۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الأحقاف، آية ١٤

التفسير يعرض الآيات ١١ إلى ١٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوۡ كَانَ خَيۡرٗا مَّا سَبَقُونَآ إِلَيۡهِۚ وَإِذۡ لَمۡ يَهۡتَدُواْ بِهِۦ فَسَيَقُولُونَ هَٰذَآ إِفۡكٞ قَدِيمٞ ١١ وَمِن قَبۡلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامٗا وَرَحۡمَةٗۚ وَهَٰذَا كِتَٰبٞ مُّصَدِّقٞ لِّسَانًا عَرَبِيّٗا لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُحۡسِنِينَ ١٢ إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ١٣ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ خَٰلِدِينَ فِيهَا جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٤ وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ إِحۡسَٰنًاۖ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ كُرۡهٗا وَوَضَعَتۡهُ كُرۡهٗاۖ وَحَمۡلُهُۥ وَفِصَٰلُهُۥ ثَلَٰثُونَ شَهۡرًاۚ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗ قَالَ رَبِّ أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَٰلِحٗا تَرۡضَىٰهُ وَأَصۡلِحۡ لِي فِي ذُرِّيَّتِيٓۖ إِنِّي تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ١٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ قَالَ الّذِينَ كفَرُوا لِلّذِينَ ءَامَنُوا لَوْ كانَ خَيراً مّا سبَقُونَا إِلَيْهِ وَ إِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (11) وَ مِن قَبْلِهِ كِتَب مُوسى إِمَاماً وَ رَحْمَةً وَ هَذَا كِتَبٌ مّصدِّقٌ لِّساناً عَرَبِيّا لِّيُنذِرَ الّذِينَ ظلَمُوا وَ بُشرَى لِلْمُحْسِنِينَ (12) إِنّ الّذِينَ قَالُوا رَبّنَا اللّهُ ثُمّ استَقَمُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يحْزَنُونَ (13) أُولَئك أَصحَب الجَْنّةِ خَلِدِينَ فِيهَا جَزَاءَ بِمَا كانُوا يَعْمَلُونَ (14) وَ وَصيْنَا الانسنَ بِوَلِدَيْهِ إِحْسناً حَمَلَتْهُ أُمّهُ كُرْهاً وَ وَضعَتْهُ كُرْهاً وَ حَمْلُهُ وَ فِصلُهُ ثَلَثُونَ شهْراً حَتى إِذَا بَلَغَ أَشدّهُ وَ بَلَغَ أَرْبَعِينَ سنَةً قَالَ رَب أَوْزِعْنى أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَك الّتى أَنْعَمْت عَلىّ وَ عَلى وَلِدَى وَ أَنْ أَعْمَلَ صلِحاً تَرْضاهُ وَ أَصلِحْ لى فى ذُرِّيّتى إِنى تُبْت إِلَيْك وَ إِنى مِنَ الْمُسلِمِينَ (15)

القراءة

قرأ أهل الحجاز و ابن عامر و يعقوب لتنذر بالتاء و الباقون بالياء و قرأ أهل الكوفة «إحسانا» و الباقون حسنا و روي عن علي (عليه السلام) و أبي عبد الرحمن السلمي حسنا بفتح الحاء و السين و قرأ أهل الحجاز و أبو عمرو و الكسائي كرها بفتح الكاف و الباقون بضمها و قرأ يعقوب و فصله و هو قراءة الحسن و أبي رجاء و عاصم و الجحدري و الباقون «و فصاله».

الحجة

قال أبو علي حجة من قرأ لتنذر بالتاء قوله إنما أنت منذر و قوله لتنذر به و ذكرى و حجة الياء لينذر بأسا شديدا أو أسند الإنذار إلى الكتاب كما أسنده إلى الرسول و أما الباء في قوله «بوالديه» فيجوز أن يتعلق بوصينا بدلالة قوله ذلكم وصاكم به و يجوز أن يتعلق بالإحسان و يدل عليه قوله «و قد أحسن بي إذ أخرجني» و لا يجوز أن يتعلق في الآية بالإحسان لتقدمها على الموصول و لكن يجوز أن تعلقه بمضمر يفسره الإحسان كما جاز في نحو قوله «و كانوا فيه من الزاهدين» و قوله:

كان جزائي بالعصا أن أجلدا في قول من لم يعلقه بالجزاء.

و الإحسان خلاف الإساءة و الحسن خلاف القبح فمن قال إحسانا كان انتصابه على المصدر و ذلك أن معنى قوله وصينا الإنسان بوالديه حسنا أمرناه بالإحسان أي ليأتي الإحسان إليهما دون الإساءة و لا يجوز أن يكون انتصابه بوصينا لأن وصينا قد استوفى مفعوليه اللذين أحدهما منصوب و الآخر المتعلق بالباء و من قرأ حسنا فمعناه ليأت في أمرهما أمرا ذا حسن أي ليأت الحسن في أمرهما دون القبيح و يؤيده قراءة علي صلوات الرحمن عليه حسنا لأن معناه ليأت في أمرهما فعلا حسنا و أما الكره بالفتح فهو المصدر و الكره بالضم الاسم كأنه الشيء المكروه قال كتب عليكم القتال و هو كره لكم و هذا بالضم و قال أن ترثوا النساء كرها فهذا في موضع الحال و الفتح فيه أحسن و قد قيل إنهما لغتان و أما الفصل فهو بمعنى الفصال إلا أن الأكثر بالألف و في الحديث لا رضاع بعد الفصال يعني بعد الفطام.

