۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الفتح، آية ٩

التفسير يعرض الآيات ٦ إلى ١٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَيُعَذِّبَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ وَٱلۡمُشۡرِكَٰتِ ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوۡءِۚ عَلَيۡهِمۡ دَآئِرَةُ ٱلسَّوۡءِۖ وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَلَعَنَهُمۡ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرٗا ٦ وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ٧ إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ شَٰهِدٗا وَمُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا ٨ لِّتُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُۚ وَتُسَبِّحُوهُ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلًا ٩ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوۡقَ أَيۡدِيهِمۡۚ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِمَا عَٰهَدَ عَلَيۡهُ ٱللَّهَ فَسَيُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا ١٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ يُعَذِّب الْمُنَفِقِينَ وَ الْمُنَفِقَتِ وَ الْمُشرِكِينَ وَ الْمُشرِكَتِ الظانِّينَ بِاللّهِ ظنّ السوْءِ عَلَيهِمْ دَائرَةُ السوْءِ وَ غَضِب اللّهُ عَلَيْهِمْ وَ لَعَنَهُمْ وَ أَعَدّ لَهُمْ جَهَنّمَ وَ ساءَت مَصِيراً (6) وَ للّهِ جُنُودُ السمَوَتِ وَ الأَرْضِ وَ كانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (7) إِنّا أَرْسلْنَك شهِداً وَ مُبَشراً وَ نَذِيراً (8) لِّتُؤْمِنُوا بِاللّهِ وَ رَسولِهِ وَ تُعَزِّرُوهُ وَ تُوَقِّرُوهُ وَ تُسبِّحُوهُ بُكرَةً وَ أَصِيلاً (9) إِنّ الّذِينَ يُبَايِعُونَك إِنّمَا يُبَايِعُونَ اللّهَ يَدُ اللّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نّكَث فَإِنّمَا يَنكُث عَلى نَفْسِهِ وَ مَنْ أَوْفى بِمَا عَهَدَ عَلَيْهُ اللّهَ فَسيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (10)

القراءة

قد بينا اختلافهم في السوء في سورة التوبة و قرأ ابن كثير و أبو عمرو ليؤمنوا بالله و ما بعده بالياء و قرأ الباقون بالتاء و قرأ أهل العراق فسيؤتيه بالياء و الباقون بالنون و في الشواذ قراءة الجحدري و تعزروه بفتح التاء و ضم الزاي مخففا.

الحجة

قال أبو علي حجة الياء أنه لا يقال لتؤمنوا بالله و رسوله و هو الرسول فإذا لم يسهل ذلك كانت القراءة بالياء ليؤمنوا و من قرأ بالتاء فعلى قوله لهم إنا أرسلناك إليهم شاهدا لتؤمنوا و حجة الياء في «فسيؤتيه» قوله و من أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما على تقديم ذكر الغيبة و زعموا أن في حرف عبد الله فسوف يؤتيه الله و النون على الانصراف من الإفراد إلى لفظ الكثرة و قال ابن جني من قرأ تعزروه فالمعنى تمنعوه و تمنعوا دينه و نبيه فهو كقوله إن تنصروا الله ينصركم أي إن تنصروا دينه فهو على حذف المضاف و أما «تعزروه» بالتشديد فتمنعوا منه بالسيف عن الكلبي و عزرت فلانا فخمت أمره و منه عزرة اسم رجل و منه عندي التعزير للضرب دون الحد و ذلك أنه لم يبلغ به ذل الحد الكامل فكأنه محاسنة فيه قال أبو حاتم و قرأ بعضهم تعززوه أي تجعلوه عزيزا.

