۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الحجرات، آية ٢

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ١ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرۡفَعُوٓاْ أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِيِّ وَلَا تَجۡهَرُواْ لَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ كَجَهۡرِ بَعۡضِكُمۡ لِبَعۡضٍ أَن تَحۡبَطَ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ ٢ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصۡوَٰتَهُمۡ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمۡتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡ لِلتَّقۡوَىٰۚ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٌ عَظِيمٌ ٣ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلۡحُجُرَٰتِ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ٤ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخۡرُجَ إِلَيۡهِمۡ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ يَأَيهَا الّذِينَ ءَامَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَينَ يَدَىِ اللّهِ وَ رَسولِهِ وَ اتّقُوا اللّهَ إِنّ اللّهَ سمِيعٌ عَلِيمٌ (1) يَأَيهَا الّذِينَ ءَامَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصوَتَكُمْ فَوْقَ صوْتِ النّبىِّ وَ لا تجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكمْ لِبَعْضٍ أَن تحْبَط أَعْمَلُكُمْ وَ أَنتُمْ لا تَشعُرُونَ (2) إِنّ الّذِينَ يَغُضونَ أَصوَتَهُمْ عِندَ رَسولِ اللّهِ أُولَئك الّذِينَ امْتَحَنَ اللّهُ قُلُوبهُمْ لِلتّقْوَى لَهُم مّغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ عَظِيمٌ (3) إِنّ الّذِينَ يُنَادُونَك مِن وَرَاءِ الحُْجُرَتِ أَكثرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (4) وَ لَوْ أَنهُمْ صبرُوا حَتى تخْرُجَ إِلَيهِمْ لَكانَ خَيراً لّهُمْ وَ اللّهُ غَفُورٌ رّحِيمٌ (5)

القراءة

قرأ يعقوب لا تقدموا بفتح التاء و الدال و الباقون «لا تقدموا» بضم التاء و كسر الدال و قرأ أبو جعفر الحجرات بفتح الجيم و الباقون بضمها.

الحجة

قال ابن جني معناه لا تفعلوا ما تؤثرونه و تتركوا ما أمركم الله و رسوله به و هذا معنى القراءة المشهورة «لا تقدموا» أي لا تقدموا أمرا على ما أمركم الله به فالمفعول هنا محذوف كما ترى و من قرأ الحجرات أبدل من الضمة فتحة استثقالا بتوالي الضمتين و منهم من أسكن فقال الحجرات مثل عضد و عضد و قال أبو عبيدة حجرات جمع حجر فهو جمع الجمع.

اللغة

قدم تقديما و أقدم إقداما و استقدم و قدم كل ذلك بمعنى تقدم و الجهر ظهور الصوت بقوة الاعتماد و منه الجهارة في المنطق و جاهر بالأمر مجاهرة و يقال جهارا و نقيض الجهر الهمس و الحروف المجهورة تسعة عشر حرفا يجمعها قولك أطلقن ضرغم عجز ظبي ذواد و ما عداها من الحروف مهموس يجمعها قولك حث فسكت شخصه و الغض الحط من منزلة على وجه التصغير يقال غض فلان من فلان إذا صغر حالة من هو أرفع منه و غض بصره إذا ضعفه عن حدة النظر قال جرير:

{فغض الطرف إنك من نمير --- فلا كعبا بلغت و لا كلابا}

الإعراب

«أن تحبط أعمالكم» في محل النصب لأنه مفعول له و يجوز أن يكون في محل جر باللام المقدرة أي لأن تحبط أعمالكم و قيل تقديره كراهة أن تحبط أو حذار أن تحبط.

