۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الدخان، آية ١٠

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ١١

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

حمٓ ١ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ ٢ إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةٖ مُّبَٰرَكَةٍۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ٣ فِيهَا يُفۡرَقُ كُلُّ أَمۡرٍ حَكِيمٍ ٤ أَمۡرٗا مِّنۡ عِندِنَآۚ إِنَّا كُنَّا مُرۡسِلِينَ ٥ رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٦ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَآۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ٧ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ رَبُّكُمۡ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٨ بَلۡ هُمۡ فِي شَكّٖ يَلۡعَبُونَ ٩ فَٱرۡتَقِبۡ يَوۡمَ تَأۡتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٖ مُّبِينٖ ١٠ يَغۡشَى ٱلنَّاسَۖ هَٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٞ ١١

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ حم (1) وَ الْكتَبِ الْمُبِينِ (2) إِنّا أَنزَلْنَهُ فى لَيْلَةٍ مّبَرَكَةٍ إِنّا كُنّا مُنذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كلّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْراً مِّنْ عِندِنَا إِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِّن رّبِّك إِنّهُ هُوَ السمِيعُ الْعَلِيمُ (6) رَب السمَوَتِ وَ الأَرْضِ وَ مَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مّوقِنِينَ (7) لا إِلَهَ إِلا هُوَ يحْىِ وَ يُمِيت رَبّكمْ وَ رَب ءَابَائكُمُ الأَوّلِينَ (8) بَلْ هُمْ فى شكٍ يَلْعَبُونَ (9) فَارْتَقِب يَوْمَ تَأْتى السمَاءُ بِدُخَانٍ مّبِينٍ (10) يَغْشى النّاس هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11)

إحدى عشرة آية كوفي في غيرهم.

القراءة

قرأ أهل الكوفة رب السماوات بالجر و الباقون بالرفع.

الحجة

الرفع فيه على أحد أمرين إما أن يكون خبر مبتدإ محذوف أي هو رب السماوات و إما أن يكون مبتدأ و خبره الجملة التي عاد الذكر منها إليه و هو قوله «لا إله إلا هو» و يقويه قوله «رب المشرق و المغرب» لا إله إلا هو و من قرأ بالجر جعله بدلا «من ربك» المتقدم ذكره قال أبو الحسن الرفع أحسن و به يقرأ.

الإعراب

«إنا كنا منذرين» جواب القسم دون قوله «إنا أنزلناه» لأنك لا تقسم بالشيء على نفسه فإن القسم تأكيد خبر بخبر آخر فقوله «إنا أنزلناه في ليلة مباركة» اعتراض بين القسم و جوابه أمرا من عندنا في انتصابه وجهان ( أحدهما ) أن يكون نصبا على الحال و تقديره إنا أنزلناه آمرين أمرا كما يقال جاء فلان مشيا و ركضا أي ماشيا و راكضا و على هذا فيكون مصدرا موضوعا موضع الحال و هذا اختيار الأخفش و يجوز أن يكون تقديره ذا أمر فحذف المضاف كما قال و لكن البر بمعنى ذا البر ( و الثاني ) أن يكون منصوبا على المصدر لأن معنى قوله «فيها يفرق» فيها يؤمر قد دل يفرق على يؤمر و قوله «رحمة» منصوب على أنه مفعول له أي أنزلناه للرحمة و قال الأخفش هو منصوب على الحال أي راحمين رحمة.

المعنى

«حم» مر بيانه «و الكتاب المبين» أقسم سبحانه بالقرآن الدال على صحة نبوة نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) و فيه بيان الأحكام و الفصل بين الحلال و الحرام و جواب القسم «إنا أنزلناه في ليلة مباركة» أي إنا أنزلنا القرآن و الليلة المباركة هي ليلة القدر عن ابن عباس وقتادة و ابن زيد و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه السلام) و قيل هي ليلة النصف من شعبان عن عكرمة و الأصح الأول و يدل عليه قوله «إنا أنزلناه في ليلة القدر»