اللغة

القديم ما تقادم وجوده و في عرف المتكلمين هو الموجود الذي لا أول لوجوده و الإيزاع أصله المنع و أوزعني امنعني عن الانصراف عن ذلك باللطف و منه قول الحسن لا بد للناس من وزعة و قال أبو مسلم الإيزاع إيصال الشيء إلى القلب.

الإعراب

إماما منصوب على الحال من الضمير في الظرف عند سيبويه و من كتاب موسى عند الأخفش و من رفع بالظرف و يجوز أن يرتفع قوله «كتاب موسى» بالعطف على قوله «و شهد شاهد من بني إسرائيل» أي و شهد من قبل القرآن كتاب موسى ففصل بالظرف بين الواو و المعطوف به و رحمة معطوف على قوله «إماما» و «لسانا عربيا» منصوب على الحال أيضا من قوله «هذا كتاب» و يجوز أن يكون حالا مما في مصدق من الضمير و تقديره و هذا كتاب مصدق ملفوظا به على لسان العرب و بشرى عطف على قوله «لينذر» و هو مفعول له جزاء مصدر مؤكد لما قبله و تقديره جوزوا جزاء فاستغنى عن ذكر جوزوا لدلالة الجملة قبلها عليها و يجوز أن يكون جزاء مفعولا له و كرها منصوب على الحال أي حملته كارهة.

المعنى

ثم أخبر سبحانه عن الكفار الذين جحدوا وحدانيته فقال «و قال الذين كفروا للذين آمنوا» بالله و رسوله «لو كان خيرا ما سبقونا إليه» أي لو كان هذا الذي يدعونا إليه محمد خيرا أي نفعا عاجلا أو آجلا ما سبقنا هؤلاء الذين آمنوا به إلى ذلك لأنا كنا بذلك أولى و اختلف فيمن قال ذلك فقيل هم اليهود قالوا لو كان دين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) خيرا ما سبقنا إليه عبد الله بن سلام عن أكثر المفسرين و قيل: إن أسلم و جهينة و مزينة و غفارا لما أسلموا قال بنو عامر بن صعصعة و غطفان و أسد و أشجع هذا القول عن الكلبي و نظم الكلام يوجب أن يكون ما سبقتمونا إليه و لكنه على ترك المخاطبة «و إذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم» أي فإذا لم يهتدوا بالقرآن من حيث لم يتدبروه فسيقولون هذا القرآن كذب متقادم أي أساطير الأولين ثم قال سبحانه «و من قبله كتاب موسى» أي من قبل القرآن كتاب موسى و هو التوراة «إماما» يقتدى به «و رحمة» من الله للمؤمنين به قبل القرآن و تقدير الكلام و تقدمه كتاب موسى إماما و في الكلام محذوف يتم به المعنى تقديره فلم يهتدوا به و دل عليه قوله في الآية الأولى «و إذ لم يهتدوا به» و ذلك أن المشركين لم يهتدوا بالتوراة فيتركوا ما هم عليه من عبادة الأوثان و يعرفوا منها صفة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم قال «و هذا كتاب» يعني القرآن «مصدق» للكتب التي قبله «لسانا عربيا» ذكر اللسان توكيدا كما تقول جاءني زيد رجلا صالحا فتذكر رجلا توكيدا لتنذر الذين ظلموا أي لتخوفهم يخاطب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و من قرأ بالياء أسند الفعل إلى الكتاب

«و بشرى للمحسنين» و بشارة للمؤمنين و قيل معناه و يبشر بشرى فيكون نصبا على المصدر و يجوز أن يكون في موضع رفع أي و هو بشرى للمحسنين الموحدين «إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا» مر تفسيره «فلا خوف عليهم» من العقاب «و لا هم يحزنون» من أهوال يوم القيامة «أولئك أصحاب الجنة» الملازمون لها المنعمون فيها «خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون» في الدنيا من الطاعات و الأعمال الصالحات «و وصينا الإنسان بوالديه إحسانا» مر تفسيره «حملته أمه كرها» أي بكرة و مشقة عن الحسن و قتادة و مجاهد يعني حين أثقلت و ثقل عليها الولد «و وضعته كرها» يريد به شدة الطلق عن ابن عباس «و حمله و فصاله ثلاثون شهرا» يريد أن أقل مدة الحمل و كمال مدة الرضاع ثلاثون شهرا قال ابن عباس إذا حملت المرأة تسعة أشهر أرضعت أحدا و عشرين شهرا و إذا حملت ستة أشهر أرضعت أربعة و عشرين شهرا «حتى إذا بلغ أشده» و هو ثلاث و ثلاثون سنة عن ابن عباس و قتادة و قيل بلوغ الحلم عن الشعبي و قيل وقت قيام الحجة عليه عن الحسن و قيل هو أربعون سنة و ذلك وقت إنزال الوحي على الأنبياء و لذلك فسر به فقال «و بلغ أربعين سنة» فيكون هذا بيانا لزمان الأشد و أراد بذلك أنه يكمل له رأيه و يجتمع عليه عقله عند الأربعين سنة «قال رب أوزعني» أي ألهمني «أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي و على والدي و أن أعمل صالحا ترضاه» قد مر تفسيره في سورة النمل «و أصلح لي في ذريتي» أي اجعل ذريتي صالحين عن الزجاج و قيل أنه دعاء بإصلاح ذريته لبره و طاعته لقوله «أصلح لي» و قيل أنه الدعاء بإصلاحهم لطاعة الله عز و جل و هو عبادته و هو الأشبه لأن طاعتهم لله من بره لأن اسم الذرية يقع على من يكون بعده و قيل معناه اجعلهم لي خلف صدق و لك عبيد حق عن سهل بن عبد الله «إني تبت إليك» من سيئاتي و ذنوبي «و إني من المسلمين» المنقادين لأمرك.