النزول

نزل قوله «يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم» إلى قوله «غفور رحيم» في وفد تميم و هم عطارد بن حاجب بن زرارة في أشراف من بني تميم منهم الأقرع بن حابس و الزبرقان بن بدر و عمرو بن الأهتم و قيس بن عاصم في وفد عظيم فلما دخلوا المسجد نادوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من وراء الحجرات أن اخرج إلينا يا محمد فآذى ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فخرج إليهم فقالوا جئناك لنفاخرك فأذن لشاعرنا و خطيبنا فقال قد أذنت فقام عطارد بن حاجب و قال الحمد لله الذي جعلنا ملوكا الذي له الفضل علينا و الذي وهب علينا أموالا عظاما نفعل بها المعروف و جعلنا أعز أهل المشرق و أكثر عددا و عدة فمن مثلنا في الناس فمن فاخرنا فليعد مثل ما عددنا و لو شئنا لأكثرنا من الكلام و لكنا نستحي من الإكثار ثم جلس فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لثابت بن قيس بن شماس قم فأجبه فقام فقال الحمد لله الذي السماوات و الأرض خلقه قضى فيهن أمره و وسع كرسيه علمه و لم يكن شيء قط إلا من فضله ثم كان من فضله أن جعلنا ملوكا و اصطفى من خير خلقه رسولا أكرمهم نسبا و أصدقهم حديثا و أفضلهم حسبا فأنزل الله عليه كتابا و ائتمنه على خلقه فكان خيرة الله على العالمين ثم دعا الناس إلى الإيمان بالله فآمن به المهاجرون من قومه و ذوي رحمة أكرم الناس أحسابا و أحسنهم وجوها فكان أول الخلق إجابة و استجابة لله حين دعاه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نحن فنحن أنصار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و ردؤه نقاتل الناس حتى يؤمنوا فمن آمن بالله و رسوله منع ماله و دمه و من نكث جاهدناه في الله أبدا و كان قتله علينا يسيرا أقول هذا و أستغفر الله للمؤمنين و المؤمنات و السلام عليكم ثم قام الزبرقان بن بدر ينشد و أجابه حسان بن ثابت فلما فرغ حسان من قوله قال الأقرع إن هذا الرجل خطيبه أخطب من خطيبنا و شاعرة أشعر من شاعرنا و أصواتهم أعلى من أصواتنا فلما فرغوا أجازهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأحسن جوائزهم و أسلموا عن ابن إسحاق و قيل إنهم أناس من بني العنبر كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أصاب من ذراريهم فأقبلوا في فدائهم فقدموا المدينة و دخلوا المسجد و عجلوا أن يخرج إليهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فجعلوا يقولون يا محمد اخرج إلينا عن أبي حمزة الثمالي عن عكرمة عن ابن عباس.

المعنى

«يا أيها الذين آمنوا» روى زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال ما سلت السيوف و لا أقيمت الصفوف في صلاة و لا زحوف و لا جهر بأذان و لا أنزل الله «يا أيها الذين آمنوا» حتى أسلم أبناء قبيلة الأوس و الخزرج «لا تقدموا بين يدي الله و رسوله» بين اليدين عبارة عن الإمام لأن ما بين يدي الإنسان أمامه و معناه لا تقطعوا أمرا دون الله و رسوله و لا تعجلوا به قال أبو عبيدة العرب تقول لا نقدم بين يدي الإمام و بين يدي الأب أي لا تعجل بالأمر دونه و النهي و قدم هنا بمعنى تقدم و هو لازم و قيل معناه لا تقدموا أعمال الطاعة قبل الوقت الذي أمر الله و رسوله به حتى أنه قيل لا يجوز تقديم الزكاة قبل وقتها عن الزجاج و قيل لا تمكنوا أحدا يمشي أمام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بل كونوا تبعا له و أخروا أقوالكم و أفعالكم عن قوله و فعله و قال الحسن نزل في قوم ذبحوا الأضحية قبل صلاة العيد فأمرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالإعادة و قال ابن عباس نهوا أن يتكلموا قبل كلامه أي إذا كنتم جالسين في مجلس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فسئل عن مسألة فلا تسبقوه بالجواب حتى يجيب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أولا و قيل معناه لا تسبقوه بقول و لا فعل حتى يأمركم به عن الكلبي و السدي و الأولى حمل الآية على الجميع فإن كل شيء كان خلافا لله و رسوله إذا فعل فهو تقديم بين يدي الله و رسوله و ذلك ممنوع «و اتقوا الله» أي اجتنبوا معاصيه «إن الله سميع» لأقوالكم «عليم» بأعمالكم فيجازيكم بها «يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي» لأن فيه أحد الشيئين إما نوع استخفاف به فهو الكفر و إما سوء الأدب فهو خلاف التعظيم المأمور به

