۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الزخرف، آية ٨٠

التفسير يعرض الآيات ٧٦ إلى ٨٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّٰلِمِينَ ٧٦ وَنَادَوۡاْ يَٰمَٰلِكُ لِيَقۡضِ عَلَيۡنَا رَبُّكَۖ قَالَ إِنَّكُم مَّٰكِثُونَ ٧٧ لَقَدۡ جِئۡنَٰكُم بِٱلۡحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَكُمۡ لِلۡحَقِّ كَٰرِهُونَ ٧٨ أَمۡ أَبۡرَمُوٓاْ أَمۡرٗا فَإِنَّا مُبۡرِمُونَ ٧٩ أَمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّا لَا نَسۡمَعُ سِرَّهُمۡ وَنَجۡوَىٰهُمۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيۡهِمۡ يَكۡتُبُونَ ٨٠ قُلۡ إِن كَانَ لِلرَّحۡمَٰنِ وَلَدٞ فَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡعَٰبِدِينَ ٨١ سُبۡحَٰنَ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ ٨٢ فَذَرۡهُمۡ يَخُوضُواْ وَيَلۡعَبُواْ حَتَّىٰ يُلَٰقُواْ يَوۡمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ ٨٣ وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَآءِ إِلَٰهٞ وَفِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَٰهٞۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡعَلِيمُ ٨٤ وَتَبَارَكَ ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا وَعِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٨٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ مَا ظلَمْنَهُمْ وَ لَكِن كانُوا هُمُ الظلِمِينَ (76) وَ نَادَوْا يَمَلِك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبّك قَالَ إِنّكم مّكِثُونَ (77) لَقَدْ جِئْنَكم بِالحَْقِّ وَ لَكِنّ أَكْثرَكُمْ لِلْحَقِّ كَرِهُونَ (78) أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنّا مُبرِمُونَ (79) أَمْ يحْسبُونَ أَنّا لا نَسمَعُ سِرّهُمْ وَ نجْوَاهُم بَلى وَ رُسلُنَا لَدَيهِمْ يَكْتُبُونَ (80) قُلْ إِن كانَ لِلرّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوّلُ الْعَبِدِينَ (81) سبْحَنَ رَب السمَوَتِ وَ الأَرْضِ رَب الْعَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ (82) فَذَرْهُمْ يخُوضوا وَ يَلْعَبُوا حَتى يُلَقُوا يَوْمَهُمُ الّذِى يُوعَدُونَ (83) وَ هُوَ الّذِى فى السمَاءِ إِلَهٌ وَ فى الأَرْضِ إِلَهٌ وَ هُوَ الحَْكِيمُ الْعَلِيمُ (84) وَ تَبَارَك الّذِى لَهُ مُلْك السمَوَتِ وَ الأَرْضِ وَ مَا بَيْنَهُمَا وَ عِندَهُ عِلْمُ الساعَةِ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (85)

القراءة

قرأ ابن كثير و أهل الكوفة غير عاصم إلا يحيى و روح عن يعقوب و إليه يرجعون بالياء و الباقون بالتاء و في الشواذ قراءة ابن مسعود و يحيى و الأعمش يا مال و روي ذلك عن علي (عليه السلام) و قراءة أبي عبد الرحمن اليماني فأنا أول العبدين بغير ألف و القراءة المشهورة «العابدين».

الحجة

قال أبو علي حجة الياء في يرجعون أن قبله غيبة و هو قوله «فذرهم يخوضوا و يلعبوا» و حجة التاء أن يراد به مع الغيبة مخاطبون فغلب الخطاب على الغيبة أو يكون على قل لهم و إليه ترجعون و قوله يا مال على المذهب المألوف في الترخيم قال الشاعر:

{فأبلغ مالكا عني رسولا --- وما يغني الرسول لديك مال}

أي يا مالك قال ابن جني و في هذا الموضع سر و هو أنهم لعظم ما هم فيه خفيت قواهم و صغر كلامهم فكان هذا في موضع الاختصار و قوله «أنا أول العابدين» من قولهم عبدت من الأمر أعبد عبدا أي أنفت منه قال الفرزدق:

{أولئك قومي إن هجوني هجوتهم --- و أعبد أن تهجى كليب بدارم} {ولكن نصفا إن سببت و سبني --- بنو عبد شمس من قريش و هاشم}

الإعراب

قوله «و هو الذي في السماء إله» ارتفع إله بكونه خبر مبتدإ محذوف من الصلة و تقديره و هو الذي هو في السماء إله و في السماء يتعلق بقوله «إله» و موضعه نصب به و إن كان مقدما عليه «و عنده علم الساعة» أي علم وقوع الساعة فالمصدر مضاف إلى المفعول أي يعلم وقوع الساعة.