المعنى

لما تقدم الوعد للمؤمنين عقبه سبحانه بالوعيد للكافرين فقال «و يعذب» الله «المنافقين و المنافقات» و هم الذين يظهرون الإيمان و يبطنون الشرك فالنفاق إسرار الكفر و إظهار الإيمان أخذ من نافقاء اليربوع و هو أن يجعل لسربه بابين يظهر أحدهما و يخفي الآخر فإذا أتي من الظاهر خرج من الآخر «و المشركين و المشركات» و هم الذين يعبدون مع الله غيره «الظانين بالله ظن السوء» أي يتوهمون أن الله ينصرهم على رسوله و ذلك سوء أي قبيح و السوء المصدر و السوء الاسم و قيل هو ظنهم أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يعود إلى موضع ولادته أبدا و قيل هو ظنهم أن لن يبعث الله أحدا و مثله و ظننتم ظن السوء «عليهم دائرة السوء» أي يقع عليهم العذاب و الهلاك و الدائرة هي الراجعة بخير أو شر قال حميد بن ثور:

{ودائرات الدهر أن تدورا}

وقيل إن من قرأ بالضم فالمراد دائرة العذاب و من قرأ بالفتح فالمراد ما جعله للمؤمنين من قتلهم و غنيمة أموالهم «و غضب الله عليهم و لعنهم» أي أبعدهم من رحمته «و أعد لهم جهنم» يجعلهم فيها «و ساءت مصيرا» أي مآلا و مرجعا «و لله جنود السماوات و الأرض» إنما كرر لأن الأول متصل بذكر المؤمنين أي فله الجنود التي يقدر أن يعينكم بها و الثاني متصل بذكر الكافرين أي فله الجنود التي يقدر على الانتقام منهم بها «و كان الله عزيزا» في قهره و انتقاله «حكيما» في فعله و قضائه ثم خاطب نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال «إنا أرسلناك» يا محمد «شاهدا» على أمتك بما عملوه من طاعة و معصية و قبول و رد أو شاهدا عليهم بتبليغ الرسالة «و مبشرا» بالجنة لمن أطاع «و نذيرا» من النار لمن عصى ثم بين سبحانه الغرض بالإرسال فقال «لتؤمنوا بالله» من قرأ ليؤمنوا بالياء فالمعنى ليؤمن هؤلاء الكفار بالله «و رسوله و تعزروه» أي تنصروه بالسيف و اللسان و الهاء تعود إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) «و توقروه» أي تعظموه و تبجلوه «و تسبحوه بكرة و أصيلا» أي و تصلوا بالغداة و العشي و قيل معناه و تنزهوه عما لا يليق به و كثير من القراء اختاروا الوقف على «و توقروه» لاختلاف الضمير فيه و فيما بعده و قيل «و تعزروه» أي و تنصروا الله «و توقروه» أي و تعظموه و تطيعوه كقوله لا ترجون لله وقارا و على هذا فتكون الكنايات متفقة و في هذه الآية دلالة على بطلان مذهب أهل الجبر أن الله سبحانه يريد من الكفار الكفر لأنه صرح هنا أنه يريد من جميع المكلفين الإيمان و الطاعة «إن الذين يبايعونك» المراد بالبيعة هنا بيعة الحديبية و هي بيعة الرضوان بايعوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على الموت «إنما يبايعون الله» يعني أن المبايعة معك تكون مبايعة مع الله لأن طاعتك طاعة الله و إنما سميت بيعة لأنها عقدت على بيع أنفسهم بالجنة للزومهم في الحرب النصرة

«يد الله فوق أيديهم» أي عقد الله في هذه البيعة فوق عقدهم لأنهم بايعوا الله ببيعة نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) فكأنهم بايعوه من غير واسطة عن السدي و قيل معناه قوة الله في نصرة نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) فوق نصرتهم إياه أي ثق بنصرة الله لك لا بنصرتهم و إن بايعوك عن ابن كيسان و قيل نعمة الله عليهم بنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) فوق أيديهم بالطاعة و المبايعة عن الكلبي و قيل يد الله بالثواب و ما وعدهم على بيعتهم من الجزاء فوق أيديهم بالصدق و الوفاء عن ابن عباس «فمن نكث» أي نقض ما عقد من البيعة «فإنما ينكث على نفسه» أي يرجع ضرر ذلك النقض عليه و ليس له الجنة و لا كرامة عن ابن عباس «و من أوفى» أي ثبت على الوفاء «بما عاهد عليه الله» من البيعة «فسيؤتيه أجرا عظيما» أي ثوابا جزيلا.