۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة محمد، آية ٢٢

التفسير يعرض الآيات ٢١ إلى ٢٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

طَاعَةٞ وَقَوۡلٞ مَّعۡرُوفٞۚ فَإِذَا عَزَمَ ٱلۡأَمۡرُ فَلَوۡ صَدَقُواْ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ ٢١ فَهَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن تَوَلَّيۡتُمۡ أَن تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَتُقَطِّعُوٓاْ أَرۡحَامَكُمۡ ٢٢ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمۡ وَأَعۡمَىٰٓ أَبۡصَٰرَهُمۡ ٢٣ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَآ ٢٤ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَٰرِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡهُدَى ٱلشَّيۡطَٰنُ سَوَّلَ لَهُمۡ وَأَمۡلَىٰ لَهُمۡ ٢٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

طاعَةٌ وَ قَوْلٌ مّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صدَقُوا اللّهَ لَكانَ خَيراً لّهُمْ (21) فَهَلْ عَسيْتُمْ إِن تَوَلّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فى الأَرْضِ وَ تُقَطعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئك الّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ فَأَصمّهُمْ وَ أَعْمَى أَبْصرَهُمْ (23) أَ فَلا يَتَدَبّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24) إِنّ الّذِينَ ارْتَدّوا عَلى أَدْبَرِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَينَ لَهُمُ الْهُدَى الشيْطنُ سوّلَ لَهُمْ وَ أَمْلى لَهُمْ (25)

القراءة

قرأ يعقوب و سهل و تقطعوا بفتح التاء و الطاء و سكون القاف و الباقون «و تقطعوا» بالتشديد و ضم التاء و كسر الطاء و قرأ أهل البصرة و أملي لهم بضم الهمزة و فتح الياء و في رواية رويس عن يعقوب بسكون الياء و قرأ الباقون «و أملى لهم» بفتح الهمزة و اللام و روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فهل عسيتم إن وليتم و عن علي (عليه السلام) «إن توليتم» قال أبو حاتم معناه إن تولاكم الناس.

الحجة

حجة من قرأ و تقطعوا بالتخفيف قوله تعالى «و يقطعون ما أمر الله به أن يوصل» و التشديد للمبالغة و قوله وليتم من الولاية و فيه دلالة على أن القراءة المشهورة «توليتم» معناه توليتم الأمر قال أبو علي قالوا انتظرته مليا من الدهر أي متسعا منه صفة استعمل استعمال الأسماء و قالوا تمليت حبيبا أي عشت معه ملاوة من الدهر و قالوا الملوان يريدون بهما تكرر الليل و النهار و طول مدتهما قال:

{نهار و ليل دائم ملواهما --- على كل حال المرء يختلفان}

فلو كان الليل و النهار لم يضافا إلى ضميرهما من حيث لا يضاف الشيء إلى نفسه و لكن كأنه يراد تكرار الدهر و اتساعه بهما و الضمير في «أملي لهم» لاسم الله كما قال و أملي لهم أن كيدي متين فمن قرأ و أملي لهم فبني الفعل للمفعول به فإنه يحسن في هذا الموضع للعلم بأنه لا يؤخر أحد مدة أحد و لا يوسع له فيها إلا الله سبحانه.