المعنى

لما بين سبحانه ما يفعله بالمجرمين بين أنه لم يظلمهم بذلك فقال «و ما ظلمناهم و لكن كانوا هم الظالمين» نفوسهم بما جنوا عليها من العذاب «و نادوا يا مالك» أي و يدعون خازن جهنم فيقولون يا مالك «ليقض علينا ربك» أي ليمتنا ربك حتى نتخلص و نستريح من هذا العذاب «قال» أي فيقول مالك مجيبا لهم «إنكم ماكثون» أي لابثون دائمون في العذاب قال ابن عباس و السدي إنما يجيبهم مالك بذلك بعد ألف سنة و قال عبد الله بن عمر بعد أربعين عاما «لقد جئناكم» أي يقول الله تعالى لقد أرسلنا إليكم الرسل «بالحق» أي جاءكم رسلنا بالحق و أضافه إلى نفسه لأنه كان بأمره و قيل هو من قول مالك و إنما قال «لقد جئناكم» لأنه من الملائكة و هم من جنس الرسل عن الجبائي «و لكن أكثركم» معاشر الخلق «للحق كارهون» لأنكم ألفتم الباطل فكرهتم مفارقته «أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون» أي بل أحكموا أمرا في كيد محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) و المكر به «فإنا مبرمون» أي محكمون أمرا في مجازاتهم «أم يحسبون» أي بل أ يظن هؤلاء الكفار «أنا لا نسمع سرهم و نجواهم» أي ما يسرونه من غيرهم و يتناجون به بينهم و السر ما يضمره الإنسان في نفسه و لا يظهره لغيره و النجوى ما يحدث به المحدث غيره في الخفية «بلى» نسمع ذلك و ندركه

«و رسلنا لديهم يكتبون» ما يقولونه و يفعلونه يعني الحفظة و سبب نزول الآية مذكور في تفسير أهل البيت (عليهم السلام) «قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين» اختلف في معناه على أقوال ( أحدها ) أن معناه إن كان للرحمن ولد في قولكم و على زعمكم فأنا أول العابدين أي أول من عبد الله وحده فقد دفع أن يكون له ولد و المعنى فأنا أول الموحدين لله المنكرين لقولكم عن مجاهد ( و ثانيها ) أن إن بمعنى ما النفي و المعنى ما كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين لله المقرين بذلك عن ابن عباس و قتادة و ابن زيد ( و ثالثها ) إن معناه لو كان له ولد لكنت أنا أول الأنفين من عبادته لأن من كان له ولد لا يكون إلا جسما محدثا و من كان كذلك لا يستحق العبادة لأنه لا يقدر على النعم التي يستحق بها العبادة عن الجبائي و غيره ( و رابعها ) أنه يقول كما أني لست أول من عبد الله فكذلك ليس لله ولد و هذا كما تقول إن كنت كاتبا فأنا حاسب تريد لست كاتبا و لا أنا حاسب عن سفيان بن عيينة ( و خامسها ) أن معناه لو كان له ولد لكنت أول من يعبده بأن له ولدا و لكن لا ولد له عن السدي و أبي مسلم و هذا كما يقال لو دعت الحكمة إلى عبادة غيره لعبدته لكن الحكمة لا تدعو إلى عبادة غيره و لو دل الدليل على أن له ولدا لقلت به و لكنه لا يدل فهذا تحقيق لنفي الولد و تبعيد له لأنه تعليق محال بمحال ثم نزه سبحانه نفسه عن ذلك فقال «سبحان رب السماوات و الأرض رب العرش عما يصفون» أي تنزيها لمالك السماوات و الأرض و خالقهن و خالق العرش و مدبره عما يصفونه به من اتخاذ الولد لأن من قدر على ذلك استغنى عن اتخاذ الولد ثم خاطب سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) على وجه التهديد للكفار فقال «فذرهم يخوضوا» في باطلهم «و يلعبوا» في دنياهم «حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون» فيه بعذاب الأبد و هو يوم القيامة «و هو الذي في السماء إله و في الأرض إله» أي هو الذي تحق له العبادة في السماء و تحق له العبادة في الأرض و إنما كرر لفظ إله لأمرين ( أحدهما ) التأكيد ليتمكن المعنى في النفس ( و الثاني ) لأن المعنى هو إله في السماء يجب على الملائكة عبادته و إله في الأرض يجب على الإنس و الجن عبادته «و هو الحكيم» في جميع أفعاله «العليم» بمصالح عباده «و تبارك الذي له ملك السماوات و الأرض و ما بينهما» أي دامت بركته فمنه البركات و إيصال السعادات و جل عن أن يكون له ولد أو شبيه من له التصرف في السماوات و الأرض و فيما بينهما بلا دافع و لا منازع «و عنده علم الساعة» أي علم يوم القيامة لأنه لا يعلم وقته على التعيين غيره «و إليه ترجعون» يوم القيامة فيجازي كلا على قدر عمله.