«و لا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض» أي غضوا أصواتكم عند مخاطبتكم إياه و في مجلسه فإنه ليس مثلكم إذ يجب تعظيمه و توقيره من كل وجه و قيل معناه لا تقولوا له يا محمد كما يخاطب بعضكم بعضا بل خاطبوه بالتعظيم و التبجيل و قولوا يا رسول الله «أن تحبط أعمالكم» أي كراهة أن تحبط أو لئلا تحبط أعمالكم و قيل إنه في حرف عبد الله فتحبط أعمالكم «و أنتم لا تشعرون» أي و أنتم لا تعلمون أنكم أحبطتم أعمالكم بجهر صوتكم على صوته و ترك تعظيمه قال أنس لما نزلت هذه الآية قال ثابت بن قيس أنا الذي كنت أرفع صوتي فوق صوت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و أجهر له بالقول حبط عملي و أنا من أهل النار و كان ثابت رفيع الصوت فذكر ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال هو من أهل الجنة و قال أصحابنا أن المعنى في قوله «أن تحبط أعمالكم» أنه ينحبط ثواب ذلك العمل لأنهم لو أوقعوه على وجه تعظيم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و توقيره لاستحقوا الثواب فلما فعلوه على خلاف ذلك الوجه استحقوا العقاب و فاتهم ذلك الثواب فانحبط عملهم فلا تعلق لأهل الوعيد بهذه الآية و لأنه تعالى علق الإحباط في هذه الآية بنفس العمل و هم يعلقونه بالمستحق على العمل و ذلك خلاف الظاهر ثم مدح سبحانه من يعظم رسوله و يوقره فقال «إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله» أي يخفضون أصواتهم في مجلسه إجلالا

«أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى» أي اختبرها فأخلصها للتقوى عن قتادة و مجاهد أخذ من امتحان الذهب بالنار إذا أذيب حتى يذهب غشه و يبقى خالصة و قيل معناه أنه علم خلوص نياتهم لأن الإنسان يمتحن الشيء ليعلم حقيقته و قيل معناه عاملهم معاملة المختبر بما تعبدهم به من هذه العبادة فخلصوا على الاختبار كما يخلص جيد الذهب بالنار «لهم مغفرة» من الله لذنوبهم «و أجر عظيم» على طاعتهم ثم خاطب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال «إن الذين ينادونك من وراء الحجرات» و هم الجفاة من بني تميم لم يعلموا في أي حجرة هو فكانوا يطوفون على الحجرات و ينادونه «أكثرهم لا يعقلون» وصفهم الله سبحانه بالجهل و قلة الفهم و العقل إذ لم يعرفوا مقدار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و لا ما استحقه من التوقير فهم بمنزلة البهائم «و لو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم» من أن ينادوك من وراء الحجرات في دينهم بما يحرزونه من الثواب و في دنياهم باستعمالهم حسن الأدب في مخاطبة الأنبياء ليعدوا بذلك في زمرة العقلاء و قيل معناه لأطلقت أسراهم بغير فداء فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان سبى قوما من بني العنبر فجاؤوا في فدائهم فأعتق نصفهم و فادى النصف فيقول و لو أنهم صبروا لكنت تعتق كلهم «و الله غفور رحيم» لمن تاب منهم.