وقوله «شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن» و اختلف في كيفية إنزاله فقيل أنزل إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ثم أنزل نجوما إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و قيل أنه كان ينزل جميع ما يحتاج في كل سنة في تلك الليلة ثم كان ينزلها جبرائيل (عليه السلام) شيئا فشيئا وقت وقوع الحاجة إليه و قيل كان بدء إنزاله في ليلة القدر و روي عن ابن عباس أنه قال قد كلم الله جبرائيل في ليلة واحدة و هي ليلة القدر فسمعه جبرائيل و حفظه بقلبه و جاء به إلى السماء الدنيا إلى الكتبة و كتبوه ثم نزل على محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بالنجوم في ثلاث و عشرين سنة و قيل في عشرين سنة و إنما وصف الله سبحانه هذه الليلة بأنها مباركة لأن فيها يقسم الله نعمة على عباده من السنة إلى السنة فتدوم بركاتها و البركة نماء الخير و ضدها الشؤم و هو نماء الشر فالليلة التي أنزل فيها كتاب الله مباركة ينمي الخير فيها على ما دبر الله سبحانه لها من علو مرتبتها و استجابة الدعاء فيها «إنا كنا منذرين» أي مخوفين بما أنزلناه من تعذيب العصاة و الإنذار الأعلام بموضع الخوف ليتقى و موضع الأمن ليجتبى فالله عز اسمه قد أنذر عباده بأتم الإنذار من طريق العقل و السمع «فيها يفرق كل أمر حكيم» أي في هذه الليلة يفصل و يبين و المعنى يقضى كل أمر محكم لا تلحقه الزيادة و النقصان و هو أنه يقسم فيها الآجال و الأرزاق و غيرها من أمور السنة إلى مثلها من العام القابل عن ابن عباس و الحسن و قتادة و عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال إنك لترى الرجل يمشي في الأسواق و قد وقع اسمه في الموتى و قال عكرمة هي ليلة النصف من شعبان يبرم فيها أمر السنة و ينسخ الأحياء من الأموات و يكتب الحاج فلا يزيد فيهم أحد و لا ينقص منهم أحد «أمرا من عندنا» معناه إنا نأمر ببيان ذلك و نسخه من اللوح المحفوظ «إنا كنا مرسلين» محمدا إلى عبادنا كمن كان قبله من الأنبياء «رحمة من ربك» أي رأفة منا بخلقنا و نعمة منا عليهم بما بعثنا إليهم من الرسل عن ابن عباس «إنه هو السميع» لمن دعاه من عباده «العليم» بمصالحهم «رب السماوات و الأرض» أي خالقهما و مدبرهما «و ما بينهما إن كنتم موقنين» بهذا الخبر محققين له و هو أنه «لا إله إلا هو» لا يستحق العبادة سواه «يحيي» الخلق بعد موتهم «و يميت» أي و يميتهم بعد إحيائهم «ربكم» الذي خلقكم و دبركم «و رب آبائكم الأولين» الذين سبقوكم ثم ذكر سبحانه الكفار فقال ليس هؤلاء بموقنين بما قلناه «بل هم في شك» مما أخبرناك به «يلعبون» مع ذلك و يستهزءؤن بك و بالقرآن إذا قرىء عليهم عن الجبائي و قيل يلعبون أي يشتغلون بالدنيا و يترددون في أحوالها ثم خاطب نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال «فارتقب» أي فانتظر يا محمد «يوم تأتي

السماء بدخان مبين» و ذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دعا على قومه لما كذبوه فقال اللهم سنينا كسني يوسف فأجدبت الأرض فأصابت قريشا المجاعة و كان الرجل لما به من الجوع يرى بينه و بين السماء كالدخان و أكلوا الميتة و العظام ثم جاءوا إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و قالوا يا محمد جئت تأمر بصلة الرحم و قومك قد هلكوا فسأل الله تعالى لهم بالخصب و السعة فكشف عنهم ثم عادوا إلى الكفر عن ابن مسعود و الضحاك و قيل إن الدخان آية من أشراط الساعة تدخل في مسامع الكفار و المنافقين و هو لم يأت بعد و إنه يأتي قبل قيام الساعة فيدخل أسماعهم حتى أن رءوسهم تكون كالرأس الحنيذ و يصيب المؤمن منه مثل الزكمة و تكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه ليس فيه خصاص و يمكث ذلك أربعين يوما عن ابن عباس و ابن عمر و الحسن و الجبائي «يغشى الناس» يعني أن الدخان يعم جميع الناس و على القول الأول المراد بالناس أهل مكة و هم الذين يقولون «هذا عذاب أليم» أي موجع مؤلم.