المعنى

«طاعة و قول معروف» قد ذكرنا أن فيه مذهبين ( أحدهما ) أن يكون كلاما متصلا بما قبله و قد مر ذكره ( و الآخر ) أن يكون كلاما مبتدأ ثم اختلف في تقديره على وجهين ( أحدهما ) أن يكون مبتدأ محذوف الخبر ثم قيل إن معناه طاعة و قول معروف أمثل و أليق من أحوال هؤلاء المنافقين و قيل معناه طاعة و قول معروف خير لهم من جزعهم عند نزول فرض الجهاد عن الحسن و الوجه الآخر أنه خبر مبتدإ محذوف تقديره قولوا أمرنا طاعة و قول معروف أي حسن لا ينكره السامع و هذا أمر أمر الله به المنافقين عن مجاهد و قيل هو حكاية عنهم أنهم كانوا يقولون ذلك و يقتضيه قوله «فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم» «فإذا عزم الأمر» معناه فإذا جد الأمر و لزم فرض القتال و صار الأمر معزوما عليه و العزم العقد على الأمر بالإرادة لأن يفعله فإذا عقد العازم العزم على أن يفعله قيل عزم الأمر على طريق البلاغة و جواب إذا محذوف و يدل عليه قوله «فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم» و تقديره فإذا عزم الأمر نكلوا و كذبوا فيما وعدوا من أنفسهم فلو صدقوا الله فيما أمرهم به من الجهاد و امتثلوا أمره لكان خيرا لهم في دينهم و دنياهم من نفاقهم «فهل عسيتم» يا معشر المنافقين «إن توليتم أن تفسدوا في الأرض و تقطعوا أرحامكم» معناه إن توليتم الأحكام و وليتم أي جعلتم ولاة أن تفسدوا في الأرض بأخذ الرشاء و سفك الدم الحرام فيقتل بعضكم بعضا و يقطع بعضكم رحم بعض كما قتلت قريش بني هاشم و قتل بعضهم بعضا و قيل إن توليتم معناه إن أعرضتم عن كتاب الله و العمل بما فيه أن تعودوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية فتفسدوا بقتل بعضكم بعضا قال قتادة كيف رأيتم القوم حين تولوا عن القرآن أ لم يسفكوا الدم الحرام و قطعوا الأرحام و عصوا الرحمن ثم ذم الله سبحانه من يريد ذلك فقال «أولئك الذين لعنهم الله» أي أبعدهم من رحمته «فأصمهم و أعمى أبصارهم» و معناه أنهم لا يعون الخبر و لا يبصرون ما به يعتبرون فكأنهم صم عمي عن أبي مسلم و قيل أنهم في الآخرة لا يهتدون إلى الجنة بمنزلة الأصم الأعمى في الدنيا عن أبي علي الجبائي و لا يجوز حمله على الصمم و العمى في الجارحة بلا خلاف لأنهم لو كانوا كذلك لما ذموا على أنهم لا يسمعون و لا يبصرون و إنما أطلق الصمم لأنه لا يكون إلا في الأذن و قرن العمي بالأبصار لأنه قد يكون بالبصر و بالقلب «أ فلا يتدبرون القرآن» بأن يتفكروا فيه و يعتبروا به و قيل أ فلا يتدبرون القرآن فيقضوا ما عليهم من الحق عن أبي عبد الله (عليه السلام) و أبي الحسن موسى (عليه السلام) «أم على قلوب أقفالها» معنى تنكير القلوب إرادة قلوب هؤلاء و من كان مثلهم من غيرهم و في هذا دلالة على بطلان قول من قال لا يجوز تفسير شيء من ظاهر القرآن إلا بخبر و سمع و فيه تنبيه أيضا على فساد قول من يقول إن الحديث ينبغي أن يروى على ما جاء و إن كان مخالفا لأصول الديانات في المعنى لأنه سبحانه دعا إلى التدبر و التفكر و ذلك مناف للتعامي و التجاهل ثم قال سبحانه «إن الذين ارتدوا على أدبارهم» أي رجعوا عن الحق و الإيمان «من بعد ما تبين لهم الهدى» أي من بعد ما بان لهم طريق الحق و هم المنافقون عن ابن عباس و الضحاك و السدي كانوا يؤمنون عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم يظهرون الكفر فيما بينهم فتلك ردة منهم و قيل هم كفار أهل الكتاب كفروا بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) و قد عرفوه و وجدوا نعته مكتوبا عندهم عن قتادة و ليس في هذا دلالة على أن المؤمن قد يكفر لأنه لا يمتنع أن يكون المراد من رجع في باطنه عن الإيمان بعد أن أظهره و قامت الحجة عنده بصحته «الشيطان سول لهم» أي زين لهم خطاياهم عن الحسن و قيل أعطاهم سؤلهم و أمنيتهم إذ دعاهم إلى ما يوافق مرادهم و هواهم عن أبي مسلم «و أملى لهم» أي طول لهم أملهم فاغتروا به و قيل أوهمهم طول العمر مع الأمن من المكاره و أبعد لهم في الأمل و الأمنية.