإعراب

«و الطور» الواو للقسم و ما بعده عطف عليه و العامل في قوله «يوم تمور السماء مورا» قوله «واقع» أي يقع في ذلك اليوم و يجوز أن يكون يوم هاهنا على تقدير إذا و يكون العامل فيه جوابه و هو الفاء و ما بعده من قوله «فويل يومئذ للمكذبين» كما جاء «و يوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون» و قوله و «يوم يدعون» بدل من قوله «يوم تمور السماء» و إن شئت كان التقدير فيه يوم يدعون إلى نار جهنم دعا يقال لهم هذه النار التي كنتم بها تكذبون فيعمل فيه يقال.

«أ فسحر هذا» مبتدأ و خبر «أم أنتم» أي بل أنتم لا تبصرون.

المعنى

«و الطور» أقسم الله سبحانه بالجبل الذي كلم عليه موسى (عليه السلام) بالأرض المقدسة عن الجبائي و جماعة من المفسرين و قيل هو الجبل أقسم به لما أودع فيه من أنواع نعمه عن مجاهد و الكلبي «و كتاب مسطور» أي مكتوب و هو الكتاب الذي كتبه الله لملائكته في السماء يقرءون فيه ما كان و ما يكون و قيل هو القرآن مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ و هو الرق المنشور و قيل هو صحائف الأعمال التي تخرج إلى بني آدم يوم القيامة فمنهم آخذ كتابه بيمينه و آخذ بشماله و هذا كقوله «و نخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا» عن الفراء و قيل هو التوراة كتبها الله لموسى فخص الطو بالذكر لبركتها و كثرة منافعها في الدنيا و ذكر الكتاب لعظم موقعها من الدين عن الكلبي و قيل أنه القرآن يكتبه المؤمنون «في رق منشور» أي و ينشرونه لقراءته و الرق ما يكتب فيه و قيل الرق هو الورق عن أبي عبيدة و قيل إنما ذكر الرق لأنه من أحسن ما يكتب فيه و إذا كتبت الحكمة فيما هو على هذه الصفة كان أبهى و المنشور المبسوط «و البيت المعمور» و هو بيت في السماء الرابعة بحيال الكعبة تعمره الملائكة بما يكون منها فيه من العبادة عن ابن عباس و مجاهد و روي أيضا عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال و يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه أبدا و روي عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال البيت المعمور في السماء الدنيا و في السماء الرابعة نهر يقال له الحيوان يدخل فيه جبريل كل يوم طلعت فيه الشمس و إذا خرج انتفض انتفاضة جرت منه سبعون ألف قطرة يخلق الله من كل قطرة ملكا يؤمرون أن يأتوا البيت المعمور فيصلون فيه فيفعلون ثم لا يعودون إليه أبدا و عن ابن عباس قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) البيت الذي في السماء الدنيا يقال له الضراح و هو بفناء البيت الحرام لو سقط سقط عليه يدخله كل يوم ألف ملك لا يعودون إليه أبدا و قيل البيت المعمور هو الكعبة البيت الحرام معمور بالحج و العمرة عن الحسن و هو أول مسجد وضع للعبادة في الأرض «و السقف المرفوع» هو السماء عن علي (عليه السلام) و مجاهد و قتادة و ابن زيد قالوا هي كالسقف للأرض رفعها الله «و البحر المسجور» أي المملوء عن قتادة و قيل هو الموقد المحمي بمنزلة التنور عن مجاهد و الضحاك و الأخفش و ابن زيد ثم قيل أنه تحمى البحار يوم القيامة فتجعل نيرانا ثم تفجر بعضها في بعض ثم تفجر إلى النار ورد به الحديث

«إن عذاب ربك لواقع» هذا جواب القسم أقسم الله بهذه الأشياء للتنبيه على ما فيها من عظيم القدرة على أن تعذيب المشركين حق واقع لا محالة «ما له من دافع» يدفع عنهم ذلك العذاب ثم بين سبحانه أنه متى يقع فقال «يوم تمور السماء مورا» أي تدور دورانا و تضطرب و تموج و تتحرك و تستدير كل هذه من عبارات المفسرين «و تسير الجبال سيرا» أي تسير الجبال و تزول من أماكنها حتى تستوي الأرض «فويل يومئذ للمكذبين» دخلت الفاء لأن في الكلام معنى المجازاة و التقدير إذا كان هذا فويل لمن يكذب الله و رسوله «الذين هم في خوض» أي في حديث باطل يخوضون و هو الحديث الذي كان يخوض فيه الكفار من إنكار البعث و تكذيب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) «يلعبون» أي يلهون بذكره «يوم يدعون» أي يدفعون «إلى نار جهنم دعا» أي دعا بعنف و جفوة قال مقاتل هو أن تغل أيديهم إلى أعناقهم و تجمع نواصيهم إلى أقدامهم ثم يدفعون إلى جهنم دفعا على وجوههم حتى إذا دنوا قال لهم خزنتها «هذه النار التي كنتم بها تكذبون» في الدنيا ثم وبخوهم لما عاينوا بما كانوا يكذبون به و هو قوله «أ فسحر هذا» الذي ترون أنتم «أم أنتم لا تبصرون» و ذلك أنهم كانوا ينسبون محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى السحر و إلى أنه يغطي على الأبصار بالسحر فلما شاهدوا ما وعدوا به من العذاب وبخوا بهذا ثم يقال لهم «اصلوها» أي قاسوا شدتها «فاصبروا» على العذاب «أو لا تصبروا» عليه «سواء عليكم» الصبر و الجزع «إنما تجزون ما كنتم تعملون» في الدنيا من المعاصي بكفركم و تكذيبكم الرسول.